قوس فلسفي (5): أشكال وأنواع الحروب

عبد المجيد السخيري
2022 / 5 / 19

يرتبط النقاش حول أخلاقيات الحرب في جانب منه بطبيعة الحرب نفسها، أي باعتبارها إما عملا متنافيا مع الأخلاق بالمطلق، كما ينظر إليها "السّلاميون"، أو عملا مُبرّرا أخلاقيا من جهة دوافعه والأسباب الداعية إلى سلوكه وغاياته، من وجهة نظر "الحرب العادلة"، أو كما يراه "الواقعيون" بشكل ما. ونجد مثل هذا النقاش يُثار أيضا كلما تعلّق الأمر بتصنيف الحرب على أساس المقاصد أو الوسائل أو الدوافع، ما أفرز صُنافة من الحروب وأشكالا من الصراع تقترب أو تبتعد بهذا القدر أو ذلك من المفهوم التقليدي للحرب، أو من الصورة الراسخة في الأذهان للحرب كما خبرتها البشرية منذ آلاف السنين. ويمكن أن نجرد أهم الأنواع التي تركّز عليها اهتمام الفلاسفة والمنظرين السياسيين والعسكريين بحسب المعيار المعتمد لتصنيف الحرب.
فإذا نظرنا إلى الحرب من زاوية الدوافع أو معيار الغاية، سنجد أنها قد تكون على سبيل المثال لا الحصر:
-حربا اقتصادية: وهي حرب من نوع خاص تُستعمل فيها أسلحة الحصار والتضييق على العدو أو المنافس في السوق الدولية، إما بحرمانه من الوصول إلى المواد الأولية للإنتاج أو فرض عقوبات على صادراته الخارجية، أو في شكل أخفّ، بفرض تعريفة جمركية معسرة للحد من ولوج السوق الداخلية للسلع الاستهلاكية...إلخ.وتعد هذه من أحدث الحروب التي نشهدها في عصرنا، وتخوضها في الغالب الدول القوية أو الامبريالية ضد منافسيها أو الدول التي تصنفها كدول مارقة، وهو ما اشتهرت باللجوء إليه كسلاح تدميري للإذلال، الولايات المتحدة الأمريكية في علاقتها مع مجموعة من الدول الصغيرة ككوبا، أو الدول الصاعدة مثل إيران والعراق سابقا، أو الدول القوية المنافسة مثل الصين وروسيا. ونشهد في وقتنا الحالي مثالا غير مسبوق للحرب الاقتصادية التي يخوضها الغرب الأمريكي-الأطلسي ضد روسيا كعقاب لها على مهاجمة حليفته أوكرانيا. ورغم أنها حرب لا تستعمل فيها الأسلحة، إلا أن ضحاياها أحيانا قد يكونون بالآلاف بسبب ما ينتج عنها من حرمان وتجويع أو إضرار بالخدمات الأساسية(الصحية) مثلا، وهو ما تشهد عليه أرقام الضحايا بالملايين بين أطفال العراق بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرضته أمريكا وحلفائها على البلاد بعد تدمير بنيتها التحتية وتعطيل صناعاتها الأساسية...
-أو حربا اجتماعية (طبقية): وهي أيضا ليست بحرب تقليدية تتواجه فيها جيوش أو مجموعات متحاربة، بل يتعلق بصراع بين الطبقات يتخذ أشكالا متراوحة بين المواجهات السياسية الحادة (الشكل الناعم)، كما قد يتطور إلى شكل عنيف تُستخدم فيه القوة من جهة النظام السائد (الطبقة المسيطرة) لقمع عصيان مدني أو ثورات شعبية أو احتجاجات اجتماعية واسعة، بحيث يتم اللجوء إلى القوة النظامية (جيش، أمن داخلي، الدرك...) لإخماد ثورة أو عصيان أو انتفاضة شعبية، بينما قد تلجأ الطبقات النقيض إلى العنف الثوري أو حمل السلاح لتحقيق الأهداف المسطرة حين يتعذر الوصول إلى السلطة عبر القنوات السلمية( الانتخابات أو التفاوض...) من خلال التنظيمات التي تمثلها أو تزعم تمثيلها.
-حربا دينية: وتوصف أيضا بالحرب المقدسة أو الجهادية، وهي من أعرق أنواع الحروب، حيث تسببت الخلافات الدينية أو السعي إل نشر الدين الجديد، أو الاختلافات المذهبية داخل الدين الواحد، في نشوب حروب دينية دموية أودت بحياة الملايين من البشر. ومن أشهر الحروب الدنية حرب الثلاثين عاما، والحروب الصليبية، والفتوحات الإسلامية...إلخ. وبغض النظر عن وجود مصالح علمانية وراء هذه الحروب، فإن الطابع الديني الغالب على صورتها وشعاراتها وتعبئة قواها الداخلية يجعلها مختلفة عن باقي الحروب الأخرى.
-أو حربا تحررية(وطنية): وهي في الواقع حرب ثورية تسعى إلى تحقيق أهداف مميزة مرتبطة بتحرير الوطن من الاستعمار والاحتلال، وقد تنهج أساليب مماثلة للحرب الثورية بالمعنى الدقيق للكلمة، من حيث التنظيم والتخطيط والقيادة والبرنامج. ففي القرن الماضي عرفت بلدان عديدة في القارتين الافريقية والآسيوية العديد من الحروب التحررية، إما متزامنة مع حروب ثورية داخلية، أو متداخلة أهدافها بين التحرر الوطني من الاستعمار والتغيير الثوري للسلطة والنظام السياسي، ومعظمها تميز بغلبة واضحة للإيديولوجيات اليسارية (الشيوعية والاشتراكية)، وبالإبداع في الأساليب والتكتيكات الحربية (حرب العصابات أو الغوار- العمل الفدائي...)، فضلا عن التأثير والاشعاع الدوليين.
وإذا ما نظرنا إلى الحرب من حيث المعيار الجغرافي، سنجد أنها قد تكون:
-حربا داخلية: وتسمى أيضا حرب أهلية، وهي تجري بين جماعات مختلفة تنتمي لنفس البلد لأسباب قد تكون سياسية عامة، أو مرتبطة بنزاعات طائفية وعرقية أو لغوية وغيرها. وتعرف على نطاق واسع بأنها نزاع مسلح بين يتواجه فيه أعضاء من نفس المجتمع أو الوطن ينشب داخل الحدود الإقليمية للدولة حيث يسعى كل طرف إلى بسط سيطرته على جزء من ترابها. واشتهر الباحث الأمريكي جيمس فيرون بتعريفه للحرب الأهلية على أنها «نزاع عنيف داخل بلد ما تخوضه مجموعات منظمة تهدف إلى الاستيلاء على السلطة في المركز أو في منطقة ما، أو لتغيير سياسات الحكومة...".
-أو حربا خارجية: والمقصود هنا كل نزاع مسلح ومواجهة عسكرية تجري بين طرفين أو أكثر من خارج حدود الدولة الواحدة الإقليمية، مثل النزاعات الحدودية بين الدول المتجاورة، أو الحروب التي تكون على شكل مطاردة لجماعات غير نظامية مسلحة تنشط خارج الحدود المعترف بها لدولة معينة، أو الحرب التي يخوضها حلف من الدول ضد دولة معينة على شكل هجوم خارجي يتم من خلالها استعمال جميع الوسائل المتاحة للهجوم من قصف جوي وبحري وقتال على الحدود أو تسلل المقاتلين إلى داخل الدولة المعتدى عليها أو المهاجمة.
-حربا محدودة: ويتعلق الأمر إما بحرب تجري بين دول في نطاق محدود جغرافيا، أي أنها تتخذ شكل صراع دولي في حيز إقليمي أو محلي ضيق لا يتعدى المواجهة العسكرية بين دولتين، أو بين دولة وجماعات غير نظامي، سواء كانت مجموعات مسلحة تمارس أسلوب الإرهاب، كما حال التنظيمات الأصولية المتطرفة في بعض البلدان بالشرق الأوسط، أو بحركات ثورية، كما حدث في أمريكا اللاتينية إبان الزمن السوفياتي، أو بحرب يكون تأثيرها محدودا على الاقتصاد وضحاياها من المدنيين أقل من الحروب الشاملة.
-أو حربا شاملة: وهي الحرب الت تقابل الحرب المحدودة، أي نطاقها يكون أوسع، لكن المقصود في الغالب بالحرب الشاملة هو لجوء أطرافها إلى استخدام واسع للإمكانيات والموارد المادية والبشرية لتعزيز المجهود الحربي، وحيث لا يتم التمييز بين الأهداف العسكرية المشروعة وبين المدنيين العزل، أي من هو مقاتل ومحارب وبين من هو أعزل ومدني، بينما يكون تأثيرها الاقتصادي شاملا وكارثيا.
أما إذا تناولناها من حيث الوسائل والأدوات التي تُخاض بها، فسنجد أنها إما:
-حربا ساخنة (عسكرية مباشرة): تجري كمواجهة بين دولتين أو أكثر، وهو حال جل الحروب التقليدية والحديثة التي شهدتها البشرية منذ القدم، حيث يتم اللجوء إلى تعبئة القوة العسكرية من أسلحة وجيوش وموارد مادية مختلفة لتعزيز الجهد الحربي وتأمين حاجيات المقاتلين والمحاربين.
-أو حربا باردة: أو حرب ناعمة تستخدم فيها أسلحة نفسية ودعائية لتحطيم العدو معنويا وتشويه صورته أمام الآخرين، ومن ثم فهي تتخذ شكل حرب نفسية واسعة النطاق ممتدة في الزمان، أو مواجهة ثقافية وإيديولوجية شرسة كما حدث بين الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بصورة مكشوفة، بينما عمليا بدأت الحرب الباردة بين المعسكرين منذ انتصار الثورة البلشفية بشكل أخف. ورغم إعلان انتهاء هذه الحرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المعسكر الاشتراكي السابق، إلا العديد من الوقائع والمؤشرات تؤكد استمرار أنشطة الحرب الباردة بالمعسكر الرأسمالية من خلال حملات التشويه المتواصلة لتاريخ المعسكر العدو، والهجوم الثابت على الإيديولوجيا الاشتراكية و الشيوعية التي ما يزال تأثيرها مستمرا بين الشعوب، بل إن الغرب الرأسمالي يعود اليوم لتجديد شامل لعقيدة الحرب الباردة ،كما صاغ مبادئها وأساليبها وخططها دهاقنته في الأجهزة الاستخباراتية ومكاتب الحرب النفسية، لمواجهة شبح القوة الروسية المتصاعدة، وهو ما يشهد عليه العالم اليوم في سياق المواجهة الشاملة مع روسيا الاتحادية بعد اندلاع الحرب مع أوكرانيا، بينما كانت موجهة بالدرجة الأولى قبلها لمواجهة شبح القوة الصينية الصاعدة.
وإذا أخذنا الحرب من جهة الأسلوب أو الطرق والتقنيات التي تخاض بها، فهي تضم مجموعتين أساسيتين:
المجموعة الأولى وتشمل أربعة أنواع من الحروب:
-الحرب التقليدية: وتعتمد بالأساس على القوة النظامية المتمثلة في الجيوش تحت قيادة عسكرية معينة وخاضعة لتراتبية صارمة وقواعد سلوك عسكري وقتالي غير موضوع تنازع ولا جدال، وخطط معدة سلفا يتم اتباعها دون مناقشة من قبل الجنود ولا تخضع لمشاورات خارج دوائر القرار العسكري أو القيادة العليا للحرب...
-الحرب غير التقليدية: وهي كل حرب لا تعتمد الأساليب المعهودة في الحروب التقليدية التي تتواجه فيها الجيوش النظامية أو الدول، سواء من جهة إخفاء هوية المحاربين (سرية المشاركة أو الدعم الخفي لأحد أطراف الصراع) أو من جهة الوسائل غير التقليدية المعتمدة للمساهمة في المجهود الحربي، من دعاية ومناصرة وتحريض. وهي حرب قد تخوضها حتى الدول حين ترغب في تجنب المواجهة المباشرة باعتماد مرتزقة أو استغلال الضعف الاقتصادي أو السياسي لإذلال العدو ودفعه إلى التنازلات واستنزافه، كما أنها حرب تخوضها جماعات غير نظامية بأساليب غير تقليدية، مثل الاستنزاف والتسلل والاختراقات وغيرها، وهي الأساليب التي طورتها الحركات التحررية والثورية منذ القرن الماضي، وتقترضها بصورة معدلة بعض الدول، كالولايات المتحدة الأمريكية لنشر الفوضى ودعم الثورات المضادة. وتٌعرف من الناحية القانونية بأنها "أنشطة تُجرى لتمكين حركة المقاومة أو التمرد، للإكراه أو الإعاقة، أو الإطاحة بسلطة أو حكومة محتلة، من خلال العمل عبر قوة خفية أو معها، أو قوة مُساعدة، أو حرب العصابات في منطقة مُعادية".
-الحرب النظامية: وتشنها الجيوش النظامية الخاضعة للقوانين والقواعد العسكرية الخاصة بكل دولة، والتي تتميز أساسا بأنها حرب تسير وفق خطط يتم وضعها مسبقا من قبل القيادة العسكرية ويتولى الجنود والمقاتلون، بمختلف تشكيلاتهم، تنفيذها بشكل يكاد يكون حرفيا ودون مناقشة أو تحفظ، وحيث يعتبر الأمر العسكري غير قابل للاستئناف أو الطعن أو ما شابه، وإلا عرّض صاحبه للعقوبات الصارمة...
-الحرب غير النظامية، تشنها في الغالب "عصابات" أو "مجموعات عسكرية أو شبه عسكرية غير نظامية"، أو مقاتلين غير خاضعين لقيادة مركزية أو خطط مسبقة يتم تنفيذها بشكل حرفي، ولا يتصرف فيها المقاتلون وفق قواعد ثابتة للسلوك العسكري، أو حتى لقانون معين لأخلاقيات الحرب، لأنه غير معترف بها من قبل القانون الدولي، ومن ثم فهي في حل من أي التزام بقانون معين للحرب أو ما بعد الحرب.
أما المجموعة الثانية فتضم عددا من الأشكال والأنواع من الحرب اتخذت تسميات وصور في الأغلب ارتبطت بالحروب التقليدية، لكن دون أن تنعدم بعضها في الحروب غير التقليدية، أي عند القوى غير النظامية. ومن ذلك نجد منها مل يتحدد بالوسيلة التي تشن بها الحرب مثل:
-الحرب الجوية: ويتعلق الأمر بوسيلة أو استراتيجية عسكرية تعتمد على القصف الجوي لجيوش العدو ومواقعه وتحصيناته ومنشآته باستخدام الطائرات العسكرية أو آليات طيران أخرى متاحة (طائرات نفاثة أو شراعية، مروحيات، حاملات صواريخ أو مظليين، مزودة بالوقود...)، بما يمنح الطرف المهاجم أفضلية، كما تستهدف الحرب الجوية السيطرة على المجال الجوي وفرض حصار على تحركات العدو، بما في ذلك استخدام الطيران البحري لضرب أهداف برية قريبة.
-الحرب البرية: ويقصد بها العمليات العسكرية التي تجري على الأرض، وتتميز باستخدام أسلحة ومعدات خاصة، مثل الدبابات والأسلحة الخفيفة والرشاشات، وهي تعتبر الحرب الأساسية منذ القديم لأنها تحسم المعارك على سطح الأرض اعتمادا على ثلاث قوى قتالية: المشاة، المدفعية والمدرعات، وعلى أساسها تقوم سياسات الأمن القومي والتخطيطات العسكرية ومختلف الترتيبات اللوجستيكية والاستراتيجية.
-الحرب البحرية: إلى غاية القرن الماضي كانت الحرب البحرية حاسمة في بعض الحروب، وكان امتلاك السفن الحربية والقيادات المحنكة والجنود المدربين على القتال على سطح البحر، أو أي سطح مائي مثل البحيرات والأنهار، حاسما لكسب الحرب أو أشواط منها على الأقل.
ومن الحروب ما يتحدد على أساس التقنية أو الخطط المسندة للحرب العسكرية مثل:
-الحرب النفسية: أو السيكولوجية، ويقصد بها عادة كل العمليات الدعائية أو حرب المعلومات التي تستهدف التأثير على العقول وكسب القلوب واختراف العدو والتأثير على معنوياته، أو تأليب الرأي العام ضده وتحييد أنصاره. وتجري الحرب النفسية وفق خطط في الغالب مدروسة بعناية تحت إشراف خبراء في علوم النفس، يراد منها استثارة ردود أفعال نفسية مرغوب فيها، ويمكن أن تعتمد هذه الخطط على خلفيات ثقافية أو دينية أو أنتروبولوجية لدى الشعوب أو الجماعات المستهدفة لتحقيق استجابات معينة تساعد عل إحباط العدو وتحطيم معنوياته. ويعرفها البعض بأنها "الاستخدام المنظم للدعاية والتدابير الإعلامية المقاربة بهدف التأثير في آراء وعواطف فئات الأجانب في البلدان المعادية من أجل تحقيق أهداف السياسة القومية أو الأهداف العسكرية".
-الحرب الإعلامية: وهي حرب المعلومات بالدرجة الأولى، تستخدم الاعلام كسلاح أساسي في الصراع بمختلف وسائطه وقنواته، من الصحف والتلفزيون والإذاعة والمنشورات والسينما والصور الفوتوغرافية والانترنيت والمنصات الاجتماعية...إلخ. وقد تخاض هذه الحرب في أوقات السلم كما تخاض لتعزيز الحرب العسكرية وإسنادها كالحرب النفسية. وترتكز الحرب الإعلامية على التضليل وتوجيه ردود الفعل والسلوكات العامة من خلال نشر المعلومات والأفكار الموجهة والاشاعات والأخبار المزيفة والمفبركة بقصد إلحاق الضرر المعنوي بالعدو، أو نزع المصداقية عن قضية معينة وتشويه سمعة أصحابها، وعرض وجهة نظر أحادية في المواضيع المطروقة...
-الحرب الالكترونية: وهي حرب تجري عبر الوسائط الالكترونية المعروفة من خلال سلسلة عمليات تشمل رصد واستطلاع أنشطة العدو أو الأعداء بتعقّب الإشارات أو الاشعاع الكهروميغناطيسي، واختراف النظم المعلوماتية أو شلها بغاية حرمانه من الاتصالات، وإحداث البلبلة التي من شأنها أن تؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد والمعاملات المالية والبنكية، فضلا عن تهديد الأمن الداخلي للدولة. ولعل ما يُعرف اليوم بالهجمات السبيرانية هو من أحدث تقنيات الحرب الإلكترونية التي تجند لها الدول إمكانيات هائلة وتسخر لها طاقاتها من العلماء والمهندسين والمبرمجين...إلخ.
أما الحرب إذا قيست بالمعايير الأخلاقية أو المقاصد فهي إما:
-حرب عادلة: وهي كل حرب تعلن نفسها من أجل أهداف أو غايات مبررة أخلاقيا، كالدفاع عن النفس، ومقاومة الاحتلال والاستعمار، أي أنها حرب الضعيف ضد القوي، وهي تستمد مشروعيتها من الأهداف المحددة لها كحرب دفاعية أو مقاومة أو حركة تحرير. غير أن مفهوم الحرب العادلة بشمل جوانب أخرى معقدة، وهي ما ستنقف عنده في القوس السادس والأخير من هذه الورقة.
-حرب جائرة أو غير عادلة: لعل الحرب بالنسبة للبعض ليست عادلة بالمطلق، سواء اتفقنا أم لم نتفق حول أهداف معينة من أجلها نخوض الحرب، ذلك أن إعلان الحرب في حد ذاته فعل منافي لكل عدالة. لكن يوجد من يقيس لا عدالة الحرب بطبيعة الأهداف التي يسعى نحوها المحاربون، مثل الاحتلال أو الاستعمار، حيث هناك اقتناع واسع بأن الحروب الاستعمارية والامبريالية الحديثة والمعاصرة هي حروب غير عادلة ولا يمكن تبريرها أخلاقيا.
أما من حيث توازن القوة أو توازي الإمكانيات الحربية، فالحرب إما:
-حربا متوازنة أو تماثلية: وهي الحرب التي تجري بين طرف أو أطراف متكافئة تقريبا من حيث القوة أو الأساليب الحربية والوسائل العسكرية، مثل الحرب بين الجيوش النظامية التي تستعمل نفس الوسائل، كالدبابات والطائرات أو الغواصات أو غيرها من الأسلحة.
-أو حربا غير متوازنة أو لا تماثلية: وهي حرب غير تقليدية من حيث سماتها الأساسية وأساليبها، والنموذج الذي تطور في الزمن المعاصر حيث تكون المواجهة بين طرفين غير متكافئين من حيث القوة، وغير متماثلين من حيث العدة العسكرية أو أنواع السلاح، وهو ما يسري على الحروب بين الدول والجماعات الثورية المسلحة أو الحركات الإرهابية. وقد برزت التسمية إلى السطح مع أحداث شتنبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية.
وفي حالة نظرنا إلى الحرب على أساس الموقف الإيديولوجي فسنجد من يصنف الحروب على أساس أنها إما:
-حرب ثورية: وتتخذ أشكالاً واتجاهات مختلفة بحسب الأهداف والمقاصد والأساليب، وتتميز الحروب الثورية بقدرتها الخارقة على تعبئة أوسع الطبقات الفئات في الصراع والمواجهات، كما تتميز بأنها حالة من التعبئة المستمرة للقوى المناهضة للوضع القائم والظلم الواقع، ومن ثم غالبا ما تكون مشحونة بجرعات كبيرة من الأمل والتفاؤل وروح التضحية والحماس، بل وقد تجنح في حالات معينة إلى التعصب والتشدد وعدم الرحمة في مواجهة العدو أو الخصوم، أو تنقلب حتى على الذين أطلقوها ونظروا لها في مرحلة معينة، كما حدث مع الثورة الفرنسية والثورة الروسية. والحرب الثورية قد تطول إذا ما تطلبت تحضيرات دقيقة وإشراك واسع للناس في نشاطاتها، مثلما قد تستغرق وقتا قصيرا إذا ما حدثت بصورة عفوية واندفاعة فجائية تباغت النظام المسيطر وتُربكه.
-أو حرب رجعية: وهي على النقيض التام للحرب الثورية من منظور إيديولوجي تقدمي، مع أن المضمون الإيديولوجي للحرب الثورية قد يصير رجعيا حين تتغير التشكيلة الاجتماعية -الاقتصادية التي تجري في إطارها الحرب. فمثلا كانت الحرب الثورية إبان الثورة الفرنسية من طبيعة تقدمية في مواجهة النظام القديم (الفيودالي / الملكي)، لكن مضمونها البرجوازي صار فيما بعد رجعيا مع اكتمال تشكل النظام الاقتصادي-الاجتماعي الجديد وظهور نقيض البرجوازية المسيطرة، وهو الطبقة العاملة وتبلور إيديولوجيا ثورية جديدة ألهمت الصراعات الطبقية في الواقع التاريخي الجديد. لكن المفارقة في هذا الباب هو أن الثوريين المعاصرين(الشيوعيين والماركسيين) يعتبرون أن أي حرب تقودها الطبقات القديمة في شكل مموه للإطاحة بنظام تقدمي، أو سلطة توصف بأنها ثورية، هي في حقيقتها حرب رجعية لأنها تهدف إلى العودة إلى الوضع ما قبل الثورة أو النظام الجديد الذي حل مكان النظام القديم الذي كانت فيه البرجوازية، مع حلفائها من بقايا الاقطاع وأشباه الاقطاع، هي المسيطرة فيه على السلطة، بينما لم تنجح هذه الأخيرة في وصف الثورات الشيوعية والاشتراكية بأنها رجعية، أو استخدام هذا الحكم للنيل من مصداقيتها وقوتها الشعبية.
-حرب إرهابية: ويتعلق الأمر بحرب غير تقليدية تُخاض بوسائل وأساليب متنوعة وغير مماثلة للطرف النقيض(العدو) في المواجهة، وهي بالأساس حرب غير متماثلة أو غير متكافئة من حيث القدرات والتنظيم العسكري والأساليب الحربية. فالحرب الإرهابية تخوضها في الغالب مجموعات قتالية غير خاضعة لنظام موحد أو بناء هرمي أو تسلسل قيادي مشابه للجيوش النظامية، وبالتالي لا تستخدم أسلحة محددة. وتختلف الحرب الإرهابية عن الحروب الثورية أو التحررية بأنها تستهدف ليس فقط القوات النظامية في المواجهة، بل وتضرب حتى الأهداف المدنية وتنشر الرعب وتنتج أسلوب الترويع والترهيب لإرغام الطرف الآخر / العدو على التفاوض أو التنازل عن أشياء محددة لتجنّب الضحايا من السكان غير المنخرطين في الصراع المسلح، فضلا عن أنها حرب قد تكون رجعية من حيث الأهداف المعلنة، أو أن قياداتها عميلة لجهات أجنبية تعمل من أجل تحقيق أهدافها المشبوهة في صراع مقنع بأردية دينية أو عرقية أو ما شابه ذلك.
-أو حرب مكافحة للإرهاب: وهي حرب تخوضها دول أو أنظمة قائمة ضد جماعات مسلحة متخفية تنشط في السرية وتستعد للقيام بعمليات مسلحة أو تفجيرات من بعد أو هجمات انتحارية، أو في مواجهة مجموعات قتالية غير نظامية تتحرك في سرية وبأماكن بعيدة حيث يتمركز مقاتلوها استعدادا لتنفيذ العمليات الإرهابية. لكن ينبغي الحذر من أنه في بعض الحالات يتم وصف أنشطة الأجهزة القمعية بأنها مندرجة ضمن ما يعرف بمكافحة الإرهاب حين يراد منها تشويه المعارضة القوية المنظمة أو قتال حركات ثورية مسلحة لا يعرف عنها رسميا بأنها تلجأ لأسلوب الإرهاب أو ترويع المدنيين أو أي نشاطات مصنفة في حانة العمل الإرهابي.
وإذا نظرنا إلى الحرب من حيث مبدأ الفعالية أو العقيدة العسكرية، سنجد أنها عادة ما تتخذ إما شكل:
-حرب هجومية: وهي الحرب التي تشنها دولة ضد دولة أخرى أو ضد مجموعة دول أو جماعات مسلحة أو غير مسلحة بغاية تحقيق أهداف مسطرة عسكرية أو سياسية، أو من أجل إحباط مخطط أو هجوم ضدها في طور التحضير، أو لتدمير البنيات والمنشآت العسكرية للعدو لشله ودفعه إلى الزاوية ومنعه من الهجوم. ومن هنا شاع القول بأن الهجوم أفضل وسيلة للدفاع.
-حرب دفاعية: وهي كذلك عقيدة عسكرية تعتمد التخطيط لوضعيات قتالية مناسبة لصد هجوم الأعداء، سواء كان من الجو أو البحر أو البر، باستخدام الوسائل والمعدات العسكرية والتحركات المناسبة للدفاع، من تحصينات وتمركز بالمواقع التي تساعد على الرؤية أو التخفي أو التضليل. وفي المجال غير العسكري يمكن أن تشمل الحرب الدفاعية مقاطعة البضائع(اقتصادية) أو الترافع لدى الهيئات الدولية من خلال قنوات مدنية وغيرها (قانونية).
-حرب المواقع: وترجع التسمية المعاصرة إلى الإستراتيجية التي كان قد وضع أسسها القائد الشيوعي الإيطالي انطونيو غرامشي، وهي تعني في شكلها المبسط اعتماد تكتيكات وتحركات ميدانية تتيح الوصول إلى أصغر نقطة في حقل الصراع (قرية، مصنع...)، ومن ثم تحرير الطاقات الكامنة لدى الطبقات الشعبية، وفي مقدمتها البروليتاريا، بهدف تحقيق الهيمنة الإيديولوجية أو الثقافية، ومن ثم تعبيد الطريق نحو الاستيلاء على السلطة السياسية بوسائل سلمية. وتستلهم العديد من الحركات الثورية المعاصرة استراتيجية حرب المواقع حين لا تختار أسلوب الكفاح المسلح أو العنف الثوري.
(يتبع)

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا