ذكرى شهدائنا الأقباط في ليبيا

فاطمة ناعوت
2022 / 5 / 13

تحلُّ بعد يومين ذكرى عودة رفات شهدائنا الأقباط في مذبحة "سِرت" الليبية، إلى تراب أرضنا الطيبة، حتى تقرَّ جثامينُهم الطاهرةُ في حضن أمِّهم مصرَ. "ولا تَحسبَنّ الذين قُتلوا في سبيلِ الله أمواتًا، بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون”. واحدٌ وعشرون شريفًا من عمّال مصر تغرّبوا عن ديارهم وأهليهم ليسافروا إلى ليبيا، علّهم يعودون ببعض المال لتعليم أطفالهم ورعايتهم. لكنهم ما عادوا؛ بل صعدت أرواحُهم للسماء وهم أعزّاء رافعو الرأس لا يهابون الموت في سبيل الله والوطن. نحرت أعناقَهم يدُ داعش الخرقاءُ الخؤون في فبراير 2015، وعادت رُفاتهم إلى أرض الوطن في 15 مايو 2018. يوم استشهادهم أعلن الرئيسُ "عبد الفتاح السيسي" الحدادَ الرسميَّ في سماء مصر سبعةَ أيامٍ، وتوجه إلى الكاتدرائية لتقديم واجب العزاء في أرواح أبناء مصر الكريمة، ثم عاد من فوره ليتابع بنفسه العمليات العسكرية الجوية المصرية التي دمرّت عددًا من معسكرات ومناطق تمركز وتدريب داعش ومخازن أسلحتها وذخائرها في ليبيا، ثأرًا لأرواح شهداء مصر. وتردد في أرجاء مصرَ بيانٌ شديدُ اللهجة من القيادة العامة للقوات المسلحة بتاريخ 16 فبراير 2015، أعلن إتمامَ القصاص للشهداء، ويحملُ إنذارًا مخيفًا ووعيدًا لجميع التنظيمات الإرهابية التي تستهدفُ الأرواح المصرية داخل مصر وخارجها. ومازالت كلماتُ البيان محفورةً في ذاكرتي: (تؤكد القواتُ المسلحة المصرية أن الثأرَ للدماء المصرية حقٌّ واجبُ النفاذ. وليعلمِ القاصي والداني أن للمصرين درعًا يحمي ويصون أمنَ البلاد، وسيفًا يبترُ يدَ الإرهاب والتطرف.) بيانٌ عسكري سياديّ عظيمٌ أشعرنا نحن المصريين بالأمان، إذْ يُظلِّلنا جيشٌ جسورٌ يحمي حدود الوطن، ويذود عن أرواحنا داخل الوطن وخارجه، ولا يسامحُ في قطرة دم مصرية، لا مجال للمساومة بشأنها.
جاء الردُّ الجويُّ القاصم من قواتنا المسلحة ثأرًا لدم شهدانا في ليبيا، استمرارًا وتأكيدًا على نهج الرئيس السيسي الجسور الذي أعلنه منذ يومه الأول في الحكم: أن كرامة أي مواطن مصري هي كرامة مصر وشرفها. كانت رسالة الرئيس السيسي واضحةً منذ يومه الأول في الحكم، بشأن مبدأ المواطَنة. فزيارة الرئيس المصري التاريخية للكاتدرائية المصرية يوم 6 يناير 2015، وتوجيه كلمة إلى العالم، لم تكن وحسب تهنئة لقداسة البابا وأقباط مصر بعيد الميلاد المجيد، بل كانت إيذانًا بعهد جديد من العدالة والمواطنة، يقف فيه رأسُ الدولة المصرية على مسافة متساوية من جميع المصريين كافة، مهما اختلفت عقائدهم. إذ العقيدةُ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربه، بينما الوطنُ شأنُنا العام نحن جميع المواطنين، وهمّنا المشترك.
وتاريخنا المصريُّ العريق يشهد بأن تعاقبَ الأديان على المصريين قد زرع فينا التسامحَ العّقّديّ. فيذكر المؤرخون أن الأقباط المسيحيين كانوا يستعيرون في أعيادهم البُسُطَ والشمعدانات من المساجد، مثلما كان الأقباطُ المسلمون يستعيرون الأشياء ذاتها من الكنائس في أعيادهم. وكانت الأديان الثلاثة تنظّم موكبًا مقدسًا مشتركًا على ضفاف نيل مصر إن تأخر الفيضان، يتقدمه السلطان، ثم الخليفة، ثم قاضي القضاة ثم شيخ الأزهر ورجال الكنيسة المصرية وأحبار اليهود. يتبعهم حَمَلَةُ الكتب المقدسة الثلاثة، ليتضرع الجميع إلى الله كلٌّ عبر معتقده، حتى يفيض النيل وتزدهر البلاد. هكذا أراد اللهُ لمصرَ، وهكذا أردنا نحن المصريين. هكذا كنّا، وهكذا سنظلُّ، إلى أن يستردّ اللُه الأرضَ ومَن عليها.
هنا أتذكر موقفًا رسميًّا كريمًا آخر كنتُ شاهدةً على أحداثه قبل سنوات، أحبطت فيه مصرُ مذبحةً أخرى خططتها داعش لتصفية عمال أقباط آخرين في ليبيا. راسلني مواطنٌ مصري يستغيث لإنقاذ شقيقه، "روماني طلعت سامي"، وخمسة من أقربائه يعملون في ليبيا في مجال المعمار، فشلوا في العودة لمصر بعد تفجيرات مطار طرابلس، وسطوِّ بلطجيةٍ على أموالهم وجوازات سفرهم. خافوا من الوقوع في يد داعش إن عادوا برًّا. اتصلتُ بالسفير العظيم "بدر عبد العاطي" المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية آنذاك، وخلال دقائق هاتفني سفيرُنا المصري لدى ليبيا د. "محمد أبو بكر"، للوقوف على تفاصيل الرسالة. وعلى الفور أرسلت لهم الخارجيةُ المصرية طائرةً خاصة انتشلتهم من ليبيا وعادوا سالمين إلى أرض الوطن العزيز الذي لم ولن يخذلنا.
في اليوم العالمي للعيش في سلام 16 مايو، أدعو اللهَ أن يجعل شهداءنا جميعًا قربانًا لنهاية التطرف في العالم على يد جيشنا المصري العظيم. اللهم اربطْ بالصبر الجميل على قلوب أهالي شهدائنا الأطهار، وأحسن مُقامهم في فردوسك الأعلى، واحمِ جيشنا العظيم، واحفظ رئيسنا الجسور "عبد الفتاح السيسي" الذي يحفظ كرامتنا ويشهرُ سبابةَ النذير في وجه كل من يستهدف بالشرّ مواطنًا مصريًّا. تحيا مصر.
***

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين