الشهيدة -شيرين أبو عاقلة- أنموذج في الالتزام الإعلامي المهني الكفاحي ضد الاحتلال الصهيوني

عليان عليان
2022 / 5 / 13

الشهيدة "شيرين أبو عاقلة" أنموذج في الالتزام الإعلامي المهني الكفاحي ضد الاحتلال الصهيوني
بقلم : عليان عليان
ارتقت مراسلة فضائية الجزيرة "شيرين أبو عاقلة" إلى العلا، بعد أن نسفت رصاصة غادرة لقناص إسرائيلي دماغها المسكون ب فلسطين القضية والشعب والحرية، في محاولة بائسة من العدو الصهيوني لطمس الحقيقة، حقيقة ما دبر وما كان سيدبر لمخيم جنين، وفي ذاكرة قيادة الأركان الصهيونية، أن هذه الأيقونة الفريدة في العمل الصحفي الميداني عاشت ملحمة مخيم جنين عام 2002، وأمضت إحدى عشر يوماً تتحرك في أزقة المخيم بين المقاتلين، وفي منازل المخيم بين أهله، تنقل خبر صمودهم وأخبار بطولاتهم التي جرى وصفها من قبل العديد من المراقبين العسكريين ببطولات المقاتلين الروس دفاعاً عن مدينة ستالينجراد، وأطلقوا عليها مسمى "جنينجراد".
لقد اختار العدو الصهيوني اللحظة السياسية لاغتيالها، حين علم أنها قدمت للمدينة والمخيم قبل عدة أيام حتى توثق جرائمه مجدداً، بعد أن أدركت بوعيها الوطني وذكائها السياسي وبخبرتها الصحفية الميدانية، أن العدو بصدد إشعال معركة جديدة في المخيم لرفع معنويات المستوطنين، بعد أن صال وجال رجال المقاومة في عمق الكيان الصهيوني في بئر السبع وبني براك والخضيرة وتل أبيب والمزيرعة وتمكنوا من صرع 19 مستوطناً وكسروا هيبة أجهزة الأمن الصهيونية ومرغوا هذه الهيبة في الوحل.
ولا نبالغ إذ نقول أن أيقونة فلسطين "شيرين أبو عاقلة" شكلت أنموذجاً في النضال الإعلامي، الذي استند إلى العلم والمهنية، وإلى مراكمة الخبرة، وفي الجرأة اللامتناهية في الذهاب إلى المناطق الملتهبة، التي يمكن أن تشكله خطراً على حياتها، أيماناً منها أن ميدان الإعلام ميدان أساسي في مقارعة العدو، إذ رأيناها في أزقة مخيم جنين وفي بيتونيا وفي سلواد والشيخ جراح والمسجد الأقصى وفي كل أماكن المواجهة مع الاحتلال، ولم تكتف بدورها الميداني، بل سعت إلى توظيف تجربتها الإعلامية كمدرسة في جامعة بيرزيت.
لقد اعتقد العدو الصهيوني أنه باغتيال "شيرين أبو عاقلة" سيرهب المراسلين الفلسطينيين ويمنعهم عن ممارسة دورهم الميداني في كشف جرائم الاحتلال، لكنه فوجئ بأن رحيل شيرين أذكى نار الحمية والاقتدار لدى المراسلين الفلسطينيين، إذ رأينا المراسلين والمراسلات الفلسطينيات، من هناء محاميد، إلى نسرين سلمي، إلى جيفارا البديري، إلى إلياس كرم ، إلى علي السمودي، إلى شذا حنايشة، إلى بقية مراسلي الميادين وفلسطين اليوم والمنار، ومراسلي وكالات الأنباء العالمية يعلنون بأعلى صوتهم أنهم سيواصلون مسيرة "شيرين أبو عاقلة" في كشف جرائم الاحتلال وتغطية صمود الأهل ونضال الشعب الفلسطيني، بعد أن أكدوا بتواضع أنهم تلاميذ في مدرسة أبو عاقلة.
كما فوجئ العدو الصهيوني بحجم الحراك الجماهيري الممتد في كل شبر من فلسطين غضباً على جريمة الاحتلال باغتيال أيقونة فلسطين الإعلامية، وهو يرى (أولاً) جنازة جماهيرية غير مسبوقة في تاريخ فلسطين، بدأت على شكل مظاهرات بالألوف في جنين المخيم والمدينة، وعلى شكل استقبال جماهيري من قبل جماهير عشرات القرى والمخيمات على الطريق بين جنين ونابلس وبين نابلس ورام الله، وهم يلقون بالورود على الجنازة وسط إطلاق الزغاريد، ناهيك عن الجنازة العسكرية والشعبية بعشرات الألوف في رام الله والبيرة التي رافقت الجنازة حتى مداخل القدس ، وموكب التشييع المشتبك مع الاحتلال في القدس أثناء تشييعها إلى مثواها الأخير ، ناهيك عن الاعتصامات التي عمت مختلف مدن الضفة والقطاع ومناطق 1948... وفوجئ (ثانياً) بهذا التنديد العالمي غير المسبوق من أوساط الرأي العام العالمي بجريمة الاغتيال الإسرائيلية مكتملة الأركان.
وهذا الحراك الجماهيري الملتهب غضباً على اغتيال "شيرين أو عاقلة"، وضع العدو الصهيوني في مأزق، وبات يعيش حالة ارتباك سردية في قضية الاغتيال، بعد أن أدانت معظم دول العالم ومنظمات حقوق الإنسان هذه الجريمة، ما دفع العديد من مؤسساته الإعلامية والأمنية، لأن تعلن ( أولاً) بأن عملية الاغتيال سيكون لها أبعاد سياسية من زاوية كشف حقيقة الكيان الصهيوني مجدداً، بوصفه كيان فاشي إجرامي لا يحترم أبسط حقوق الحريات الصحفية، وهو ما أشارت إليه صحيفة هآرتس الصهيونية عندما أعلنت بالأمس أن قوات الاحتلال مارست اعتداءات منظمة ومتكررة وغير مبررة على الصحفيين الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية، ما أفقد ( إسرائيل) ثقة المؤسسات الإعلامية الدولية والحقوقية بمزاعمها في حماية حرية الصحافة... ولتعلن (ثانياً) أن هذا الحراك الجماهيري سيكون له أبعاداً أمنية، من زاوية الثأر الوطني لأيقونة فلسطين وتحول هذه الهبة الجماهيرية بالتدريج إلى انتفاضة شاملة.
ويبدو أن العدو الصهيوني المتمرس في جرائم قتل الإعلاميين والمفكرين الذين يصنعون الرأي العام المقاوم من غسان كنفاني عام 1972 وحتى شيرين أبو عاقلة 2022 وما بينهما ما يزيد عن 70 صحافياً وإعلامياً، لم يستفد من تجاربه، ولم يدرك أن عمليات الاغتيال لم تفت في عضد الإعلاميين الفلسطينيين، بل زادتهم إصراراً على المضي في خطهم الاعلامي الوطني، فمجلة الهدف ظلت على خطها المقاوم، والمراسلون الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة رغم استشهاد 50 مراسلاً وصحفياً منذ انتفاضة الأقصى عام 2000 وحتى اللحظة الراهنة العديد لم يبرحوا ساحة النضال الاعلامي .
ما يجب الإشارة إليه هنا أن اغتيال الصحفيين هو جزء من استراتيجية صهيونية للبطش في الفلسطينيين، فنحن نشهد منذ أكثر من قرن عمليات القتل والمجازر المبرمجة التي تستهدف الفلسطينيين والجماهير العربية في محيط فلسطين، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن هذه الاستراتيجية تقوم على ثلاثية العنف الدموي "القوة المسلحة" والاستيطان والهجرة.
بقي أن نشير إلى أنه يتوجب على فصائل المقاومة أن تمارس دورها في توفير الحماية للصحفيين الفلسطينيين، من خلال اشتقاق تكتيكات كفاحية تردع العدو، ومن خلال متابعة قضية اغتيال "شيرين أبو عاقلة" في محكمة الجنايات الدولية، بعد أن أتخذ اتحاد الصحفيين الدوليين قراراً بهذا الشأن.

إلهامي الميرغني كاتب وباحث يساري في حوار حول الوضع المصري ودور وافاق الحركة اليسارية والعمالية
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين