- بغداد - قطرة فى بحر العذاب

شريف حتاتة
2022 / 5 / 17


----------------------------------------------
العراق .. بغداد.. اسمان لهما في قلوبنا رنين .. وفي التاريخ. الاكتشاف الأول لحروف الكتابة. قانون حامورابي والمبادئ الأولى للعدالة الِسن بالِسن والعين بالعين.سـومـر وبين النهرين. ازدهار العلوم والآداب والفلسفة في بداية عهد العباسيين. النضال ضد الاستعمار القديم والجديد لشعب عظيم.
لكن منذ حرب الخليج ، وضعت وسائل الإعلام العالمي والمحلي عليهما ستارا من الصمت. نفتهما من الخريطة. لغتهما من الوجود حتى لا يتسرب إلينا شئ عـمـا يـحـدث هناك. حـتى لا نعرف المأساة التي يتعرض لهـا اثنان وعشرون مليونا من الرجال والنساء والأطفال. ففي عصرنا هذا أصبح الإعلام سلاحا من أسلحة الإبادة أو الإحياء حسب ما تريد القوى المتحكمة فيه .
عدت من أيام مع الوفد الشعبي المصري من بغداد. لم اذهب إلى بغداد أيام المهرجانات، أيام الرفاهية والحفلات والهدايا والجوائز ُتغدق على منْ يمتدح النظام، أو يصمت على ما كان يحدث فيه. لكنني ذهبت إليها في الأيام الأخيرة لسنة 1997. أردنا أن نحتفل أنا واثنان وعشرون من النساء والرجال بأعياد السنة الجديدة على نحو يختلف عن المعتاد، أن نتضامن مع شعب يعاني الموت البطئ منذ سنوات .
ترددت طويلا قبل أن أكتب هذه اليوميات، أحسست بأن قلمي عاجز عن وصف المأساة التي رأيتها في عيون وأجسام الأطفال، في دموع الكبرياء، فى حرارة الاستقبال ، عاجز عن وصف الخجل الذى لازمنى هناك . فما قام به أعضاء الوفد رغم كل ما تحملوه من جهد وإرهاق ، لم يكن سوى قطرة فى بحر العذاب يسبح فيه شعب العراق .
مع ذلك راق لمجموعة من السينمائيين من أعضاء الوفد أن يحولوا هذا العمل المتواضع ، الى تظاهرة إعلامية لمصلحتهم ومصلحة مشروع لم يتم الاتفاق عليه قبل السفر ليـواجـهـونا به کأمر واقع . تظاهرة إعلامية أخفت حقيقة الجـهـد الطويل الذي بذلته جمعية تضامن المرأة العربية برئاسة نوال السعداوى ، ونقابة الصيادلة وغيرهما من الهيئات، اخفت إسهام العديد من الشخصيات العامة بأموالهم ووقتهم وعملهم حتى يسافر هذا الوفد إلى العراق وتستمر حملة التوقيعات ، بدأت منذ شهر يوليو سنه ، ۱۹۹۷ وحتى يرتفع صوتنا عاليا أمام العالم صارخا ، لا لاغتيال شعب وأطفال العراق.
وأنا لا أقول أن الإعلام ليس مهما، ولا أن سفر هذا الوفد لم يؤت بالنتائج المرجوة له . فقد كان له صدى عالمي ومحلى واسع لصالح شعب العراق، ولصالح قضية التضامن العربي الشعبي رغم أنه لم يكن أول وفد أو بعثة نسافر إلى العراق. لكن ما أقوله هو أن بعض التصرفات الفردية أضرت بالعمل الجماعي الذي نريد له أن يستمر. فالعمل الجماعي الشعبي هو الأساس الذي يمكن أن نخرج به من الأزمة العربية الطاحنة التي نعاني منها .
إن وجود بعض الشخصيات المعروفة في هذا العمل أضاف إليه، ولا مانع من إبرازهم في بعض الأوقات، ولا مانع من قـيامهم ببعض المبادرات الخاصة بهم . ولكن الاتفاق عليـهـا كـان مـهـمـا حـفـاظا على وحدة العمل والاستفادة القصوى من كل إمكانياتنا، وكان من الممكن أن تتم هذه المبادرة في بعثة منفصلة تقوم خصيصا لخدمة مشروعهم.
وصلنا إلى بغداد قرب الساعة الخامسة بعد ظهر يوم ۲۸ ديسمبر بعد رحلة
طويلة ، دامت أكثر من خمس عشر ساعة فى الأتوبيس على الطريق الإسفلتى يشق الصحراء من عمان إلى بغداد . منذ اللحظة التى وصلنا فيها لم تتوقف اللقاءات. لكن ربما مـا يهمني اكثر في الزيارات التي قمنا بها ، هي تلك الأعماق ، لأن دلالتها تفوق أحيانا ما يتلى أو يقال في الاجتماعات . الأشياء الصغيرة التي تلتقطها العين والأذن، وتلك الأحاسيس المدفونة .
في اليوم الأول لزيارتنا ، جاءت جلستي في بهو الفندق مصادفة إلى جوار رجل قام إلى الاستقبال ليسأل عن شئ ثم عاد . لمحته وهو يقترب ، طويل القامة أصلع الرأس قليلا، ثاقب النظرات ، فعرفته رغم السنوات التي مرت منذ آخر لقاء. كان يعمل سفيرا للعراق في إحدى الدول الأوربية والتقينا فى معرض الكتاب .
كان أمامي ساعة قبل موعد العشاء فأخذت أتحدث معه .. عرفت منه أنه قبل الحصار كان الدينار العراقي يساوى ثلاثة دولارات وان الدولار الآن يساوى 1500 دينار. اسمعه يقول في كلمات بدا عليه أنه ينطقها بصعوبة : " نحن أسرة من خمسة أفراد زوجـتي وولدين وبنت. مرتبي يعادل خمسة دولارات في الـشـهـر وكيلو اللحم يباع الآن في العراق بأربعـة دولارات. البيض والجبن واللبن واللحم لم نعد نراها على مائدة طعامنا. ومنْ هم دونی في المستوى الاقتصادي يكتفون في أغلب الأيام بوجبتين ، وأحيانا وجبة واحدة في اليوم بدلا من ثلاث " .
في اليوم التالي صعدت سلالم المستشفى الضخم. العنابر مكتظة بالأطفال ينامون على أسرتهم ، عيون سوداء كبيرة تطل من الوجوه الضامرة كأنها لا ترى شيئا. أجساد هي جلد على عظم، وبطون منتفخة اسفل الضلوع ، أستطيع أن أعدها بالنظر دون أنألمسها . ومن حولنا أسمع صوت الكاميرات تك.. تك ، وتتفجر الفلاشات بضوئها المميز فأغلق عيونى . لمحت طبيبا شابا يتطلع إلى المشهد في صمت. اقتربت منه قلت: " تذكرني بأيام بعيدة عندما كنت طبيبا مقيما في مستشفى قصر العيني ". سألته: " هذا المستشفى العصري الفخم هل يسد في ظل الحصار ؟ ". قال : " نسبة الإشغال للأسرة غير كاملة ، لأن الأدوية والمستلزمات الطبية والأجهزة غير موجودة حتى نشغله بكامل طاقته . أغلب العمليات تتم بدون بنج. ليست لدينا أبر للحقن أو خيوط أو سلك. الأجهزة معطلة لأننا نحتاج إلى قطع غيار لا سبيل للحصول عليها. ينهار الأطفال والكبار بسبب الهزال وضعف المقاومة ويُقضى عليهم في كثير من الأحيان. أعطى للمرضى كلمات مشجعة فحسب. أدعوهم إلى الصبر. يضحك في مرارة ، أحيانا أكره المهنة التي أمارسها . ولكن في النهاية أقـول لنفسي الأفضل أن أظل معهم ولا أتركهم ".
وقفت في ركن منزو من العنبر. على السرير لمحت صبيا نائما على جنبه يتنفس بصعوبة. في وجهه شحوب أبيض يقترب من لون الجبس، وزرقة في الشفتين والقدمين وأصابع اليد. امرأة تقف إلى جواره وتنظر إليه وكأنها استسملت للأمر الواقع ، ولم تعد قادرة على قول أو فعل شئ. في وجهها جمود اليأس وصل إلى آخره ، وعند الجدار على مقربة منها رجل مربع الجسد، مفتول العضلات، عارى الرأس تطل عنياه الخضراوان من الوجه سألته :
" أهذا ابنك ؟ ".
قال: " نعم" .
" وما الذي يعاني منه ؟ ".
" التهاب في الصدر يحتاج إلى مضاد حيوى ، نفذ ما كان موجودا منه . سيموت مثل غيره. رأيناهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة أمامنا ".
ثم بكى. أحسست بغصة في الحلق. ما أصعب أن ترى رجلا مثل الأسد يبكي أمامك كالأطفال. مددت يدى إلى ذراعه وضغطت عليه ، ثم خطوت مسرعا في الممر مبتعدا عنه.
جلسنا حـول منضدة الاجتماعات في مكتب وزير الصحة . حضرنا إليه لنسلمه الأدوية التي أحضرناها معنا. كانت حصيلة تبرعات نقابة الصيادلة وعدد آخر من الذين ساهموا بأموالهم. تولى تجميعها وشحنها " د. سيف الله إمام " الأمين العام المساعد لنقابة صيادلة مصر ، وهو رجل سعدت بمعرفته في هذا الوفد بسبب جهوده وشخصيته.
أثبت لي مرة أخرى ، أن حسن الخلق والشعور بالمسئولية قادران على بناء أواصر التعاون ، رغم الانتماء إلى تيارات سياسية تختلف فيما بينها . على رأس المنضدة جلس وزير الصحة. لاحظت فيه وفي الذين التقيتهم أثناء جولاتنا ، أن المحنة أنضجتهم، فالحياة في عراق اليوم تفرض عليهم مواجهة الحقائق والتفكير المتزن في أمورها. لم تعد هناك مسافة للحسابات الخاطئة ، ولا فائض يمكن تبذيره.
سألته :
" بعد اتفاق النفط مقابل الغذاء يبدو للكثيرين أن الحصار أخذ يتلاشى عن العراق ". قال:
" هذا هو الظاهر، أما الواقع غير ذلك، فهناك عمليات تعطيل في كل خطوة نخطوها للحصول على احتياجاتنا. في كل بند مناقشات لا تنتهي وعراقيل مصطنعة وحجج للتأجيل أو الشطب. سلسلة يومية من المناورات الصغيرة والاستفزازات التي تحول دون تنفيذه. في هذه الأيام مثلا تتم المناقشة حول الدفعات الجديدة من احتياجاتنا ، بينما الدفعات الخاصة بالسنة السابقة لم تصلنا بعد ولم تستنفذ حتى الآن. وهذه المماطلة والتأجيل المستمران يبقيان على الحصار حول رقابنا ، ولا أحد يعلم ما يحدث لنا بسبب التعتيم الإعلامي المفروض علينا ".
ذهبنا لزيارة المدارس. تخت منهارة يجلس عليها ثلاثة أطفال إلى جوار بعضهم ، أو يجلسون على الأرض . لا كراريس ولا كتب ولا أفلام . عندما قمنا بتوزيع بعضا منها عليهم ، رأينا العيون تبرق . قال لنا أحد المدرسين الذين قابلناهم :
" إذا أردت أن تقضى على شعب اقض على عقول أطفاله " .
فى المساء دعونا إلى حفل في مسرح الرشيدية . شاهدنا مسرحية اسمها الحب الأعلي . وفي الليلة التالية عرضا شارك فيه عدد من الشباب والشابات ، أطلقوا عليه عرض الأزياء. هذا العرض كان يحكي تاريخ العراق ، عن طريق الموسيقى والرقص والأزياء المختلفة. بهرنا بالمستوى الرفيع للمسرحية والعرض، بالجمال والفن في الحركات والأجسام تختال فوق الأرض. سألت المشرفة على عرض الأزياء:
" كل هذا الجهد وأنتم محاصرون لا تجدون حتى لقمة العيش؟ ". قالت:
" طالما أن هناك ثقافة وفنا ، فهذا يعني أن الشعب روحه لم تمت بعد ".
لكن في كل يوم يموت مئات من الكبار والأطفال في العراق . في السيارة وأنا عائد أعدت قراءة بعض الإحصائيات التي حصلت عليها تمهيدا لهذه الرحلة، إحصائيات تؤكد بشاعة الجريمة التي ترتكب ضد شعب ، بتدبير بارد خال من كل ذرة من الإنسانية أو الإشفاق.
في سنة 1989 كان عدد وفيات الأطفال تحت سن الخمس سنوات ۷۱۱۰ ،
وفي سنة 1996 وصل إلى ٥٦٩٩٧، أما الكبار فقد زاد الرقم في الفترة نفسها من ٢٠٢٢٤ إلى ٨٣٢٨٤ ليصبح أجمالي عدد الوفيات من سنة 1990 إلى سنة 1996 903674 ، منهم 347649 من الأطفال ، تحت سن الخمس سنوات ، و556035 فوق هذه السن. والجريمة مستمرة .
قال لي السائق وهو يودعني في عمان: " حضرت إلينا وفود كثيرة من قبل. أخذناهم في كل مكان ، شاهدوا أكثر مما شاهدتموه ، ثم سافروا الى بلادهم ، ولم نسمع عنهم أيا شئ .
غدا سأذهب لحضور اجتماع الوفد الشعبي العائد من بغداد. ترى هل سيستمر هذا العمل ويمتد ليدعم التضامن الشعبي العربي ، أم سيتوقف عند هذا الحد ، لننسي مرة أخرى أننا مهددون جميعا فى المنطقة العربية ، بأنواع ودرجات مختلفة من الحصار تفرضه علينا أمريكا وإسرائيل وقوى أخرى متعاونة معهما ؟ .
هل سننسي أن العمل الشعبى والتضامن بين الشعوب العربية ، هو طريق الخروج من الأزمة مهما كانت الصعوبة التى تواجههما ، ومهما كان طول المشوار ؟ .
إن الحكومات والحكام ، لهم حساباتهم البعيدة عن مصالح شعوبهم . وهذا ما يجب أن يظل نصب أعيننا دائما .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان