قيمة الفنان سمير صبري

عادل صوما
2022 / 5 / 30

سمير صبري فنان متعدد المواهب، أسعد الناس بطرق مختلفة، وكانت له ريادة برامج Talk Show التلفزيونية والإذاعية التي تنشر المعرفة والتسلية بهدوء، لكن المقال لن يتناول أعماله أو يقيّم فنه، بل سيتناول جوانب من حياته، ربما لم يركّز عليها من كتبوا عنه، أو استضافوه عندما تحول إلى ضيف بعد خبرة نصف قرن في مجال الفن والاعلام.
الجاليات الاجنبية
سمير صبري متخرج في فيكتوريا كولدج-الاسكندرية، وكانت هذه المدرسة الثانوية مع غيرها مثل سان مارك-الاسكندرية والجيزويت والليسيه الفرنسية، من ثمار وجود الجاليات الاجنبية في مصر وانفتاح محمد علي باشا على الثقافة الأوروبية، ما نشر التنوير والحداثة الأوروبية في مدن مصر.
كانت تلك المدارس مقصد الأباء الاغنياء في مصر والدول العربية، الذين ارسلوا أبناءهم للتعلم فيها، وخرّجت طلاباً أصبحوا رواداً في مجالاتهم مثل سمير صبري والمخرج يوسف شاهين والممثل ميشيل شلهوب، أو عمر الشريف بعد إشهار إسلامه، وحسين بن طلال ملك الأردن، والملك سيمون الثاني ملك بلغاريا، وأحمد رمزي الممثل المصري، وإدوارد سعيد الكاتب الفلسطيني، وإسماعيل شيرين السياسي المصري، وشادي عبد السلام المخرج المصري، وعدنان خاشقجي المليونير السعودي، وعبد الله النفيسي الكاتب والسياسي والمفكر الكويتي.
كلية فيكتوريا تأسست سنة 1902 في الأسكندرية، بقرار من الحاكم البريطاني لمصر آنذاك ايفريل بارينج، وكان من بين المشاركين في تأسيسها أفراد من أثرياء الجالية اليهودية في مصر، وتميزت بمستوى تعليم رفيع متبّع في الإمبراطورية البريطانية، وعدم تبني أي نشاط ديني داخلها سواء كان إسلامياً أو كنسياً، ما انعكس بوضوح على عَلمانية تفكير خريجيها.
قال سمير صبري عن تأثير فيكتوريا كولدج " زرع أساتذة المدرسة الانتماء في طلبتها، وأنا مدين لها بكيفية النقاش والبحث وتكوين الرأي". كما قال أنه قارىء ممتاز يطالع كل جديد.
ظروف وصُدف
بدأ سمير صبري حياته الفنية بتقليد الممثلين والغناء لخالاته السبعة وأبنائهن، ويبدو أن اعجاب مشاهديه الأوائل أقنعه بوجود موهبة ما عنده، ولعبت الصدفة أول أدوارها في حياته عندما انتقل إلى القاهرة ليعيش مع أبيه، وبمساعدة جار والده المطرب عبد الحليم حافظ، عمل في برامج إذاعي للأطفال، ولعبت الصدفة دوراً آخر في أحد المهرجانات في حياة سمير صبري، عندما طلب منه وزير الثقافة عبد القادر حاتم بصفته مشرفاً على الاعلام أن يعمل برنامجاً تلفزيونياً يحاور فيه ضيوف القاهرة الفنانين الاجانب، كما فعل تماماً في ليالي المهرجان على المسرح لإنقاذ الموقف بسبب الفراغ الزمني الكبير بين حلقات المهرجان، وكان اتقان الانكليزية المفتاح الذهبي الذي دخل سمير صبري به دنيا الاعلام التلفزيوني.
لعب سمير صبري أثناء المرحلة الأولى في حياته الإعلامية أدوارا صغيرة في السينما، ولفت دوره في فيلم "أخطر رجل في العالم" مع فؤاد المهندس انتباه مخرجي السينما، فأسند إليه المخرج نيازي مصطفى دوراً مهماً في فيلم "البحث عن فضيحة"، الذي كان باب دخوله إلى بطولات الأفلام في ما بعد، لكن سمير صبري حتى صدور هذا الفيلم سنة 1973 كان الاعلام بفرعيه الإذاعي والتلفزيوني هما ملعبه الأساسي، علاوة على تقديم الضيوف في المهرجانات الفنية، والغناء باللغة الانكليزية في النوادي والأعراس الراقية مع فرقته الموسيقية التي أنشأها.
نهاية حقبة
كان برنامج سمير صبري "النادي الدولي" في إذاعة الشرق الاوسط جسر تعريف المستمع العربي في بدايات السبعينات على أحدث الأغاني الغربية والمطربين الغربيين، كما كان أحد نجوم برامج Talk Show في ليالي القاهرة، ورائد استضافة عدة ضيوف عوضاً عن ضيف واحد في برنامجه التلفزيوني "النادي الدولي"، والمذيع اللامع الذي لم يخش وجود جميلتين مثقفتين بجواره في "النادي الدولي" هما فريدة الزمر وسلمى الشمّاع، لأن هدفه كان بناء جسر بين الاعلام الغربي التلفزيوني المتقدم والاعلام المصري الذي كان في بداياته، ووصلت شهرة "النادي الدولي" إلى حد طلب الفنانين منه أن يستضيفهم، وتجمّهُر الموهوبين المغمورين حوله ليستضيفهم ويلقي عليهم الضوء، لكن نجاح وشهرة البرنامج كان هناك من يتحين الفرصة لهدمهما، وجاءت الفرصة حين قالت الراقصة فيفي عبده في "النادي الدولي" أنها من ميت أبو الكوم، وهي البلدة التي وُلد فيها الرئيس أنور السادات، وطلب سمير صبري من مخرج البرنامج حذف هذه الجملة التي قد تسبب حساسية للرئيس حسب المفهوم الشرقي المحافظ، لكن الحلقة عُرضت كما هي، بينما كان سمير صبري يلعب في مسلسل تلفزيوني يُصور في لندن.
أصرّ مخرج الحلقة ورقباء التلفزيون على أن سمير صبري هو الذي أصرّ على بث الحلقة كما هي، وألغى وزير الاعلام "النادي الدولي" وسرت اشاعات بأن الرئيس السادات نفسه وراء هذا القرار، لكن الرئيس أصدر قراراً جمهورياً مُقتضباً حاسماً "يُعاد برنامج النادي الدولي فوراً"، وبدأت مديرة التلفزيون تحقيقها ووبخت الرقباء ومديرة الشؤون القانونية، وطلبت من سمير صبري أن يباشر عمله مرة أخرى، لكنه لم يستطع بسبب شرخ عميق حدث في نفسه.
هكذا خسرت مصر، وليس التلفزيون المصري الرسمي، مذيعاً كان يمكن أن يكون المحاور الأول الرائد الذي يُغني مشاهديه بالمعلومات وأسرار النجوم والسياسيين، ولا يرهقهم بصراخ الضيوف واستفزازهم وترديد ما تقوله السلطة وتبادل التهم والشتائم والضرب أحياناً.
أعمال خيرية
تفرغ سمير صبري للسينما وأنتج بعض الافلام التي لم يُؤزهِر (من الأزهر) فيها فن السينما مثلما فعل منتجون آخرون نفاقاً أو خوفاً من موجة الصحوة وسلطة الأزهر التي تعاظمت، بل كان صاحب جرأة مع ميرفت أمين لتمثيل شخصيتين في فيلم "بتوقيت القاهرة" تزوجا في فيلم، وأصر المأذون على طلاق ميرفت أمين ممن تزوجته في الفيلم، قبل عقد زواجها على رجل تحبه واقعياً، لأن الزواج في فيلم حسب المأذون فيه ركني الإشهار والموافقة!
لم يردد سمير صبري في أي حديث له عبارات مثل"ربنا سبب نجاح فيلمي" .. "إن شاء الله" .. "ربنا عايز كده".. "دي إرادة أبو خيمة زرقا".. ووُلد سمير جلال صبري وعاش بإسمه الفني إلى أن جعله التقدم العمر وسخافة الناس من حوله يقول ان اسمه محمد سمير جلال صبري، وأغلب الظن أنه كان يسخر من مذيع متواضع الموهبة كان يحاوره، ويحاول أن يعرف اعماقه وايمانه.
كما نشر أحدهم صورة لسمير صبري وجهاز مراقبة القلب يحيط بصدره وهو يقرأ تقريراً طبياً، وكتب الرجل المتأزهر أن سمير صبري يقرأ القرآن، ونظرة فاحصة للصورة تؤكد أن ما كان يقرأه سمير يستحيل أن يكون القرآن بسبب حجم وعدد الأوراق بين يديه.
وفي أواخر حياته سخر سمير صبري من مذيعة تمدها أجهزة الاستخبارت بما تقول، حين سألته "بيقولوا أن انت مالكش في الستات"، فقال لها بأدب أبناء العائلات المحترمة: "بالعكس كان لي علاقات مع نساء منهن فنانات لكني لن أذكر أسماء". لم يقل سمير أنه كان متزوجاً وله ابن يعمل في لندن كطبيب، ليُظهر بلباقة جهلها لأهل الإعلام الذين يعرفوه.
كان إيمان سمير صبري، غير المعروف للعامة في حياته، خيرياً في صمت وكتمان، لأنه كان وراء تلبية حاجات أو اجراء جراحات لفنانين فقدوا بريق الشهرة وما جنوه من مال، وتكفل بنفسه بدفع جنازات بعضهم. وبرر ذلك لأول وآخر مرة في برنامج "مفاتيح" بأن أستاذ اللغة الانكليزية في فيكتوريا كولدج نصح الطلبة أن يسعدوا انساناً كل يوم أو يعملوا الخير، فذلك سيجعلهم سعداء.
عبور الجسر
"أخاف من فقدان الصحة بمرور الزمن"، كان رد سمير صبري على مفيد فوزي في برنامج "مفاتيح" عندما سأله عما يخاف منه، لكن عمره وأمراضه والنوبة القلبية التي هاجمته في لحظة لا يعرفها أحد في الفندق الذي كان يقيم فيه أواخر حياته، جعلته يعبّر إلى "طريق عمري ما مشيت فيه" حسب ما غنى في أغنيته "أنا أيه حكايتي"

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت