التداخل بين الطموح الديني والطموح السياسي

حسين محمود التلاوي
2022 / 6 / 11

تظهر وقائع التاريخ أن أي طموح ديني لا بد أن يتحول في نهاية الأمر إلى طموح سياسي.
ما السبب في هذه العبارة القاطعة؟! السبب أن وقائع التاريخ — المؤكدة وليست قراءة وقائع التاريخ — تقول ذلك.
الوقائع تقول إن الطموح الديني يتحول إلى طموح سياسي؛ من خلال محاولة إيجاد مظلة سياسية — بكل ما تحمله من دلالات مجتمعية، وعسكرية، وغير ذلك من الدلالات — لحماية أي مكتسبات تحققت للدين أو المذهب؛ فالدين أفكار، ويمكن محاربتها بأفكار مثلها. وإن كانت الأفكار على قدر من الضعف، يمكن لأفكار مغايرة مضادة أن تتغلب عليها بمرور الوقت. لكن المظلة السياسية لديها العديد من الأدوات التي لا تتوافر تحت المظلة الدينية؛ مثل الأداة العسكرية.
في المقابل، لا بد لكل صراع سياسي أن يتحول في مرحلة ما إلى صراع ديني. ما السبب في تلك العبارة القاطعة؟! السبب أنالصراع السياسي يفقد — بعد فترة تطول أو تقصر — الزخم، ويبدأ المؤيدون إما في الانفضاض عنه، أو السعي إلى إيجاد تسوية له؛ أي يشعرون بالملل منه. لذلك تسعى أطراف الصراع إلى إيجاد المبرر للاستمرار فيه، ولحشد المؤيدين له؛ لأن الانتماء الديني — خاصة في عصور ما قبل الدولة الحديثة — كان يفوق في قوته الانتماء إلى الدولة. وربما كان هذا من عوامل تمحور عبادة آلهة معينة في مدن بعينها بخاصة في اليونان القديمة، ولكن هذا موضوع آخر.
ظهر الأمران السابقان — تحول الطموح الديني إلى سياسي، وتحول الصراع السياسي إلى ديني — في الصراع بين المسيحية والدولة الرومانية. كيف ذلك؟!
بدأت المسيحية كدين، ثم بدأت بعض الطموحات السياسية لأتباعها في الظهور للحفاظ على المكتسبات التي نالوها في المجتمع الروماني. أما الدولة الرومانية فقد بدأت بمسعى سياسي، ثم بدأ استخدام الآلهة المحلية واليونانية فيما بعد لحشد التأييد ولملمة الشتات في أوقات الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية وعلى رأسها أزمة انتشار المسيحية، وظهور الطموح السياسي لمعتنقيها.
لكن هذا ببساطة كان تحركا خطأ من الطرفين! لماذا!؟
تعرض المسيحيون للاضطهاد بسبب طموحهم السياسي وكادت شأفتهم أن تُستأصل من الدولة الرومانية كلها، بينما انهارت تحولت الدولة الرومانية في النهاية إلى تبني الميسيحية لمنع انهيار الدولة بسبب الصراع مع المسيحية؛ لأن ما أثبتته الحوادث أن الدين المسيحي كان أقوى من الوثنية الرومانية؛ فكسب أنصارًا أكثر لما تحول الصراع إلى صراع ديني.
بعد اعتناق الدولة الرومانية للديانة المسيحية، بدأت الخلافات السياسية تظهر بين الطبقة الحاكمة، كما بدأت الخلافات المذهبية تتضح، وتتزايد بين معتنقي المسيحية. في نهاية المطاف، انقسمت الدولة الرومانية ما بين دولة شرقية، وأخرى غربية، وكان الانقسام وفق الأساسين؛ الديني، والسياسي.
هناك العديد من الأمثلة في التاريخ القديم، والحديث، بل المعاصر كذلك على هاتين المقولتين؛ الأولى القائلة إن الطموح الديني لا بد أن يتحول في مرحلة ما إلى طموح سياسي، والثانية القائلة إن الصراع السياسي لا بد أن يتحول في مرحلة ما إلى صراع ديني.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار