المعذبون فى - مارينا - ضجيج الارهاب وضجيج - الجت سكى -

شريف حتاتة
2022 / 5 / 28

خواطر حول المعذبين على شاطئ "مارينا"
ضجيج الإرهاب وضجيج "الجت سكي"
---------------------------------------------------------
طلعت علينا الصحف، والمجـلات فـي الفتـرة الأخيرة بموجة من الأخبار، والمقالات، والتحقيقات عن الضجة التي يعاني منها المصيفون على شاطئ " مارينا ". هكذا يتضح أن أثرياء مصـر ، لا ينعمـون بالراحـة والهدوء اللذين يستحقونهما بعد الجهد الذي يبذلونـه طـوال السـنة ، لتضـخيم ثـرواتهم باسـم الإصـلاح الاقتصادي، والرفاهية للمصريين. تلك الرفاهية التـي يقال أنها ستتحقق في القريب العاجل على يد القطـاع الخاص، أي على يد المصيفين في "مارينا" وغيرها.
إن أولاد وبنات وشباب الانفتاح ، لا يؤمنون بالأجازات على الطراز القديم الذي عرفه أمثالي ، حيث لم يكن يسمع المصيفون إلا صوت الريح، أو الأمواج، أو ضـحكات أطفـالهم، يتخللـه أحيانا نداء باعة الفستق، والحلوى يمـرون علـى الشـاطئ منادين في حياء ، على البضاعة التي يحملونها في صناديق من الخشب والزجاج ، معلقة بحزام حول أعناقهم. فإذا أشار إليهم أحد المصيفين الجالسين تحت الشماسي أسرعوا نحوه، وركعوا على الرمل، ليرفعوا غطاء الصندوق ويستخرجوا منه الجـوز أو اللوز أو السمسمية بالسكر المحروق، أو ليلاعبـوه لعبـة " جوز ولا فرد" بحبات الفستق الطازجة. أتذكرهم رجالا يرتدون لباس الشواطئ الواسعة، وجوههم سمراء محروقة بالشـمس، وأصواتهم دافئة.
لكن يبدو أن " الضجة " في " مارينا " قضية هامة يجب أن نهتم بها، وإلا لما أعطتها الصحف كل ما أعطتها من اهتمـام. السبب هو أن أثرياء " مارينا " هم الذين يشاركون في السيطرة على وسائل الإعلام .
أنا لا أحسد أصحاب شاطئ " مارينا " على مـا يملكونـه هناك . فهذا النمط من الحياة لا يغريني . ولكني أتساءل لماذا لم تهتم الصحافة بالضجيج المفزع، والمضر للغاية الـذي يحيط بحياة الملايين من الناس في القاهرة، والإسكندرية، والـذي يمتد بالتدريج إلى سائر المدن والقرى في بلادنا، رغـم أنـهـا حدثتنا طويلا عن المشاكل في "جمهورية مارينا"، عن الحفلات الصاخبة التي تستمر حتى الفجر، عن مهرجانات الغناء وعـن حفلات الرقص، عن الديسكو، و "الجت سكي" والموتوسيكلات ، تروح وتجيء على الشاطئ دون انقطاع ؟؟.
أما جحيم الضجيج الذي أصبح جزءاً من حياتنا اليوميـة ، فهي تكتفي بكلمة عابرة بين الحين والآخر، لا تـتمخض عـن شيء . فأنا مثلا ساكن فى حى شبرا / على ساحل روض الفرج ، حيـث كـانـت الكازينوهات تستقبل زوارها في الثلاثينات. كان الدخول فيها "بخمسة تعريفة" شاملا زجاجـة البيـرة، والغنـاء والـرقص والتمثيل من الفرق الشهيرة مثل فرقة "علـى الكسـار" . لكـنا الساحل تغير كثيرا. الآن يجتازه سيل من السيارات والشاحنات .
والحركة الصاخبة مع الأوتوبيسات، والميكروباصات لا تنقطع في النهـار، أو فـي الليل. جميع السائقين دون استثناء وفـي جميـع اللحظات ، يضغطون على آلات التنبيه والأبواق، ومنها أبواق مركبة في الشاحنات لها صوت هادر، قادر على إيقاظ الأموات، ليصـنعوا ضجيجا عصبيا متواصلا ، لا منطق له، ولا مبـررات . فالزحـام الشديد يفرض على المرور قانونه ولا سبيل إلى اختراقـه، أو الإنطلاق بسرعة توفيرا للوقت. فكل محاولة من هـذا النـوع تنتهي بالتوقف بعدها بقليل عند إشارة، أو مفارق طـرق، خلف طابور السيارات الزاحفة على الطريق.
لكن هذا ليس إلا جزءاً من مشكلة الضجيج، فالحي الذي يمتد بالعمق شرق الكورنيش حي شعبي يشمل شبرا، ويحيط بوكالة " البلح " ، والزيجات فيه مثل الأبواق لا تتوقـف. تقتـرن دائما بالأفراح، بالطبل، والزمر، والرقص، والغناء، والزغاريد، والمغني من النوع الأصيل على طريقة محمد عبد المطلب أو " ِطلب " ، لكـن ينقصـه ملكات وقدرات فنه التى تجعانا نهوى سماعه . وتقترن بـه تحيات للحاج فلان، والمعلم علان على " التنقيط " الذي قدمـه العرسان. ومن حق الناس أن يفرحوا ويرقصوا، ويستمعوا إلى الغناء، وأن يطبلوا، ويزغردوا حتى يفكوا عن أنفسهم ، بعضـا من الكرب الذي يلاقونه في الحياة . لكن لماذا يجب أن يحـدث كل هذا على حساب راحة الناس ؟. لماذا لابد أن يصاحبه أكبـر قدر ممكن من ضجيج الميكروفونات ؟ . ولماذا يجـب إشـراك الآخرين في مسائل لا تخصهم، ولا تهمهم في شيء ؟ . ولمـاذا تظل السلطات صامتة كأنها تريد أن تغرقنا في ضجيج الأصوات؟.
في يوم من الأيام كانت تتم الأفراح ، فنكاد لا نشعر بهـا ، أو كان يشعر بها الجيران، وسكان الحارة ، وهم على أية حال كانوا مدعوين دائما إلى هذه الأفراح. أما أن أشارك أنا الساكن على بعد خمسمائة متر أو أكثر، في تأوهات أو شخط المطـرب، أو الإطلاع على كرم المعلم "شبانة " ، لا لسبب إلا أننـا اسـتلفنا الاختراع التكنولوجي الذي يكبر الأصوات ، واسـتخدمناه في غير أغراضه ، فهذا غير مقبول وليس له أى تبرير.
إذا أضفنا إلى الأفراح حفلات الغنـاء المقامة حتى الفجر ، فـي الكازينوهـات في حي المظلات ، والتي تصل أصـواتها إلينـا رغم بعد المسافة، ثم كل " المظاهرات الميكروفونيـة " المرتبطـة بالطقوس الدينية وبعض أركانها، أي إذا أضفنا المناسبات الدينية المختلفة، واحتفالات الحج، والعودة منـه، والموالـد ورأس السنة الهجرية، وشهر رمضان، وعاشوراء ، وقـراءات القـرآن، وآذان الصلاة، وحفلات الذكر، والإنشاد والمآتم، واختراعات أخـرى شعبية الطابع، فلنا أن نتصور ثقل الضجيج الـرابض علـى الساكنين في حي الساحل أو غيره من الأحيـاء. ربمـا هـذا الضجيج، أو على الأحرى السماح به وتشجيعه ، هدفه ألا يسود الهدوء في حياتنا. فالهدوء يعطي فرصـة للتفكيـر، وتأمـل أوضاعنا وما الذي ستؤدي إليه، ومـا هـو المخـرج منهـا. فالوعي يقترن بالهدوء ويطالبنا بأن نبادر بعمل شـيء. أمـا الضجيج فهو عنصر تشتيت، وإضعاف للقدرات.
إن كل احتفال في بلدنا مهما كان نوعه ، لابد أن يصـحبه ميكروفون، وأناس يقفون وراءه يتميزون بصوت يصم الآذان ، فأصبحت نفوسنا وأعصابنا تتحمل ثقلا لا يطاق ، حتى وإن كنـا غافلين عنه بحكم العادة. فأخطر الأشياء هي التي تحـدث لنـا دون أن ننتبه إليها، لنكتشف فجأة أن أوان العـلاج قـد فـات ، ولذلك في الطب نسمي الأمراض من هذا النوع بالأمراض الخبيثة.
حول الشارع الذى أسكن فيها ، يوجد ما لا يقل عن عشرة من الجوامع، وعدد كبير من الزوايا والمساجد لم أعدها ، تختبئ فـي الحـواري المجاورة . وكلها بالطبع مزودة بالميكروفونات الكبيرة الحجـم التي تتميز بقدرتها على الحشرجة، وبرجال قوتهم الأساسية في أصواتهم الخشنة . كأن الصوت الجهوري ضرورة مـن ضـرورات الإيمان، والقدرة على الوعظ، والإرشاد، تزيد بخشونة الصوت وتهديداته فى العقاب ، التى هى قاسم مشترك بين أغلـب خطبـاء المساجد.
عندما يحين موعد الصلاة ، تنطلق عشرات الأصوات بأعلى ما يمكنها أن تصل إليه، لتحيطنا بهدير مـن الصـراخ، كـأن القيامة قامت، أو كأن الذين يؤذنون فـي الجوامـع يريـدون إرهاب الناس أكثر مما يريدون دعوتهم إلـى الصـلاة وإلـى الفلاح. أتذكر أنه في أيام الطفولة، والشباب ارتبط الآذان فـي ذهني بأصوات يحملها النسيم، أصوات فيها رقة، ونقـاء ، فيها حزن الإنسان البسيط يتجه إلى السماء، بحثا عن العدالة، والسلوى
في مواجهة صعاب الحياة. فأين الإيمان في كل هذا ؟ . ومنْ يستطيع أن يقنعنا أن الإيمـان الحقيقي، والسلوك القويم، والعمل الطيـب والقيم الأخـلاقية الحسنة ، ترتبط كلها بهذه الأصوات المنطلقة مثل القنابل ، في الفجر، وفي كـل ساعات النهار وجزء كبير من الليل ؟؟.
قضيت سنوات طويلة في سجن الواحات . عشت فيه تجارب صعبة ، ولكن لي فيه بعض الذكريات الجميلة، ولحظـات مـن الصفاء لا أنساها. ففي فترة من الفترات كنت أعمل في مخبـز السجن وأشارك مع اثنين من زملائي ، في إعداد العجـين لمـا يزيد على ألف وخمسمائة مسجون، كان عملا شـاقا يسـتنفذ طاقتنا. نبدأ في " العجن واللت " قرب الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وننتهي من عملنا قبل الفجر بقليل، فأخرج من الكشك الذي كنا فيه غارقا في خليط من العرق، والعجـين ، وأجتاز المعسكر على مهل لأغتسل تحت الصنبور القريب مـن خيامنا.
قدماي تتحركان فوق الرمال. حولي مساحات الفضـاء وصمت لا يقطعه سوى همس الريح، وأنفاس النـائمين فـي الخيام تصلني وأنا سائر بين الصفوف. عنـد الأفـق ينتشـر الضوء ، فأنتظر الصوت عندما يحين أوانه. في لحظـة ، أسـمعه يصـعد كالناي قوي ، لا يحتاج إلى جهد حتى يصل إلى مسامعى، يعلو وينخفض كالموسيقى توقظ النائمين. لا أعرف صـاحبه، لا أعـرف إلا الآذان يطلقه في الفضاء يتهادى إليّ كأمواج البحر الهادئ. ظل صوته معي طوال السنين ، ذكرى حملتها في الوجدان. إنسـان يخاطب إنساناً. لا داعي للأسماء، أو الملامح، أو نظرة العينين . هو من الإخوان، وأنا من الشيوعيين . لكن روحه وصلت إلـيّ وأنا سائر في الفجر فوق الرمال.
أتساءل كلما سمعت الأصوات تصرخ في الميكرفون لماذا ، لا نعود إلى الآذان القديم، لا ميكروفونات ولا تضـخيم ؟ . أم أن السلطات راضية عن الضجيج ، عن صوت الإرهـاب يرتفـع عاليا ، ليهددنا فنسكت على الكثير مما نحن فيه.
الضجيج السلفي الإسلامي ، لـيـس سـوى الوجـه الآخـر لضجيج " الجت سكي" في "مارينا" أحد شواطئ الأثرياء فى مصر . ليس سوى الوجـه الآخـر للنظام الرأسمالي المعاصر يسد الطريق أمـام نمـو الوعى بالحقيقة .
من كتاب " يوميات روائى رحّال " 2008

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان