تاريخ الحركة السياسية في البصرة

طلال بركات
2022 / 6 / 8

هناك حقيقة تؤكد ان اغلب الحركات والاحزاب السياسية في الوطن العربي ولدت بعد نكبة فلسطين عام 1948 خصوصاً بعد فضيحةالاسلحة الفاسدة التي بلورت شعور وطني للتخلص من الاستعمار وأعوانه وقد أثمرت تلك المشاعر الغاضبة ولادة حركات سياسية تجسد نضالها في اطار الصراع العربي الاسرائيلي والقت بظلالها على عموم الوطن العربي منها حركة القوميين العرب التي ظهرت في بيروت والشام وكان من ابرز قادتها هاني الهندي وباسل الكبيسي وجورج حبش وكلوفيس مقصود ونايف حواتمه وايضاً قبل النكبة تأسس حزب البعث في سوريا من قبل ميشيل عفلق وصلاح البيطار وانعكست تلك التنظيمات على المشهد العراقي بالرغم من وجود احزاب راديكالية تتكون من نخب سياسية تفتقر الى الجماهير لكنها لعبت دور في الحياة السياسية العراقية وكانت تعمل من اجل استقلال العراق ضدالاستعمار البريطاني مثل الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان من اشهر قادته كامل الجادرجي وحسين الجميل وفي البصرة جعفر البدر وهاشم بركات وايضاً حزب الاستقلال الذي كان من اشهر شخصياته فائق السامرائي وعبد الرزاق شبيب وصديق شنشل وكان ممثلين الحزب في البصرة الحاج امين الرحماني وعبد القادر السياب وعبد العزيز بركات الذي كان سكرتيراً للحزب في البصرة، بالاضافة الى الحزب الشيوعي الذي كان محظوراً واغلب كوادره في السجون ومن قياداتهم في البصرة احمد العلوان الذي قتل في نقرة السلمان وعبدالمجيد السياب ويوسف جمال التميمي وعبد الدائم ناصر العيادة وفاروق المعراج ورجاء عبد الرزاق، وكذلك حركة الاخوان المسلمين في البصرة المتمثلة بقيس القرطاس وخليل العقرب وعبد الحميد الفريح .. مما يعني ان تلك الاحزاب والحركات السياسية التي امتدت الى اغلب مدن العراق ومنها البصرة وقد مارس من خلالها العديد من الشخصيات البصرية العمل السياسي من اجل استقلال العراق ومقارعة الاستعمار البريطاني في اطار العمل القومي والتقدمي لحين انبثاق ثورة 14 تموز 1958. وقبل الحديث عن الثورة لابد من بيان ابرز العوامل الاساسية التي ادت الى قيامها ومنها :
اولاً : الرفض الشعبي لحلف بغداد الذي تأسس في عام 1955 وكان يضم العراق وتركيا وبريطانيا وايران وباكستان الذي كان يمثل انحياز كامل للمعسكر الغربي بما يتعارض مع المواثيق العربية ..
ثانياً : الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن وكان الغرض منه محاربة الوحده بين مصر وسوريا ( والمفارقة بعد الثورة، العراق اول من ايد الانفصال بين مصر وسوريا حيث اعلن عبد الكريم قاسم في يوم 9 تشرين الاول عام 1961 اعترافه بحكومة الانفصال وتولى القنصل العام العراقي في دمشق نقل اعتراف العراق الى مأمون الكزبري رئيس حكومة الانفصال في سوريا ونقلت وكالة الانباء العراقية قول الكزبري .. ( انها ليست رسالة اعتراف فحسب بل انها تحتوي على عواطف اخوية ومشاعر سامية ) لذلك العراق كان اول بلد عربي يستقبل دبلوماسي سوري يمثل النظام الجديد في سوريا ..
ثالثاً : العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بعد تأميم قناة السويس وموقف الحكومة العراقية المشبوه من العدوان وكان رد الفعل على هذا العدوان تأليف جبهة وطنية سميت بجبة الاتحاد الوطني مؤلفة من الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي واصدروا بيان في التاسع من اذار 1957 للعمل من اجل اسقاط الحكم الذي يمثله نوري السعيد وعبد الاله وقداستطاعت الجبهة من تعزيز صلاتها بالعسكريين العراقيين ذوي النزعة الوطنية بهدف تنسيق الجهود لاسقاط الحكم الملكي .. مما يعني ان هذة الاوضاع التاريخية التي مرت على العراق ادت الى انبثاق ثورة 14 تموز 1958 وسرعان ما تم تشكيل مجلس سيادة في اليوم الاول للثورة بدلاً من مجلس قيادة الثورة خلافاً لما كان متفق علية من قبل الضباط الاحرار، كما تم الاعلان عن تشكيل الوزارة الاولى في العهد الجمهوري برئاسةالزعيم عبد الكريم قاسم اضافة الى وزارة الدفاع وكالة وقائداً عاماً للقوات المسلحة، وعبد السلام عارف نائب لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية وكالةً، وضمت وزراء من بين احزاب جبهة الاتحاد الوطني .. وفي 15 تموز اعلن العراق انسحابه من الاتحاد الهاشمي، وفي نفس اليوم كانت الجمهورية العربية المتحدة اول المعترفين بالثورة وكان الاتحاد السوفيتي الدولة الثانية التي اعلنت اعترافها بالثورة وذلك في 16 تموز 1958 على اثر زيارة الرئيس جمال عبد الناصر الى الاتحاد السوفيتي واجتماعه مع نيكيتا خروشوف من اجل الحصول على ضمانات من السوفييت لاجهاض اي تحرك غربي مضاد للثورة العراقية .
ومن اجل الوقوف على توجهات النظام الجديد في العراق قابل السفير البريطاني الزعيم عبد الكريم قاسم في صباح يوم 15 تموز بحضور نائبه عبد السلام عارف، وايضاً في مساء نفس اليوم قابل الزعيم السفير الامريكي بحضور ناجي طالب وزير الشؤون الاجتماعية، وكلا السفيران ابلغا حكومتهما ان الارضاع في العراق تسير نحو الاستقرار .. وفي الاول من آب عام 1958 طلب السفير البريطاني مرة اخرى مقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم وسلمه مذكرة اعتراف بريطانيا بالحكم الجديد في العراق، وايضا في اليوم التالي في 2 آب قابل السفير الامريكي وزير الخارجية عبد الجبار الجومرد وابلغه اعتراف امريكا بالنظام الجديد، وفي اليوم نفسه اوفدت امريكا روبرت مورفي الى العراق كمبعوث للرئيس ايزنهاور لاجراء مباحثات مع المسؤولين العراقيين حيث اجرى حوار مطول مع عبد الكريم قاسم حول الرؤيا المستقبلية للعلاقات الثنائية والاقليمية والذي تم تطمين امريكا على مصالحها في العراق وايضاً تم اقناع الادارة الامريكية بأن عبد الكريم قاسم لا يفكر في الوحدة الفورية مع مصر. وكان لهذا الموقف أثر في ظهور بوادر الخلاف بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ذو الميول القومية والوحدوية الذي لاقى دعم من القوميين مما اثار حفيظة عبد الكريم قاسم والشيوعيين الذين تقربوا من قاسم واعتبروا عبد السلام يشكل خطراً على خططهم وافكارهم خصوصاً دعواته المتكررة للوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة وقد تعمق الخلاف بين القطبين الرئيسيين نتيجة اخطاء ارتكبها عارف وخطاباته الارتجالية في المحافظات العراقية وانتقل الخلاف الى الشارع العراقي بعد التصدع الذي اصاب قادة الثورة مما ادى ذلك الى انقسام القوى السياسية في العراق التي كانت مؤتلفة ضمن الجبهة الوطنية قبل الثورة واستقالة العديد من وزرائها بعد الثورة .. وبعدها توالت الاحداث بشكل سريع حيث تحولت الخلافات الى صراعات دموية انعكست على مختلف المحافظات العراقية ومنها الموصل وكركوك وما تلاها من هرج ومرج وسحل واعدامات شملت البعض من الضباط الاحرار المشاركين في الثورة، وايضاً لم تكن البصرة بعيدة عن ذلك التشظي حيث انقسم المجتمع البصري الى طرف متمسك بقوميته وعروبته وطرف آخر مناهض للفكر القومي وهم الشيوعيين وغالباً ما كان يحصل بين الطرفين اتهامات متبادلة هدفها التسقيط السياسي وتؤدي في كثير من الاحيان الى معارك عنيفة حيث كان يوجه الاتهام الى القوميين بأنهم قوى رجعية شيفونيه عنصرية .. وايضا القوميين يتهمون الشيوعيين بحركة شعوبية تمتد جذور اغلب كوادرها الى قوميات غير عربية ومارسوا العمل السياسي وفق النهج الاممي للحزب الشيوعي بسبب إنكارهم للأفكار القومية حتى اعتقد الكثير ان تلك الصراعات تعود بالأساس الى الأصول العرقية اكثر من ما هي خلافات سياسية، ومع ذلك لا احد ينكر بروز نشاط الحزب الشيوعي جماهيرياً بعد ثورة الرابع عشر من تموز خصوصاً في أوساط الطبقات الكادحة من العمال والفلاحين وقد تمكنت القيادة المحلية للحزب في البصرة التي كانت تتمثل بجاسم المطير وكامل سالم الروضان ومحمد رضا الجزائري وسعدي يوسف وعبد الحسن جبار عودة واخرين منهم عبد الوهاب طاهر وسليم إسماعيل وأنور طه ومحمد جواد البطاط من تجييش الجماهير الكادحة واستثمار قرارت الثورة الفتية ضد النظام الملكي في إقامة الاحتفالات والمهرجانات الجماهيرية وكان صوت بشرى الدّول يصدح بالأهازيج والاغاني الشعبية مثل "هلا بيها الجمهورية - الى الامام ديمقراطية وسلام "مع هتافات التمجيد بحياة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي اعتبر بطلاً وقائداً للثورة خصوصا هتاف " ماكو زعيم الا كريم " لإغاظة الطرف الاخر .. اما الحركة القومية في البصرة فكان يطلق على كوادرها تسمية القوميين لانه لم يظهر بعد فرز في التسميات في تلك المرحلة فقد كانت متداخلة ما بين البعثيين والقوى القومية، حيث تأسس حزب البعث في البصرة عام 1954 من قبل هاشم عبد الرزاق السامرائي الذي كان مدرس في العمارة وقام بنقل التنظيم الى البصرة وايضاً من مؤسسين التنظيم في البصرة شوكت بلايا ( مسيحي ) ووداد الناهي الذي كان مدرس في ثانوية الفيصل وطه الرشيد من الزبير وفتحي حسين، وايضاً من الكوادر الاوائل راضي الركابي واحسان السامرائي ويحيى المناصير وفاروق العمر والدكتور كامل الدوري وموفق جاسم شوقي وعبد اللطيف الحميدان وفاروق بركات ومن الكادر النسائي منال النعمة وسعدية الفرحان وبثينة السواد .. وبعد ثورة 14 تموز 1958 تولى تنظيمات البصرة فتحي حسين وراضي الركابي وجاسب الامارة واحسان السامرائي وطه الرشيد وجبران خليل وفاروق العمر .. اما القوميين منهم الذين انشقوا من البعث ( جماعة فؤاد الركابي ) .. وجماعة القوميين العرب وممثليهم في البصرة المحامي نوري الوافي وعبد الاله الغالي وكريم جابر وجودت القزويني - الا ان تسمية القوميين كانت تطلق على الجميع بسبب تأثير الثورة المصرية بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر التي بلغ صداها ليس فقط على صعيد البصرة وانما على صعيد العراق والوطن العربي لذلك أمتد الشعور القومي العروبي في مواجهة المد الشيوعي بعد اتهام عبد الكريم قاسم الانفراد في السلطة واصبحت الثورة الفتية لا تخلو من العنف والصدام وغالباً ما كانت تنعكس تلك الصدامات على البصرة خصوصاً خلال فترات الانتخابات النقابية او الطلابية وكانت أشهر معركة حصلت بين الطرفين في انتخابات نقابة المعلمين في عام 1959 والتي جرت في متوسطة النضال للبنين الواقعة على نهر نظران في منطقة البصرة القديمة وقد اشتدت الاشتباكات بحيث لم تتمكن الشرطة من فضها الأ بعد تدخل آمر الانضباط العسكري واستمر هذا الحال في تلك المرحلة التي اتسمت مابين الكر والفر لحين حصول ثورة 8 شباط 1963 بغض النظر عن التسميات سواء ثورة او انقلاب لان تلك التسميات أمر مرتبط بالانتماء السياسي والفكري للاشخاص الذين عاصروا تلك المراحل التي مرت في العراق، والمهم في ذلك التاريخ تم ازاحت حكم الزعيم عبدالكريم قاسم واستئثار البعثين في السلطة، وبالرغم مما حدث لا احد ينكر عفة الزعيم ونزاهته .. ويذكر محسن الشيخ راضي القيادي البعثي في مذكراته بأن البعثيين بعد 8 / شباط 1963 قد نالوا من الشيوعيين قسوة وشراسة من قبل الحرس القومي لم ينالوا مثلها في عهد النظام الملكي كرد فعل انتقامي على ممارسات التنكيل والبطش التي قام بها عناصر من المقاومة الشعبية، بينما يختلف الحال في البصرة في تلك المرحلة التي كانت الاحداث اقل حدة مما كان يحصل في بغداد حيث كانت قيادة تنظيم البعث في البصرة بعد 8 شباط 1963 تتألف من شعبان جاسم الذي حصل في داره اول مؤتمر قطري للحزب والذي قرر تحويل تنظيم المنطقة الجنوبية الى البصرة وايضاً كان من القياديين في التنظيم راضي الركابي واحسان السامرائي وعبد الواحد تركي وفتحي حسين الذي اصبح امراً للحرس القومي الذي قام باعتقال كوادر الحزب الشيوعي وايضاً رموز الحركة القومية الناصرية في ذلك الوقت، وكان من البعثيين البارزين في البصرة في تلك المرحلة مهدي آصف وموفق جاسم شوقي وجهاد العمر .. وبقي الوضع مضطرباً لحين حركة الثامن عشر من تشرين عام 1964 التي قادها المشير عبد السلام عارف ومجموعة من العسكريين البعثيين في ازاحة الحرس القومي ثم ازاحة حكم البعث من السلطة واصبح الحكم بيد القوى القومية الناصرية المتعددة الاطراف والمتشعبة الاسماء والطموحات واستمرت بينهم الحوارات من اجل انبثاق تنظيم موحد يشمل كل القوى الناصرية على غرار تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر فقد اعتمد المشير عارف في 14 تموز 1964 على صبحي عبد الحميد في تشكيل الاتحاد الاشتراكي كتنظيم قومي موحد تنصهر فيه الحركات القومية ذات الاهداف المشتركة والتي تعمل من اجل تحقيق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة وقد حلت اربعة تنظيمات قومية نفسها وانضمت الى الاتحاد وهي حركة القومين العرب، والحزب العربي الاشتراكي، وحركة الوحدويين الاشتراكيين، والوحدويون الاشتراكيون الديمقراطيون، وقد القت تلك التطورات بظلالها على البصرة حيث تم اتخاذ بهو البلدية في العشار مقراً للاتحاد الاشتراكي وكان من المقرر ان يكون يوسف الشنقيطي رئيسا للاتحاد الذي كان من رواد الحركة القومية في ذلك الوقت .. ولكن لم يتحقق النجاح لفكرة تنظيم الاتحاد الاشتراكي في صهر القوى القومية في بودقة الاتحاد بسبب الخلافات التي دبت بين الضباط القوميين وعبد السلام عارف والتي ادت استقالة خمسة وزراء من الحكومة منهم صبحي عبد الحميد وعبد الكريم فرحان وزير الثقافة والإرشاد وأديب الجادر وزير الصناعة وعبد الستار علي الحسين وزير العدل وفؤاد الركابي وزير الشؤون البلدية وعزيز الحافظ وزير الاقتصاد .. ونتيجة فشل تأسيس الاتحاد الاشتراكي تشكلت الحركة العربية الاشتراكية وتم اختيار صبحي عبد الحميد أميناً عاما لها وقد تولى قيادتها في البصرة هادي محمد جواد الذي التحق فيما بعد بالتنظيمات الفلسطينية الفدائية في بيروت بعد نكسة حزيران وحل مكانه سلطان التميمي وكذلك من ابرز قيادات الحركة مهدي آصف وكاظم الشيخ والخط الثاني لؤي الرحماني وجاسم المعروف وعصام الشريدة وعبد الجبار السواد وعدد من طلاب جامعة البصرة ومنهم قاسم عبد السادة ومعن الشاوي ورشيد العجيل الذي اتهم بتعاونه مع مديرية امن البصرة والذي برر ذلك بأن المديرية تابعة للنظام وانه كان يرفدها بنشاط القوى المعادية وبالرغم من ذلك فصل من التنظيم بسبب سلوكه الفردي بدون علم الحركة .. وقد تقلص نشاط الحركة خلال فترة حكم عبد الرحمن عارف وكذلك سائر القوى السياسية التي عاشت مرحلة الخمول السياسي ومنها البصرة التي شهدت نفس الخمول ولم يعد فيها نشاط سياسي بارز سوى مناكفات على مستوى الطلبة المشاكسين في جامعة البصرة التي تأسست في عام 64 - 1965 وغالباً ما كان يشهد نادي طلبة الجامعة معارك بين الشيوعيين والقوميين والبعثيين واشهرها قيام لؤي الرحماني الذي كان طالباً قومياً معروف في كلية الحقوق باطلاق النار في الهواء من مسدسه في نادي الجامعة في حادثة لم تكن مسبوقة في الجامعات لنشر الرعب في صفوف المناوئين وايضا في حادثة اخرى غير مسبوقة في جامعة البصرة قيام الطالب موسى عبد الحميد احد طلاب كلية الهندسة ورئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق في البصرة باغتيال رئيس الجامعة الدكتور خليل الطالب وبعد محاكمة سريعة بأمر من رئيس الجمهورية احمد حسن البكر في حينه تم شنقه وتعليق جثته في باحة الجامعة بالرغم من ان الحادثة ليست بسبب سياسي .. وهكذا استمر الحال في البصرة مابين مناكفات وجدال ومشاحنات لحين حصول نكسة الخامس من حزيران عام 1967 التي كسرت ذلك الجمود وادت الى هياج شعبي في عموم العراق ومنها البصرة التي شهدت مظاهرات عارمة انطلقت من ساحة اسد بابل قرب بهو البلدية في العشار نهاية الشارع الوطني متجهة الى شارح الكورنيش حيث القنصلية الامريكية وقد شاركت فيها كل النخب الوطنية والقومية والتقدمية وعند الوصول الى مبنى القنصلية الامريكية قام المرحوم حكمت العبايجي باختراق الحاجز الامني محطماً زجاج لوحة الصور والاعلانات التي كانت مثبتة على جدار المبني .. وايضاً من تداعيات النكسة حصلت تطورات في خارطة الساحة السياسية في العراق حيث أتجه بعض الشخصيات القومية نحو أقصى اليسار حيث خرج من الحركة العربية الاشتراكية فؤاد الركابي وخالد على الصالح، وشكل صبحي عبد الحميد حزب الوحدة، وايضاً شكل رشيد محسن الحزب الاشتراكي وكذلك اعلن عبد الاله النصراوي تشكيل الحركة الاشتراكية العربية ذات التوجه اليساري وأصدر بيان تشكيلها في 16 تموز عام 1968 اي قبل يوم من ثورة 17 تموز وأيضاً لم تكن البصرة بعيدة عن تلك التطورات حيث تولى رجاء العبايجي مسؤولية تنظيم حزب الوحدة في البصرة ومعه عصام العبود وشاكر النعمة ورياض الكبان ولؤي الرحماني ومحمد سعيد الكبيسي احد طلاب كلية الهندسة في جامعة البصرة الذي توفي اثر حادث سيارة غامض في عام 1969 ورزاق السواد وكثير من الشباب القومي المتحمس .. اما الحزب الاشتراكي فقد تولى سلطان التميمي وحكمت العبايجي وقاسم عبد السادة مسؤولية التنظيم في البصرة، بينما لا يخفى على احد ان تلك التنظيمات كانت ضعيفة وتفتقر الى القاعدة الجماهيرية الا ان صداها كان نابع من الفكر القومي الناصري التي كانت الجمهورية العربية المتحدة مركز اشعاع لذلك الفكر، وايضاً من تداعيات نكسة حزيران قيام ثورة 17 تموز 1968 وانفراد حزب البعث العربي الاشتراكي بالحكم بعد ازاحة عبد الرزاق النايف وعبد الرحمن الداود واعتقال رموز الحكم العارفي وقادة التنظيمات الاخرى في بغداد والبصرة ومدن اخرى من العراق حيث تم اعتبارهم من المناهضين للثورة ومنهم الشيوعيين والبعثيين اليسار والقوميين وكان تنظيم حزب البعث في ذلك الوقت على مستوى الشعبة حيث تولى كاظم جعفر مسؤولية التنظيم ومعه في قيادة التنظيم عدنان القصاب مدير الموانئ وناصر الحديثي محافظ البصرة واحسان وفيق السامرائي، وعبد الاله خضير ، واحمد شهاب، وصفاء العمر، والملا شاكر عبد الصمد ومن الكوادر المتقدمة في التنظيم محمد خلف الملا، وقاسم شريف، وسيد صالح الموسوي، وهاشم علي، وفاروق مصطفى، وهادي الربيعي، فاروق المعيوف وايضاً من البارزين جهاد العمر وعلاء المنديل الذي اصبح فيما بعد امين سر فرع ام المعارك وكذلك غازي الديراوي وغازي العبيدي ورشيد البدران وغيرهم الكثير وقد شهدت البصرة في تلك الفترة نوع من الاستقرار السياسي بعد الاستفادة من تجربة اخطاء عام 1963 وانقلاب عبد السلام عارف التي كانت تعرف بردة تشرين .. وفي عام 1972 تم طرح فكرةالجبهة القومية التقديمية لتضم البعض من قادة الحزب الشيوعي ومنهم عامر عبد الله الذي عين وزيراً للدولة وشخصيات تقدمية وقوميةوسرعان ما أنفض تشكيل تلك الجبهة التي لم تستمر طويلاً وبذلك تشتت كل القوى السياسية واصبح حزب البعث الماسك للدولة والذي غير من مفاهيم اللعبة السياسية بعد تنامي قاعدته الجماهيرية بأعتباره تنظيم قومي كان صداه يمتد على ساحة الوطن العربي وحقق كثير من الانجازات في العراق سواء على صعيد التنظيم الحزبي او على صعيد الدولة منها تأميم النفط والنهوض بالتعليم ومكافحة الامية وتطوير الثروة الزراعية .. لحين اندلاع الحرب العراقية الايرانية وكانت البصرة اول من شهدت حرب المدن واطلاق الصواريخ الايرانية عليها ليل نهار .. ومن ثم حرب الكويت ومعانات الحصار الاممي .. لحين الوصول الى الاحتلال الامريكي البغيض وهيمنة الدخلاء على تلك المدينة العريقة وبذلك انحسر المد العروبي والتقدمي في آن واحد وباتت احزاب الاسلام السياسي من الموالين لإيران هم المتحكمين في مقاليد الامور على مستوى محافظات العراق ومنها البصرة التي شهدت حركة تهجير لابنائها الوطنيين وتوطين الدخلاء وتسلطهم على تلك المدينة العريقة التي اشتهرت برجالاتها منذ عبق التاريخ وهي التي انجبت الحسن البصري والخليل بن احمد الفراهيدي والجاحظ ومن المعاصرين من الشعراء والكتاب والمؤرخين والصحفيين مثل بدر شاكر السياب وسعدي يوسف وفاروق العمر ورجب بركات واحسان وفيق السامرائي، ومن المحامين عبد الله يوسف الاسماعيل ومهدي الكرناوي وعبدالرحمن العمر وعبد الله فياض وحسن عبد الرحمن وناظم كاظم بريج وكامل السريح وجاسم الريحاني وعبد العزيز المناصير ودانيال عشو، ومن اشهر الاطباء محمد حسين السعدي واحمد السلمان وشاكر البجاري وعلي فكري ومحمد الحمداني ومصطفى النعمة وعلي الزهير وصبيحة الراضي وناهد كمال ويعقوب بني وواصف العيسى وتوما هندو وداود الفداغ وياسين الرشيد وعبد الوهاب السلمي وقحطان نوري الموسوي، بالاضافة الى الكوادر العلمية مثل العالم الجليل عبد الجبار البكر ونزار الناصح وعبد الحليم حجاج وفتاح السياب ونجاح عبود وحسين عباس وحامد السعيدي وغيرهم من الاعلام الذين تركوا بصمات خالدة في تاريخ البصرة، ولم نستخدم كلمة مرحوم للذين فارقوا الحياة لانهم احياء في ذاكرة ابناء تلك المدينة العريقة، وعذراً لمن لم تحضرنا اسماء الكثير من اعلام البصرة لاننا لسنا بصدد جرد اسماء الشخصيات البصرية لكثرة عددهم وعظمة انجازاتهم، وايضاً هذا ما تسعفنا الذاكرة خصوصاً ممن عاصرنا البعض منهم وبقدر ما ان الموضوع ليس عملية احصاء اسماء كما اشرنا وانما توثيق مسار الحركة السياسية في تلك المدينة العريقة التي نأمل ان نكون قد ادينا واوفينا حقها بكل امانة وصدق وحيادية كما ان الساحة مفتوحة لمن يريد ان يدلو بدلوه لاغناء الموضوع بالمعلومات او اضافة اسماء شخصيات لم تحضرنا لان البصرة سلة خبز العراق تستحق توثيق تاريخها العريق بعيداً عن الضغينة والغيره والاحقاد والتجريح والاتهام والمناكفات والتحزبات الطائفية والعرقية المقيته، لذلك لا بد من الاشارة الى ان البصرة المدينة الوحيدة التي كانت سفينة على متنها كثير من الشخصيات الذين يمثلون قوى سياسية متناقضة ويحملون افكار ورؤى مختلفة سواء من الذين وردت اسمائهم او لم ترد واكيد قد حصلت بينهم خلافات ومشاحنات وزعل وحتى صراعات ومعارك في بعض الاحيان الا ان البيئة العائلية التي كان يتسم بها المجتمع البصري جعلت المختلفين سياسياً في حالة تآخي ومودة واحترام نظراً لما يميز اهالي البصرة من علاقات يصعب انفصام عراها لان ما يجمعهم الطيبة قبل النسب او القرابة او الصداقة الحميمة التي بدأت من ايام الطفولة واستمرت على مدى سنين وتلك هي ميزة غير موجودة في المحافظات الاخرى.
واخيراً لا يسعني الا ان اقدم بخالص شكري وتقديري للاخوة الذين اسعفوا الذاكرة سواء برفد بعض الاسماء او تأكيد بعض الاحداث لاغناء هذة الدراسة الشاملة لتوثيق مسار الحركة السياسية في البصرة الفيحاء وبنكهة بصرية اصيلة.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان