الكتاب الخامس _ الفصل الثالث تكملة

حسين عجيب
2022 / 5 / 13

مقارنة بين فكرة الله وفكرة الزمن _ تكملة الفصل الثالث

1
البعض يؤمن بوجود إله ، والبعض الآخر لا يؤمن .
ما الفرق بين النوعين ؟
يوجد معيار موضوعي ، كالصدق مثلا ، لقياس الايمان أو درجة الثقة في فكرة أو موضوع معين .
المؤمنون في بلاد تحكمها نظم دينية ، بعضهم يكونوا مدفوعين بغريزة القطيع والخوف والطمع ، وغيرها ، بالإضافة إلى القفزة المزدوجة بين الثقة والطيش ، والتي نخبرها جميعا مع التقدم في العمر .
بينما يتضح العكس أكثر ، في البلاد التي تحكمها نظم تحارب الدين ، كالشيوعية مثلا ، حيث يكون كل شخص متدين صادقا بصورة عامة .
والموقف العكسي بالنسبة لرفض الدين ، حيث كان يتوجب على الشخص الملحد أن يثبت ولائه للنظرية الشيوعية ( وللزعيم خاصة ) كبديل للدين والله .
....
لا أريد الخوض في مسألة الاعتقاد الديني ، الخاص بالأديان والمذاهب وشخصيات الأنبياء ورجال الدين موضع تقديس أتباعهم ، بل يقتصر بحثي على المستوى الفكري _ المنطقي والفلسفي _ والموقف العقلي المشترك .
2
ما هو المستقبل ؟
ما هو التصور الصحيح ، المشترك والمنطقي ، لفكرة الله ؟
....
المستقبل هو الغد وما بعده ، بالإضافة إلى أكثر من نصف اتجاه اللحظة الآنية . ( اللحظة الآنية مزدوجة الاتجاه بطبيعتها ، حيث يتقدم الفاعل والحياة من الحاضر إلى المستقبل _ وبالتزامن يحدث العكس بالنسبة للحظة الزمن والحدث ، التي تتراجع إلى الماضي ) .
المستقبل والمطلق والله واحد ، يتعذر الفصل المنطقي بين المفاهيم ( الأفكار ) الثلاثة الكلاسيكية .
3
خلال السنوات العشر السابقة ، اعتدت طرح سؤال على المقربين جدا :
من عشرة ، كم تضع _ين نسبة ايمانك بالله ، أو العكس ؟
أغلب الأصدقاء ، الذكور ، يرفضون الجواب .
وأما الصديقات ، فكانت الأجوبة ضمن ثلاث فئات :
1 _ أكثر من تسعة من عشرة أؤمن بوجود إله .
2 _ أقل من واحد من عشرة اؤمن بوجود إله .
3 _ صديقة واحدة فقط ، وضعت نصف أو خمسة من عشرة .
....
أعتقد أن مسألة الايمان ، أو القفزة المزدوجة بين الثقة والطيش ، تتعلق بالشخصية المتكاملة للفرد .
4
مثال تطبيقي موروث ، ومشترك :
يوجد خطأ في الثقافة العالمية ، لا العربية فقط ، يتمثل في اعتبار المصلحة الفردية أنانية بطبيعتها_ بحيث تقتصر على المصلحة المباشرة . وعلى التضاد مع المصلحة المشركة ، الاجتماعية أو الإنسانية أو الاثنتين معا .
....
هذه الفكرة تطورت عن موقفي ، أريك فروم والدلاي لاما ، بالإضافة إلى علوم النفس الحديثة _ خاصة العلاج المعرفي _ السلوكي .
أدعوك لتأمل أكثر من شخصية من بين معارفك الأقرب ، لكي يتكشف المثال بشكل واضح ، ودقيق ، وموضوعي :
المصلحة الفردية أو الأنانية والمباشرة ، هي على النقيض من المصلحة الاجتماعية والإنسانية للشخص نفسه بعد العاشرة .
لنحدد أكثر :
المصلحة المباشرة للفرد ( الأنانية والنرجسية ) ، هي على النقيض من المصلحة المتكاملة ( والإنسانية بطبيعتها ) .
مقارنة بين ياسر عرفات مثلا ، وبين محمود عباس ؟
( أو جورج حبش ، أو نايف حواتمة ، أو الدلاي لاما ، أو هتلر ، أو أي شخصية شهيرة ومؤثرة بصرف النظر عن الموقف الأخلاقي منها ) .
اخترت شخصيات شهيرة ، لتوضيح الفكرة وليس لأحكام قيمة .
5
فكرتي البسيطة ، هي على النقيض تماما من الموقف الثقافي السائد _ في مختلف اللغات _ الذي يوحد بين المصلحة الفردية والشخصية .
أنا أعتقد أن العكس هو الصحيح :
المصلحة المتكاملة لكل فرد إنساني بعد العاشرة ، نقيض مصلحته المباشرة ( النرجسية أو الأنانية أو الدغمائية ) .
بعبارة ثانية ،
المصلحة الفردية غدا ، بعد أقل من عشر ساعات ، تختلف عن المصلحة المباشرة لأي فرد ( أنت وأنا ) إلى درجة التناقض .
بينما المصلحة المتكاملة والإنسانية بطبيعتها ، تتضمن الذكاء العقلي والجسدي والعاطفي والاجتماعي والروحي .
هذه الفكرة ، تكملة مباشرة لفكرة أريك فروم حول حب النفس :
حبك لنفسك ، او كراهيتك لنفسك ، هي ضمن موقفك من الانسان .
أنت إما في موقف الحب للإنسان ، الذي تمثله أنت أيضا .
أو العكس ، أنت في موقف العجز عن الحب للإنسان وغيره ، وضمنهم أنت نفسك .
6
أشعر بالصدمة إلى اليوم ، من شيوع الأفكار الخطأ في الثقافة العالمية ، وضمنها العربية بالطبع . مثالها ، أيضا فكرة منقولة عن أريك فروم : الشخصية الأنانية تحب نفسها كثيرا .
يشرح أريك فروم ، ان العكس هو الصحيح :
الشخصية النرجسية أو الدغمائية أو الأنانية ، وكل شخصية عصابية او سيكوباتية ، لا تحب نفسها سوى قليلا جدا ، وفي حالة خاصة ( الربح والسيطرة على الآخر ، او الخضوع لدى المازوشيين ، وغيرها ) . وهذا ما يمكن ملاحظته بشكل مباشر ، حيث أن الشخصية العصابية ، تعجز عن العيش ( وحتى البقاء لوحدها عدة ساعات ) ، فهي لا تحب نفسها غالبا .
....
ما علاقة الحب ، والايمان ، والمصلحة الإنسانية بالزمن مثلا ؟
اهتمامي الأساسي بالصحة العقلية ، وهو مستمر منذ ثلاثة عقود .
وكانت النتيجة ، الصادمة لي أيضا ، اكتشاف العلاقة العكسية بين الحياة والزمن . نتيجة مناقشة فكرة " تغيير الماضي " .
7
العلاقة بين الماضي والمستقبل غريبة ، ولا أحد يعرفها .
للتذكير : يتساءل ستيفن هوكينغ : لماذا نتذكر الماضي ولا نتذكر المستقبل ؟
....
للتذكير أيضا ، أفصل دوما بين الشخص والتعبير .
وبرأيي أن السؤال سطحي ، وعديم القيمة والمعنى أيضا .
المستقبل لم يحدث بعد ، فكيف نتذكره .
بينما الماضي ، الشخصي خاصة ، حدث سابقا ويمكن استعادته بالتذكر .
....
أرجو أن يعذرني القارئ _ة المتابع ، وأن يتسع صبر القارئ _ة الجديد .
8
فكرة الله ، وفكرة الزمن تتقاربان إلى درجة المطابقة .
....
فكرة الزمن مستويين :
المستوى الأول مشكلة مزمنة ، هل الزمن فكرة أم له وجوده الفعلي ؟
ما تزال هذه المسألة معلقة منذ قرون .
المستوى الثاني ، الموقف الشخصي من الزمن غير مهم ، قبل حل المشكلة السابقة أو التفكير فيها لأكثر من مرة .
موقف ستيفن هوكينغ ، وقبله أينشتاين ، من الزمن سطحي ومتناقض .
( ناقشت ذلك سابقا ، وأكتفي بالتذكير ) .
من غير المعروف ، بالنسبة لي ، موقف ستيفن هوكينغ من فكرة الزمن ووجوده الموضوعي أم أنه مجرد عداد تمثله الساعة الحديثة بالفعل . بينما موقف أينشتاين متناقض بطبيعته ، ويشترك الاثنان في تأييد فكرة ( السفر في الزمن ، وهي نسخة عن فكرة عودة الشيخ إلى صباه ) كما أعتقد .
9
النصر الذاتي : عقلك صديقك الأول .
....
تحقيق التجانس بين العمر البيولوجي والعمر الفردي ، مهمة الانسان الأساسية ، والمشتركة .
عتبة النصر الذاتي ، وشرطه الثابت كما أعتقد .
الفجوة بين المثير والاستجابة ، تسمية ثانية للنصر الذاتي .
بالنسبة للحيوان والطفل _ة والمريض العقلي ، لا توجد الفجوة عادة .
خلال تقدم العمر الفردي ، تتوسع الفجوة بين المثير والاستجابة غالبا .
لا مشكلة في اتساع الفجوة ، سوى في حالة الكبت الشديد كحالة خاصة وشاذة . غير ذلك تمثل الفجوة ، ودرجة اتساعها علامة الصحة المتكاملة .
....

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين