لماذا لم يعرف العرب كيف يستغلون الجُزر الاستراتيجية في الخليج العربي والبحر الأحمر؟.

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 6 / 5

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، مُطالبةُ دول مجلس التعاون الخليجي لإيران بإعادة الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطُنب الكُبرى وطُنب الصُغرى) ..
وليست المرة الأولى التي تردُّ طهران بالرفض وتؤكِّدُ أن هذه ستبقى جزءا من أراضي إيران..
فما أن صدر بيان المجلس الوزاري الخليجي في دورته الـ 152 المُنعقِد في الرياض يوم 1 حزيران 2022 ، وأكّد (موقفهُ الرافض لاستمرار احتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث) حتى خرج الناطق باسم الخارجية الإيرانية ليُجدِّد التأكيد أن (الجزُر الإمارتية الثلاث، أبو موسى وطنب الكُبرى وطنب الصُغرى، جزءا لا يتجزّأ وأبَديا من الأراضي الإيرانية، ورفضَ أي مطالِب بهذه الجُزُر..).. وهاجم بقوة الاتهامات ضد بلادهِ التي وردت في البيان، واستهجنَ مُطالبة دول المجلس بالمشاركة بالمفاوضات النووية..
**
الجُزر الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) تقع في مدخل مضيق هرمز في الخليج العربي، وذات موقع استراتيجي حيوي ومهم جدا.. ولذلك لا يُمكن لإيران أن تتخلّى عن هذه الجُزُر..
ومن طرفٍ آخرٍ هناك جدلا كبيرا تاريخيا حول هذه الجُزر..
وأعتقد لا يمكن لأي "عربي" أن يكون إلا في صفِّ دولة الإمارات ودول الخليج العربي في المُطالبَة باستعادة هذه الجُزر، ولكن على دولة الإمارات أن توضِّح فيما إذا كان قد تمَّ بيعُ هذه الجُزر فعليا من طرف حاكم إمارة "رأس الخيمة" أم لا، وما صحّةُ ما نشرتهُ صحيفة (السياسة الكويتية) في ذاك الزمن، وعلى رأس صفحتها الأولى عن (صفقةٍ مشبوهةٍ بين حاكم رأس الخيمة وإيران تتعلق ببيع هذه الجُزر)؟.
وعلى السعودية أيضا أن توضِّح فيما إذا كان فعليا قد تمَّ الاتفاق حينها أن تكون هذه الجزُر إيرانية مقابل أن تبقى جزيرة (البحرين) عربية؟.
على دولتي الإمارات، والسعودية، توضيح هذه الأمور بالوثائق والأدلة ودحضها إن كانت كاذبة.. وإن كان صحيحة فيُصبِحُ للموضوع حديثٌ آخر..
هذا مع مشاعري العروبية التي لا تسمح لي أخيرا بالاصطفاف إلا لجانب أي دولة عربية في صراعها مع أي دولة أجنبية، من موريتانيا وحتى الإمارات.. فكفى أطماعا بهذا الوطن العربي ومياهه الإقليمية وثرواتهِ على مرِّ الزمن..
**
من الغريب أن العرب لم يعرفوا كيف يُقدِّرون بالماضي قيمة بعض الجُزُر الاستراتيجية الواقعة في الخليج العربي أو البحر الأحمر، فاستغلَّ الآخرون أهمية هذه الجُزُر بينما العربُ يتفرجون..
فلو نظرنا إلى جُزُر (دَهْلَك) القريبة من باب المندب، في جنوب البحر الأحمر، فإنها جُزرٌ استراتيجية حيوية، تُقابلها أريتيريا من ناحية الغرب، وقريبة من ميناء (مصوع) الأريتيري، ويُقابلها اليمن من جهة الشرق.. وهي أرخبيل يتكون من 126 جزيرة، وقد استأجرت إسرائيل من أريتيريا ثلاثا منها وهي ( ديسي، ودهول، وشومي) وأنشأت بُرج مراقبة بحري ذي مدى بعيدٍ ليُشرِف على حركة الملاحة البحرية من باب المندب في الجنوب وحتى مضايق تيران في الشمال في مدخل خليج العقبة.. وتمّ توطين 1000 إسرائيلي أفريقي من يهود الفلاشا، ليعملوا في المزارِع المُقامَة للتمويه على الأغراض العسكرية لهذه المَزارع..
كما تستخدمها محطّة لتشغيل الغواصات الإسرائيلية المُزوّدةِ بصواريخٍ نوويةٍ..
وتستخدمها أيضا لتربية الأغنام، وغالبية اللحوم التي يستهلكها الإسرائيليون تأتي من هذه الجُزُر إلى ميناء "إيلات" الإسرائيلي (والذي هو بالأساس مدينة مصرية كانت تُدعى "أم الرشراش".. ولكن إسرائيل لم تُعيدها، ويُقال لأنها تُفكِّرُ في حفر قناة من البحر الأحمر وحتى المتوسط، بمحاذاة قناة السويس)..
وكانت روسيا تتّخذ من بعض تلك الجُزُر قاعدة للسيطرة على البحر الأحمر قبل خروجها منها في بداية التسعينيات من القرن الماضي بعد تفكُّك الاتحاد السوفييتي..
**
وإن ما انتقلنا إلى شمال البحر الأحمر، فنجدُ أن جزيرتي (تيران وصنافير) تمتلكان موقعا استراتيجيا حيويا، لم يُستغل على الوجه الأكمل، لا سيما أنهما تقعان عند مدخل خليج العقبة وتشرفان على (مضيق تيران) الذي يربط البحر الأحمر بخليج العقبة.. وتبعد ستة كيلو مترات عن منتجع شرم الشيخ..
ومضيق تيران كان الشرارة التي أشعلت حرب عام 1967 حينما أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إغلاق المضيق في وجه السفُن الإسرائيلية..
وكانت القوات المصرية تتمركز في الجزيرتين منذ عام 1950 وتقيم عليهما قواعدا عسكرية استراتيجية بطلبٍ من الملك السعودي الراحل "عبد العزيز آل سعود" بهدف توفير الحماية للجزيرتين، وهذا ما استجابت لهُ مصر حينها في زمن الملك فاروق..
إلا أن إسرائيل احتلّت الجزيرتين أثناء العدوان الثلاثي عام 1956، لإدراكها لأهميتهما الحيوية..
ثم أعادت احتلالهما خلال عدوان 1967 ، وتمّت إعادتهما إلى مصر بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979 ..
وتنص بنود اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية على أنه لا يمكن لمصر وضع قوات عسكرية على الجزيرتين، وأن تلتزم بضمان حرية الملاحة في الممر البحري الضيق الذي يفصل بين جزيرة تيران والساحل المصري في سيناء..
والجزيرتان غير مأهولتين بالسكان، باستثناء وجود قوات شرطة مصرية، وقوات حفظ السلام متعددة الجنسيات..
وتفيد مصادر الخارجية المصرية أن الحكومة السعودية تنازلت رسميا عن جزيرة تيران عام 1984 للحكومة المصرية، لإضفاءِ صيغةٍ شرعيةٍ لتواجد القوة متعددة الجنسيات في جزيرة تيران لضمان حرية الملاحة في مضيق تيران، حسبما تنص عليه معاهدة السلام الإسرائيلية المصرية..
إلا أنه في 8 نيسان 2016 تمّ التوقيع على اتفاقية بين مصر والسعودية لترسيم الحدود البحرية وتمَّ بموجبها الإقرار بتبعية الجزيرتين للسعودية..
وقد فجَّرَ هذا القرار حالة كبيرة من الغضب الشعبي، وانقسمَ المصريون حولهُ بين مؤيِّدٍ ومُعارِضٍ..
وأحيلَ الأمرُ إلى المحكمة الإدارية العُليا، ولكنها، حكمت ببطلان اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي تقضي بنقل تبعية الجزيرتين إلى المملكة، وأكّدَ حكم المحكمة "استمرار السيادة المصرية" على الجزيرتين، وذكرت المحكمة أن الدولة المصرية لم تقدّم أي وثائق تثبت سعودية الجزيرتين..
ولكن الحكومة المصرية سعت عبر القضاء لتسليم الجزيرتين للسعودية وإثبات عدم مصريتهما، إلا أنّ مساعيها باءت بالفشل، فلجأت إلى مجلس النواب الذي تسيطر عليه غالبية مؤيدة للرئيس السيسي.. ووافق بالأغلبية على الاتفاقية.. ودخلت حيز التنفيذ بعد تصديق الرئيس السيسي عليها في حزيران 2017 ..
**
بموجب هذه الاتفاقية، وبحسب خبراء القانون، لم تعُد المنطقة البحرية ما بين جزيرتي تيران وصنافير وبين الشاطئ المصري مياهً إقليمية لدولة مصر، وإنما باتت مياهً دولية، وبالتالي يحقُّ لإسرائيل استخدامها دون أي موافقة مصرية أو تدقيق مصري..
والمُستفيد من ذلك هي إسرائيل، ولكن ما هو المُقابِل؟.
هناك تحليلات وأقوالٌ كثيرة بهذا الخصوص، ولكن مجلس الوزراء المصري نشرَ تقريرا في وقتٍ لاحقٍ حول الاتفاقية يوضِّحُ فيه أن "الاتفاقية تُنهي فقط الجزء الخاص بالسيادة ولا تُنهي مبرِّرات وضرورات حماية مصر لهذه المنطقة لدواعي الأمن القومي المصري ــ السعودي في ذات الوقت" ..
وأضافَ التقرير: "فَهِمَ الجانب السعودي ضرورة بقاء الإدارة المصرية لحماية الجُزر وحماية مدخل الخليج وأقرَّ في الاتفاقية ببقاءِ الدور المصري إيمانا بدور مصر الحيوي في تأمين الملاحة في خليج العقبة، وهذه الأسباب كانت وما زالت وستستمر في المستقبل"..
وشرح التقرير الفرق بين المُلكية والسيادة، ذاكراً أن "ما قامت به مصر منذ دخول الجزيرتين لا يتعدى أعمال الإدارة بهدف تنظيم وحماية الجزيرتين، وتسيير أمورهما خاصّة من النواحي الأمنية، دون أن يكون هناك أي نيَّة لمُباشرة أعمال السيادة عليهما أو اعتبارهما جزءاً من أراضيها. ولا يمكن الحديث عن اكتساب هذه السيادة بوضع اليد لفترة طويلة، لذلك القانون الدولي لا يوجد فيه مفهوم "وضع اليد" أو "التقادُم"..
كما شرح التقرير عدداً من "الجوانب الجغرافية"، مُوضِّاً خرائطٌ لمصر منذ عام 1800، وخرائطُ المنطقة في مكتبة الكونغرس الأمريكي، والخريطة التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1973
..
إلّا أنهُ لم يصدر أي تصريح سعودي يؤكد أن الاتفاقية تنص على نقل السيادة على الجزيرتين فقط دون الإدارة..
بينما ذكر ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لاحقا أنه لا يوجد خلافٌ بين الدولتين حول الاتفاقية، مضيفاً: "ليس هناك مشكلة أصلاً حول الجزُر، وما حصل هو فقط ترسيم الحدود البحرية.. والجزر مُسجّلة لدى مصر بأنها جزُر سعودية، ومسجلة أيضاً في المراكز الدولية بأنها جزُر سعودية.. وكل ما تمّ هو ترسيم حدود بحرية، ولم يتم تنازل مصر عن أي شبر من أراضيها أو يتم تنازل السعودية عن أي شبر من أراضيها، بحسب ولي العهد..
**
قضية نقل الجزيرتين للمُلكية السعودية لم تنتهي بعد، وقد عاد الموضوع للواجهة في الآونة الأخيرة، بعد تسريب أخبار عن وساطةٍ من إدارة الرئيس "بايدن" بين مصر والسعودية وإسرائيل، لاستكمال هذا الملف.. كونَ هذه الجُزُر تتبعُ لِمصر حسب معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وأي تعديل يقتضي موافقة الجانب الإسرائيلي..
والأنباء تفيد أن الولايات المتحدة تعمل على الموضوع بشكلٍ حثيثٍ وصامتٍ، وأنّ إسرائيل مُتحمِّسة للأمر لأنها تريدُ إنشاء قاعدة على تيران تُؤجَّرُ 99 عاما ..
لا شكَّ أن هناك الغازا حول هذه القضية غير مفهومة بعد.. ولكن المستقبل سيكشف كل مستور ..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق