نهايةُ جولةٍ جديدةٍ للجنة الدستورية السورية دون الإعلان عن أي نتائج

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 6 / 3

انتهت يوم الجمعة 3 حزيران 2022 الجولة رقم (8) لِما يُعرَفُ باللجنة الدستورية المُكلّفة بصياغة، أو إعداد، أو تعديل (لا ندري) دستور سوري، عملا بِمُخرجات مؤتمر"سوتشي" المُنعقِد في 30 و 31 كانون ثاني / يناير 2018 برعاية ما يُعرفُ بالدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) ، دون الإعلان عن أي نتائج..
**
سورية بأمسِّ الحاجة إلى حلٍّ سياسيٍ، وهناك من يُجادل أن الدستور هو جزءٌ منهُ (فالمشكلة بالأساس هي مشكلة سياسية استغَلّها الطامعون بسورية إقليميا ودوليا، وغمسوا أصابعهم بها، ثمَّ تعقّدت وتفرّعت إلى مشاكلٍ متعددة ومتنوعة وبدت وكأنها مُستعصية، ولكن لا شيئا مُستعصيا حينما تعلو مصلحة الوطن فوق كل شيء) لاسيما بعد أن وصلت الأوضاع إلى هذه المستويات الكارثية المُفجِعةِ من تفتيتٍ ودمارٍ ودماءٍ ولجوءٍ ونزوحِ وهجرةٍ، واحتلالاتٍ أجنبيةٍ، وأوضاعٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ ومعيشيةٍ كارثيةٍ، بكل معنى الكلمة..
هذا ما تنشدهُ كافّةُ أطياف الشعب السوري، علَّ سورية تعودُ موحّدةً من جديد أرضا وشعبا، وترحلُ عنها كافة القوى الأجنبية.. وإلا فإن التفتيت سوف يترسّخ والاحتلالات الأجنبية سوف تدوم والأوضاع المعيشية ستسوأ أكثر، والهجرة ستزداد..
**
السوريون فشلوا فيما بينهم لإيجاد حلٍّ.. بل فشلوا في الجلوس وجها لوجهٍ دون وساطة أممية.. والدول الضامنة فشلت في تقديمِ حلٍّ مقبولٍ لدى كافة الأطراف السورية.. والدولتين الأقوى (الولايات المتحدة وروسيا) اللتين تمتلكان أكبر القواعد العسكرية (قاعدة التّنف وقاعدة حميميم) فشلتا في تقديم حلٍّ.. والأمم المتحدة أصدرت عدّة قرارات بشأن الحل، ولكن السوريين فشلوا في الاتفاق حولها، وحتى في تفسيرها.. وما زالت المأساة مستمرة.. والأوضاع تسير من سيء إلى أسوأ..
وها نحنُ نعيشُ المخططات التركية الجديدة بإقامةِ ما يُسمّى (منطقة آمنة) بِعمقِ ثلاثين كيلو مترا داخل الأراضي السورية، وعلى طول الحدود مع تركيا، وقد وصفت الخارجية السورية ذلك بأنهُ (عملٌ مشينٌ من أعمال العدوان وجزءٌ من سياسة التطهير العُرقي والجغرافي، وجرائمُ حربٍ، وجرائمٌ ضد الإنسانية، يرفضُها ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني..)..
ولكن متى كانت البيانات تردعُ أردوغان وغير أردوغان، وخاصّة في هذه الظروف التي جعلت الولايات المتحدة وحُلفائها الأوربيون، يتودّدون لتركيا كَي لا تُعرقِل انضمام فنلندة والسويد لعضوية الناتو..
ومن طرفٍ آخرٍ فروسيا تتودّدُ لها أيضا كي لا تذهب بعيدا مع مواقف دول الناتو في دعمِ أوكرانيا، وكي تفتح أجوائها ثانيةً أمام الطائرات الروسية نحو سورية، وكذلك تسمح ثانيةً للسفُن الحربية الروسية من عبور مضيقي البوسفور والدردنيل، وتُبقِي على موقفها المُعارِض من مسألة انضمام فنلندة والسويد.. بينما أردوغان يجلسُ مُختالا يدرسُ العروض المُقدَّمةِ إليه، ويبتزُّ الجميع..
**
وتجدرُ الإشارة إلى تصريح الوزير لافروف يوم الجمعة 27 أيار 2022 خلال حوارٍ لهُ مع قناة "روسيا اليوم" حينما قال في معرضِ الحديث عن مُخطّط أردوغان الجديد: (إن تركيا لا يُمكنها أن تقف جانبا حيال ما يجري من تطورات في سورية) .. ويقصدُ في مناطق الحُكم الذاتي الكردية المدعومة أمريكيا..
وكأنهُ بذلك يُوافِقُ على خطّة أردوغان بالتوغُّل 30 كم داخل الحدود السورية، مُعتِقدا بذلك أن هذا سيخلقُ توترا شديدا وتباعُدا بين تركيا وأمريكا، وتحصدُ روسيا ثمار هذا التوتر.. ولكن للأسف توقعاتهِ ليست في مكانها، وهو الدبلوماسي المُخضرَم.. وكل شيءٍ سوف يُعالجونهُ (أمريكا وتركيا) على حساب التراب السوري، والسيادة السورية، كما حصل في الماضي..
ويقول السيد لافروف بذات الحِوار " أن روسيا لم يعُد لديها مهاما عسكرية في سورية، ووجودها لضمان الاستقرار في المنطقة"..
وهذا يعني وكأنّ هناك استقرارٌ في المنطقة.. وأنّ الحِفاظ على الوضع التفتيتي القائم دون صِدامات عسكرية، هو استقرار..
الاستقرارُ لن يحصل في سورية من دون حل سياسي نهائي وانسحاب كافة القوى الأجنبية.. والاستقرار لن يحصل في فلسطين دون حل سياسي نهائي.. وكانت هناك آمالٌ في توافقٍ أمريكيٍ روسيٍ تؤدِّي لتحقيق هذا الهدف في سورية، ولكن بعد الحرب في أوكرانيا تلاشى هذا الأمل.. إذ باتت المواجهات، غير المُباشَرةِ، بينهما، والكيديات، تنتقل لكل مكان..
وفي النهاية، كل هذه الأطراف هي جاهزة حالا لمقايضةِ أردوغان في سورية.. فهم لا يدفعون شيئا من جيوب أمّهاتهم..
والسياسة باتت بهذا الزمن "بازارات" لا تختلف عن البازارات في أسواق الغنم..
**
بينما الموقف الإيراني جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية حيث قال:
(أن إيران تُعارض أي عمل عسكري، كما تعارض استخدام القوة ضد أي دولة لحل الخلافات.. واعتبرَ أنّ أي عمل عسكري لأي دولة في أراضي أي دولة أخرى يُعدّ انتهاكاً لوحدة أراضي الدول المعتَدى عليها وسيادتها الوطنية، الأمرُ الذي يزيد الوضع تعقيداً ويزيد التوترات.. وأضاف المُتحدِّث، أنّ إيران بينما تتفهم مخاوف تركيا الأمنية، فإنّها تعتبر أنّ السبيل الوحيد لمعالجة هذه المخاوف هو الحوار، واحترام الاتفاقيات الثنائية مع الجيران، فضلاً عن الاتفاقات التي تم التوصل إليها في إطار عملية أستانا، بما في ذلك احترام وحدة وسلامة الأراضي السورية وأيضاً السيادة الوطنية لسوريا والتقيُّد بمبدأ عدم استخدام القوة ضدها.. وتابع قائلاً: تجرُبة السنوات الأخيرة أظهرت أنّ العمل العسكري في دولٍ أخرى لم يتسبب فقط في تعقيد المشاكل بين الدول، بل كان له أيضاً عواقب إنسانية مقلقة)..
ــ دعوةُ إيران لتركيا باحترام وحدة وسلامة الأراضي السورية والسيادة الوطنية لسورية، مثيرةٌ فِعلا.. وكأن إيران لا تدري بأن تركيا تحتلُّ منذُ عدة سنوات أكثر من 8835 كم2 من أراضي سورية في الشمال، دون أن تؤثِّر على علاقتها بتركيا..
وما يُقراُ من بين السطور في هذا التصريح، وخاصة العبارة الأخيرة، وكأن إيران تنتقد العمل العسكري الروسي في أوكرانيا..
موقف طهران هذا، لن يتجاوز حدود هذا التصريح حتى لو مضى أردوغان بالتوغل خمسين كيلو مترا وليس ثلاثين فقط،
وأعتقدُ لم تعُد هناك من أسرارٍ في الحالة السورية، فكافة المُتدخلون حريصون على عدم التصادُم مع بعض، وكلٍّ حاصلٍ على حصّتهِ من الكعكعة السورية، ويُراعي مصالح الآخر، ويأخذُ بعين الاعتبار علاقتهُ مع الآخر ويحرص على عدم تعكيرها، وآخر همومهم هي سورية أو شعبُها (وليس "شعوبها" كما صرّح الوزير لافروف ذات مرّة بغضون مؤتمر سوتشي).. وكل نداءاتهم (في موسكو وواشنطن) لِأردوغان هي مُجرّد كلامٍ فارغٍ وتسجيل مواقف فارغة.. وحقيقة الأمر كل طرف يحاول جذبهُ إلى جانبهِ بكل الاغراءات والتنازلات على حساب التُراب السوري..
**
ولو فكّرنا بواقعيةٍ سياسيةٍ فإنّ كافة القوى الإقليمية والدولية المُتواجدة فوق التُراب السوري، لا مصلحة لها في حلٍّ سياسي في سورية.. لأن هذا ببساطة سوف يسحب من بين أيديها(جميعا) كافة الذرائع لاستمرار بقائها فوق الأراضي السورية.. وأعتقدُ لا أحدا منهم يضعُ نُصبَ عينيهِ مغادرة سورية.. فكلٍّ منهم بات يعتقد أن ما يملكه، أو ما يُسيطرُ عليه في سورية هو حقٌّ مُكتسبٌ له، ودفعَ دماءً لأجله.. ولذلك ما يخدمُ مصالحهم، هو المحافظةُ على هذا الوضع وإدامتهِ وترسيخهِ حتى يُصبِح مُسلّمات.. ولذا لم يكُن من الغريب أن يُصرِّح أردوغان بالماضي أن تركيا لن تنسحب من سورية حتى ينسحب الجميع.. وهو يُدرِكُ أنه لا يُوجدُ ما يُلزِم أو يضطرُ هذا "الجميع" للانسحاب، فهُم خسروا ما كان يجبُ أن يخسروهُ، وانتهى الأمر.. وقد طاب لهم المقام..
**
ومن هنا على السوريين أن يسعوا بأياديهم واظافرهم، للتوصُّل إلى حل سياسي، علّهم يستعيدون وحدة أراضي بلدهم، ووحدة شعبهم.. إنها مسؤولية وطنية كبيرة، ومسؤولية تاريخية جسيمة..
سورية بحاجةٍ لهدفين أساسيين:
ــ الهدف الأول: التصالُح الحقيقي والفعلي بين مكوناتها وهذا لا يكونُ إلّا بحلٍّ سلميٍ مقبولٍ للجميع (وأؤكِّد على كلمة "الجميع" إذ لا يُمكنُ لأحدٍ أن يُلغي ابن الوطن الآخر مهما اختلف معهُ، أو ينتقص من حقوقه)..
وبذات الوقت لا يُمكن التطغيةِ على أنّ هناك شروخا طائفية ودينية واسعة، وأحقادا في الصدور لدى الكثيرين ممن فقدوا أعزّتهم وأحبّتهم وممتلكاتهم، ويكتبون علنا في مواقعهم عن الأخذِ بالثأرِ مهما طال الزمن..
ولا ننسى أننا مجتمعاتٍ ثأريةٍ وهناك من لم ينسوا الثأر منذ 1400 عاما، وما زلنا نعيشُ داخل هذه الدوّامة..
ــ والهدفُ الثاني: السعي بقوة للعودة للعُمق العربي ودراسةُ العقبات أمام ذلك، فلا يُمكنُ لأيِّ عُمقِ آخرٍ، مهما كان، أن يُعوِّض عن العُمق العربي.. ومهما كانت العواطف إزاء أي شعبٍ آخرٍ، فلا يُمكنُ أن ترتقي لمستوى عواطف الشعوب العربية تجاه بعضها بعضا.. ومهما كانت العواطف من أيِّ شعبٍ آخرٍ، فلنْ تبلُغ غيرةُ الشعوب العربية على بعضها بعضا، وتبقى غيرةُ الأجنبي غيرةُ مصالح.. فروابط الدم والقُربى لا يمكن نكرانها ولا تجاهُلها مهما بلغت شدّة الأعاصير (وهذا من صُلبِ عقيدة البعث)..
وربّما كلامي نابعٌ من تكويني العروبي والقومي والعَلماني، إذ تتقدّمُ لديَّ الرابطة والعاطفة العروبية والقومية على كل شيء.. وهذه القناعة تعزّزت خلال عملي الدبلوماسي على مدى 35 عاما.. وإدراكي في الغُربة مدى حاجة العرب لبعضهم بعضا..
والشعوب لا تُؤخَذُ بجرائرِ الحُكّام.. فهؤلاء ليسوا الشعوب.. وهُم لهُم حساباتِهم، بينما للشعوبِ روابِطُها وعواطِفُها وحساباتُها أيضا..
سورية أمام مُفتَرَقٍ تاريخيٍ.. أمام خيارينِ لا ثالث لهما: إمّا الحل السياسي، وإما الضياع.. وهذا بات يعتمد على مدى وعُمقِ روح المسؤولية الوطنية لدى السوريين..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق