التذوق الجمالى والتربية الجمالية

محمد فُتوح
2022 / 5 / 20

--------------------------------------------------------------------------

يرى العالم رسل لينز ، أن الذوق قوامه ثلاثة أشياء شائعة عند كل فرد . الأول التربية ، والتى لا تقتصر على الجانب الرسمى ، ولكن تتضمن أيضاً التربية العفوية غير المقصودة ، بما فى ذلك البيئة . والعنصر الثانى الإحساس الذى يمكننا من إدراك الشعور واستقباله . أما العنصر الثالث فهو الأخلاق ، والذى يرتبط بالمعتقدات والمبادىء التى توجه سلوك الفرد ، وتكون إطاراً للحكم على سلوك الآخرين .
إن ارتقاء الذوق يتشربه المرء بتفاعله التلقائى مع البيئة ، التى تتسع تدريجياً من المنزل إلى المدرسة و إلى المجتمع . ويتوقف الأمر على مدى رقى البيئة من الناحية الذوقية ، لذلك فإن الأمر لا يجب أن يُترك للمصادفة ، بل يتحتم وجود تربية جمالية واعية مقصودة ، تُمكن المتعلم من التذوق ، والنقد ، والنقد الذاتى على الأخص ، وإصدار الأحكام الجمالية السليمة .
هناك نوع من التفاعل المستمر بين الإنسان وبيئته ، والتفاعل معناه الأخذ والعطاء ، محاولة تغيير الإنسان البيئة ، فتعاوده هى بدورها وتغيره ، أى أن محاولة تجميل البيئة ، وتحسين مظهرها الإيقاعى يعود ويؤثر على الإنسان صانع هذا التنسيق ، فيريحه ويمتعه ، ويشعره بسعادة نتيجة توافر العوامل الجمالية فى بيئته . والعناصر الفعالة فى إيجاد التغيير هى الحواس ، التى يستخدمها الإنسان فى تشكيل كل شئ حوله ، والاستجابة له ، وعملية الصياغة والتشكيل ، لا تعتمد على العقل وحده ، وإنما تكمن ركائزها فى حواس الإنسان ، فى طرق استجابته للمرئيات ، فى محاولة صياغة هذه المرئيات لتحقيق حاجاته ، لقد أكد العالم هربرت ريد ، أن أسس المدينة ، لا تقوم على العقل ، ولكن على الحواس ، فيقول : " إن أسس المدينة لا تعتمد على العقل ، ولكن على الحواس ، فاذا لم نستطع أن نستخدم الحواس ونربيها ، سوف لا نتمكن من خلق الظروف البيولوجية للحياة الإنسانية ، دع عنك مسألة تقدمها " .
إن تذوق الإنسان يتأثر بالبيئة التى يعيش فيها ، والبيئة هى كل ما يحيط بالفرد ، سواء كان ما يحيط به ظاهرة طبيعية ، كالأرض ، والجبال ، والأنهار ، والسماء ، أو كائنات حية ، كالإنسان ، والحيوان ، والطيور ، والأسماك . البيئة إذن هى الوسط الذى يوجد فيه الفرد ، بكل ما يشتمل عليه هذا الوسط من معنى .
وتلعب الأم والأب والجد والجدة أدوارهما فى التنشئة الاجتماعية ، مما يكون لهم من أثر على تذوق الطفل وإحساسه بالجمال ، فهم يصلحون ما يُفسد أثناء النمو ، فيجد الناشئ الأمثال واضحة أمامه ، ليقتدى بها سواء أكانت أمثلة حسنة ، أو رديئة . ثم بعد ذلك تلعب المدرسة دورها ، والمجتمع بوسائل إعلامه المختلفة دوره فى التوعية بالجمال وتذوقه وممارسته ، لكن هذه الأدوار قد لا تؤدى بشكل متعمد ، و يترك النمو الجمالى ليتم عابراً ، أو متخبطاً ، أو بالصدفة ، أو لا يتم ، أو يتم بالعكس ، النمو فى إطار القُبح ، لأن القيادات قد لا تكون دائماً من الوعى لتضرب الأمثلة الواعية . لذلك فإن التربية الجمالية ، تربية الحواس ، لتستجيب إلى الجمال فى كل ركن من أركان الحياة ، مسألة تحتاج إلى تخطيط ، ورعاية فى أثناء فترات التعليم من الحضانة إلى الجامعة ، حتى يخرج المواطن متعدد الجوانب ، قادرا على تذوق الجمال والعيش به وإكتسابه لغيره بالعدوى . والتربية الجمالية تعنى رعاية النشئ منذ حداثة سنهم ، لتذوق الجمال والعيش فى كنفه ، وخلق ظروفه ، واستخدامه ، كأداة عدوى لسائر الأفراد ، ليشبوا فى ألفة لا تنقطع بقيم الجمال فى كل مرافق الحياة .
إن التلميذ الذى يتربى فى مدرسة راقية تُعنى بالجمال ، معناه أنه سيجده فى قاعة الدرس ، وفى المعمل ، والورشة ، والفناء ، فى المطعم ، والمدرج ، وطابور الصباح ، فى لوحة الإعلانات وتنظيم الحديقة ، فى غرفة الناظر والمدرسين ، وفى زيه وهندامه ، فى كتابته ، ومعاملته لكتبه وكراساته . إن الجمال هو أرقى شىء فى الحياة ، والتدريب عليه منذ الصغر فى كل جانب ، ضمان لتكوين أمة راقية تسير فى ركب المدنية .
إن تنمية التذوق الفنى فى الناشئين تأتى بالممارسة ، فالطفل الذى يشترى له أبوه ملابسه حسب ذوقه ، دون أن يشرك ابنه فى الاختيار ، لا يساعد ابنه عل ممارسة الاختيار العملى الذى ينمى ذوقه . والمدرسة إذا كانت بيئة غير مرتبة ، لا يراعى فى تنسيقها أى جانب جمالى ، خرج الطفل قليل الذوق ، وليس له عين نقدية . الواقع أننا نضع بذور التذوق فى المدرسة ، ونجنى ثماره بعد ذلك فى المجتمع . فكثيراً ما يُعهد إلى المواطن بأمور لابد له أن يحكم ذوقه ، كتنظيم مدينة ، أو إقامة مبنى ، أو شراء أثاث لسكنه ، أو اختيار ملابس . فإذا كان ذوقه قد نما ، نضمن نمو سلوكه الفنى نحو هذه الأشياء ، وإذا لم ينم ذوقه ، كان سلوكه قبيحاً مزرياً . والحقيقة أن المدنية فى مجموعها ، يقوم أساسها على نمو عملية التذوق . فكلما نما الإنسان فى تذوقه ، ارتقى فى سلم المدنية درجات . ويكفى أن ترى جانباً من عمارة ، أو تستمع لقطعة موسيقى ، أو تنظر إلى صورة من إنتاج شعب من الشعوب ، لتحكم على مقدار تذوقه .
وليس معنى أن إنساناً معيناً يعمل فى حقل الفن ، أن يكون ذوقه الجمالى مرتفعاً بالضرورة . ولا يعنى أيضاً أن الذى يعمل فى مهن ، لا تمت إلى الفن بصلة ، أنه ليس لديه ذوق جمالى رفيع . فتذوق الجمال والتعايش به ، إحدى الخصال التى يكتسبها الفرد من البيئة ، بصرف النظر عن نوع المهنة التى يمتهنها الإنسان . ولقد رأينا أمثلة لفنانين لا يغلب على مظهرهم أى نوع من الجمال ، ورأينا أشخاص عاديين يبهرك مستوى الأناقة والعناية فى هندامهم ، وكلامهم ، وسلوكهم بوجه عام . ولا نعرف أى نوع من الشهادات الجامعية تضمن الارتقاء بمستوى الذوق الجمالى . فالشهادة الجامعية ، ما هى إلا وثيقة تثبت أن هذا الطالب حصل على هذا القدر من المعرفة ، سواء فى التجارة ، أو الصناعة ، أو الطب ، أو الهندسة ، أو التعليم ، أو الفن . لكن لا تثبت هذه الشهادة ، إذا كان عنده ذوق رفيع ، ويعشق الجمال ويستجيب له ويعيش به .
إن الأطفال الذين نتعهد بتربيتهم الآن ، سوف تؤول إليهم الأمور يوماً ما . سيكونون مسئولين عن كثير من أمور الناس التى يتدخل فيها التذوق كعامل أساسى . ألا ترى أن هذا الموظف الذى يعمل فى البلدية ، إن لم يكن له ذوق رفيع ، سيؤثر بذوقه البدائى على أذواق الناس ، بما يبديه من آراء فى تخطيط المدينة ، وتحديد ارتفاعات المساكن ، ورش الميادين وما إلى ذلك ؟؟. وعلى ذلك لابد أن ينال كل فرد نصيبه من الثقافة الفنية – التى هى لون من التربية الجمالية – ومن الممارسة التى تكون تكويناً تذوقياً نامياً ، يستطيع معه أن يترجم كل ما حوله ترجمة استمتاعية . فبذلك يمكنه أن يعدل فى البيئة ويخلقها خلقاً ، كما تعدل البيئة فيه وتعطيه الراحة الجمالية .
إن الإنسان منذ صغره ، يتدرب على أن يستجيب بحواسه كلها ، لما يحبه فيقدم عليه ، ولما يكرهه فيحجم عنه . وعلى ذلك ، لو حللنا سلوك الإنسان عموماً فى الحياة ، نجد أنه يتركب من مجموع الاستجابات لمواقف متنوعة مختلفة ، وكل استجابة إيجابية أو سلبية ، تتضمن – رضى بذلك أم لم يرضى – ممارسة لقدرته على التذوق ، وإصدار الأحكام . وعلى هذا الأساس ، سنجد أن من أول وظائف التربية ، تكوين المعايير السليمة للتذوق ، وتدريب المتعلم على تطبيقها عملياً ليرضى بحياته ، وحياة المجتمع الذى يعيش فيه . والتعليم المدرسى الذى لا يؤدى لهذا النوع من التربية ، يعتبر تعليماً فاسداً ، لأنه لا يعنى بتشكيل القيم الذوقية التى هى أساس الحياة الرفيعة عند الإنسان . وحينما تتنبه حواس الإنسان ، ويكون معايير سليمة للتذوق ، سنجده يطبقها ، لا فى الملموسات ، وحدها . ولكن فى كل جانب من جوانب الحياة .
إن التربية الجمالية تهدف أول ما تهدف ، إلى الارتقاء ببصيرة المواطنين ليدركوا الجمال ويتذوقوه ويستمتعوا به ، فى كل ما تقع عليه حواسهم ، فتزداد متعتهم بالحياة ، وتتعمق سعادتهم وراحتهم النفسية بها .
إن التربية الجمالية ضرورية لإصدار حكم جمالى ، ولتتفتح ملكة الإحساس بالجمال . والواقع أننا لن نصل إلى أحكام موحدة بهذا الصدد ، ما دام الأفراد يختلفون من حيث المزاج والشخصية والانفعالات وغير ذلك . فالفروق الفردية ستظل كما هى ، ويظهر أثر هذه الفروق فى مدى إحساس الأفراد بالجمال ، أى فى اختلاف درجات التذوق الجمالى .
وفى هذا الصدد ، نذكر عدة طرق ، لتربية التذوق الجمالى ، وصقله لدى الفرد .
1- الإسقاط التدريجى لكل ما هو قبيح :
................................................................
إن الطفل ، تتجمع لديه حصيلة من الأحكام الجمالية ، نتيجة لدراسته ، وتلقينه منتهجاً فى التربية الجمالية . فتكون هذه الحصيلة التجريبية ، أساساً ، يوجهه إلى الشعور بالجمال . ويتم ذلك ، بواسطة منهج خاص ، هو ما يُسمى ، بالإسقاط التدريجى لكل ما هو قبيح ، أى إبعاد الأكثر قُبحاً ، فالقبيح ، فالمتوسط فى القُبح ، ثم يتدرج المتذوق ، فيستعرض موضوعات ، تختلف فيها مسحة الجمال ، وتتزايد . فيتكون لديه معنى الجمال . وهذه الطريقة عكسية وشاقة . وهذا الأسلوب الصعب دعا إلى طريقتين .
أ- تكرار المثول أمام الموضوع :
وتتلخص هذه الطريقة بأن تبدأ بالأشياء البسيطة ، التى اصطلح الناس ، والعاديون منهم – بصفة خاصة – على اعتبارها جميلة ، وذلك فيما يشاهدونه من الصور ، واللوحات ، والتماثيل ، والأعمدة فى القصور الفخمة ، والمساجد الأثرية ، والمعابد الدينية ، دون أن يكون لديهم أى قدر من التربية الجمالية . حيث ستؤثر هذه المشاهد عليهم ، فيما يتصل بتذوقهم للجمال شيئاً فشيئاً . وقد يساعد على ذلك ، أن نصحب الطفل للنزهة ، ورؤية جمال الطبيعة ، حيث يحس بالتنوع بين الألوان ، وحيث يشعر بانتشار الحياة فى النبات ، وربما فى الجماد. ويلمس جمال التناسق ، وروعة الطبيعة ، حتى تساعد على تنمية الإحساس بالجمال ، وذلك حتى يصبح قادراً فيما بعد ، على إصدار أحكام جمالية .
ب- الطريقة المقارنة :
وهى طريقة ، للمقارنة بين الآثار الجميلة والمنتجات الفنية ، ثم إيجاد تحليل نظرى لهما . فالطريقة النقدية ، تستند فى أساسها ، إلى أسلوب المقارنة المنطقية فحسب . ولكن أسلوب المقارنة ، الذى نتبعه بعد ذلك ، يجب أن يسبقه نوع من التجربة الجمالية . وهذا يصنع فائدتين . الأولى ، تدعيم التذوق الجمالى . والثانية ، تنمية القدرة على اصدار أحكام جمالية على موضوعات الجمال المختلفة .
من كتاب " التلوث البصرى وعلاقته بالتذوق الجمال فى الطفولة المتأخرة " 1990
---------------------------------------------------------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار