-بدايات الإسلام، معالم لقصة جديدة-

جدو جبريل
2022 / 5 / 16

كتاب "فرانسواز ميشو"
محور : الكتب
____________________________________
ملحوظة لا مناص منها أراد من أراد وكره من كره
كثيرة هي الأبحاث، خاصة باللغة الإنجليزية والألمانية تعنى بتجديد رؤية الإسلام في بداياته. وغالبًا ما يتعذر الوصول إلى هذا الأبحاث، حاصة بالنسبة للقارئ غير المتخصص وغير الناطق بالإنجليزية والألمانية ، حيث لم تتم ترجمتها إلى العربية. على سبيل المثال ، لا تزال أعمال "جون وانسبرو" غير متاحة باللغة الفرنسية. وكذلك الأمر بالنسبة ل "باتريشيا كرون" و"مايكل كوك" وغيرهم كثر، إذ هذا ليس سوى غيض من فيض. علما أن أكثر الأبحاث ابتكارًا يجب الاطلاع عليها في المجلات والدوريات المتخصصة، والتي نادرا جدا ما يعرف بعضها طريقة إلى الترجمة بالعربية. ولعل هذا ما يجعل العلماء والفقهاء المسلمون خارج هذه الدائرة كليا رغم أن الأمر يهمهم في الصميم إذ يرتبط بدينهم وعقيدتهم وعلومهم وتفسيراتهم وتبريراتهم للأمور الغامضة في السردية والموروث الإسلاميين. وهذا أمر مؤسف للغاية حقا، بل ومحرج جدا باعتبار أنه يوشي بأن هؤلاء لا يهتمون بهذا الأمر رغم أن أغلب تلك الأبحاث تضربهم في مقتل، لكنهم يفضلون التعامل معها بمنطق النعامة ( الأمور بخير ولا جديد تحت السماء وما في حوزتنا منذ عدة قرون خلت يكفينا وزيادة) .

" بدايات الإسلام، معالم لقصة جديدة" هو عنوان كتاب الباحثة "فرانسواز ميشو" والصادر سنة 2012
يتألف هذا الكتاب من ثمانية فصول، وما يهمنا هي الفصول السبعة الأولى، وهذا لأن الفصل الثامن اختص بالتحديد بتاريخ سوريا.

يتناول الفصل الأول مسألة أصول التأريخ الإسلامي. ويعرض بشكل أساسي أطروحات "فريد دونر" - Fred Donner - و"جريجور شويلر" - Gregor Schoeler – و"أنطوان بوروت" - Antoine Borrut – دون غيرهم دون أن توضح الباحثة سبب اقتصارها على هؤلاء.
ففرضية "فريد دونر" تقول : إن تدوين التاريخ الإسلامي خدمت "أغراض منح الشرعية ، في سياق المناقشات اللاهوتية والصراعات السياسية" (ص 31). لا محالة أن هذا المؤلف محق بلا شك ، إلا أن فرضيته تظل غير كافية ، لأن كتابة التاريخ ، أول ما تتطلب، تتطلب الوعي بالذات - وعي تكوين "كائن واحد". ويتجلى هذا الوعي في وحدة "السردية" – "السردية الجماعية" / "السردية الجماعية"- في المكان والزمان، وتسمح كتابة ( أو تدوين) التاريخ بنشر تلك السردية على المستوى المثالي من الأصول. لذلك لكي يكون هناك تدوين للتاريخ، يجب أولا أن يتم تشكيل مجتمع المؤمنين كـ "موضوع جماعي". لذلك يبقى السؤال الحاسم الذي لم يجب عليه الكتاب ولا الموروث الإسلامي وهو: متى تشكلت الجماعة الإسلامية نفسها كذات في حد ذاتها؟ قد يبدو كأنه سؤال ثانوي ولكنه حاسم، لأنه يتبعه تساؤل آخر وهو: ما هي الوسائل التي جعلت من الممكن إنشاء هذا "الموضوع الجماعي"؟ فلا يمكن اختزال الأمر في ممارسة الكتابة التأريخية ، التي هي بلا شك مجرد مظهر من مظاهر العملية ، وليس محركها الدافع.

واستكمالا للفصل الأول، يتناول الفصل الثاني بشكل أكثر تحديدًا "الهوية العربية" قبل الإسلام، في علاقتها بمسألة اللغة والكتابة العربية في بالجزيرة العربية. وقد اعتمدت الباحثة "فرانسواز ميشو" بشكل شبه حصري على أعمال "كريستيان روبن" - Christian Robin - والتي تركز في الغالب على جنوب شبه الجزيرة العربية واليمن القديم. وفقًا لما خلص إليه "كريستيان روبن"- "تظهر النقوش العربية الجنوبية أنه في اليمن قبل الإسلام ، إن تأسيس مجموعات ذات أهمية معينة لم يكن على أساس رباط قرابة ، بل على أساس عبادة مشتركة ، تبجيل نفس الآلهة "- تخلص "فرانسواز ميشو" إلى نفي أي دور في القرابة ، معتمدة بشكل حصري على البيانات المستعارة من الحالة اليمنية: ". وهذا دون الأخذ بعين الاعتبار نتائج الأبحاث المتعلقة بدراسة أصل وتاريخ الأسماء الشخصية العربية- Arabic anthroponymy. إذ تشير الأسماء الظاهرة - théophores- مثل "عبد شمس" و"عبد دار" مثلا إلى آلهة الوصاية، والتي حظرها الإسلام الناشئ. كما أنه لا يستبعد أن تكون الإشارة إلى إله العائلة أو مجموعة أكبر تعني أن العبادة الواجبة لهذا الإله يمكن أن تكون قائمة على القرابة.

واهتم الفصل الثالث بسيرة الرسول. للوهلة الأولى يؤاخذ على الباحثة "فرانسواز ميشو" فصل مسألة السيرة عن مسألة السنة. إذ كان من المفروض فحصهما معا وليس بالتوازي. علما أن "برافمان"- M. M. Bravman- سبق له، منذ سنوات، أعتبر أن السيرة والسنة كانا سبه مترادفين في الفترة الأولى للإسلام – في كتابه "الخلفية الروحية للإسلام المبكر. دراسات في المفاهيم العربية القديمة" - 1972 -. فالسيرة،، إن لفظة "سيرة" قبل أن تكتسب المعنى السائد اليوم "حياة الرسول"، كانت تشير، كانت تشير لغويا إلى "السلوك". فالسيرة ، حتى في الفترة المبكرة ، لم تكن تميز بين "قصة الحياة" عن البعد التوجيهي و بعد سير القديسين.

وحاولت الباحثة "فرانسواز ميشو"، في الفصل الرابع، تلخيص البحوث العديدة بخصوص القرآن والمخطوطات، ومنها مخطوطات صنعاء – قد يعود بعضها إلى نهاية القرن السابع الميلادي- وبالتالي إثارة التساؤل بشكل جدي بخصوص القرآن. ومنها تبلور الشكل النهائي للقرآن في وقت متأخر ، وهي الأطروحة التي دافع عنها بجرأة "جون وانسبرو" - John Wansbrough.
ومن بين الفرضيات الأخرى، فرضية أن القرآن أقتبس من "كتاب القراءات" باللغة السريانية. هو كتاب يستخدم في الليتورجيا ويحتوي على أجزاء من الكتاب المقدس. وهذا قد يفسر الإشارات المتقطعة – الحروف المتقطعة- الواردة في المصحف. وقد ذهب "كريستوف لوكسنبرغ" (1)- Christoph Luxenberg - أبعد من ذلك بكثير، إذ أقر أن لغة كتابة القرآن هي لغة سريانية - آرامية. ولهذا وجب الرجوع إليها لفهم المقاطع الغامضة في القرآن.
(1) اسم مستعار لباحث مشرقي

وعالج الفصل الخامس إشكالية: كيف يمكن تفسير ظهور "إمبراطورية" إسلامية في القرن السابع؟ ورأى أنها نتيجة لظهور دين جديد. في حين اعتبرها يريد آخرون مجرد ظاهرة اجتماعية- سياسية بحتة. وحتى وإن لم يكن ممكنا اختزال انتشار الإسلام في عدد قليل من الآيات القرآنية، تظل حقيقة قائمة وهي أن الدين لعب دورًا رئيسيًا ومحوريا في هذه الظاهرة. إلا أن النجاح السريع للفاتحين يظل لغزا.

واهتم الفصل السادس بـ "تاريخ الخلفاء". يعتقد "الطيب الحبري" أن "السردية الرسمية" لتاريخ الخلفاء الأربعة الأوائل هي بناء أدبي بحت ، لا يرتكز على أساس تاريخي. ومع ذلك ، فإن "سردية سريانية" مجهولة المصدر (775م) لا تؤكد هذه الفرضية المتطرفة. واستكمل الفصل السابع الفصل السادس. إذ جاء فيه أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كان له دور أهم بكثير مما تقر به السردية والموروث الإسلاميين. في عهده تم إنشاء "المصحف القانوني" – الذي بين أيدينا اليوم - وانتشرت صيغة "بسم الله محمد رسول الله". وظهرت على العملات المعدنية (691-697م) صيغة الشهادة، وأيضا ر اقتباسات القرآنية على العملات الفضية. ومن نتائج عدد من الأبحاث أن اسم "محمد" ظهر فقط في البرديات والنقوش و العملات في أواخر القرن السابع الميلادي.
وبناء على ذلك برزت فرضيات منها بعض الباحثين - "جون وانسبرو"، "كرون" ، "كوك"- استنتجوا "التأريخ اللاحق لميلاد الإسلام. اقترح آخرون – "دونر" Donner ، "هويلاند" Hoyland) ، استنجوا حصول تحول للدين "البدائي" ( الأصلي) ، والذي لا يزال من الصعب تحديده في الوقت الحالي.

لم يتطرق الكتاب لعلم الكلام أو العلوم الفقهية أو الصوفية. ولم يهتم بإشكالية اللغة العربية وكتابتها، كما لم يعنى بالجدل بخصوص الحديث.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت