-القرآن الأصلي:التاريخ الحقيقي للنص المنزل- -أطروحة منذر سفار-

جدو جبريل
2022 / 5 / 12

محور: أطروحات
بدأت الدراسة النقدية للنص القرآني في الغرب من خلال عمل لا يزال مرجعًا حتى يومنا هذا ، وهو عمل "تيودور نولدكه" - Theodore Nöldeke- صاحب كتاب " تاريخ القرآن" الصادر في سنة 1860 ، قبل تحديثه في سنة 1909 من طرف "فريدريك شوالي".
وإلى جانب تيار النقد التاريخي للقرآن، ظهر اتجاه جديد للبحث في منتصف القرن العشرين تقريبًا اهتم بدراسة الأنواع الأدبية المستخدمة في النص المقدس للإسلام. ومرة أخرى كانت المدرسة الألمانية السباقة وهي التي مهدت الطريق لهذا التوجه الجديد. وكان أول سلسلة المقالات التي نُشرت سنة 1950 في مجلة "العالم الإسلامي" - The Muslim World- بعنوان "القرآن كتابًا" والتي تضمنت المساهمة التي قدمها "ج. وانسبرو" - John Wansbrough- في دراساته القرآنية، وقد درس أنماط الخطاب القرآني وشبهها بالتقاليد اليهودية. إن الكشف عن خطاب منظم بصلابة يشير بالفعل إلى أنه يستمر في التقليد الكتابي القديم. ثم يظهر نص القرآن بشكل أقل فأقل على أنه عمل ارتجال من الصحراء، ولكنه استمرارية لتقليد رفيع.
كتاب "القرآن الأصلي: التاريخ الحقيقي للنص المنزل"
انطلق منذر سفار- في هذا الكتاب - من أطروحة السردية الإسلامية التي تقر أن القرآن كلام الله المقدس والحرفي. نزل حرفيا على النبي بإملاء الملاك جبريل. لهذا لم يشوبه أي احتمال خطأ. وتقعد السردية الإسلامية أطروحتنا هذه، على أن القرآن كلام الله المعصوم.
تساءل منذر سفار، هل التاريخ المبكر للإسلام وتعامل الصحابة الأوائل مع القرآن يدعمان هذه الأطروحة أم يعاكسانها بشكل أو بآخر؟ وخلص إلى القول بعدم وجود أي أساس تاريخي موثوق أو لاهوتي يدعم – دون لبس - طرح السردية الإسلامية، بل في القرآن ما يفيد أن النص الموحى لا ينبغي مساواته بـ"النص الأصلي للقرآن السماوي الذي لا متنه إلا الله". و رصد الباحث جملة من القراءات وطرق تعامل الرعيل الأول من الصحابة مع النص في حياة النبي وبُعَيْد وفاته، ثمّ أقر أن وجود نصوص مختلفة خلال حياة النبي يساعد على تفسير قبول الاختلافات، هذا لأن الأوائل نظروا إلى القرآن على أنه نسخة من " القرآن السماوي الأصلي" لكنها لا تساويه ولا ترقى إليه، ذلك لأنها تخضع لمصادفات حياة محمد والبيئة الزمنية وأيضا استيعاب البشر للمعاني والمدلولات حسب تصورهم المعرفي. وفي وقت لاحق –لأسباب أملتها الظروف الاجتماعية والسياسية، تمّ تحويل وحي محمد إلى "كلمة الله المعصومة"، وبالتالي أضحى من المحرم قطعا الانحراف عنها ولو قيد أنملة.
ومن المعلوم – حسب السردية والموروث الإسلامي- إن التشكيك في صحة النص القرآني اليوم يعتبر تجديفا، وهو عمل تدنيس بشكل خاص ضد إحدى العقائد الرئيسية والجوهرية للإسلام، إن لم تكن أهمها، بعد الإيمان بالله وبرسوله. ويعتبر منذر سفار أن هذا المحظور- الذي يحيط بمسألة تاريخ القرآن - ليس له أي تبرير لاهوتي ينبع من النص المنزل ، ولا حتى سبب تاريخي ، حيث أن التقليد الإسلامي نفسه يفيد بجملة هائلة من المعلومات حول المشاكل المرتبطة بنقل القرآن إلى أن وصل لنا.
وبهذا الصدد ذهب الباحث إلى القول، "إن الحقيقة الأكثر إثارة للدهشة في هذا الموقف المتوتر للأرثوذكسية الإسلامية، هو أنه وقف يتعارض مع نفس العقيدة التي صاغها القرآن حول أصالته. في الواقع، بعيدًا عن ادعاء أي أصالة نصية، يقدم القرآن نظرية الوحي التي تدحض بشدة مثل هذا الادعاء. حيث تشرح لنا هذه العقيدة القرآنية أن النص الموحى به ليس سوى نتاج منبثق من نص أصيل أول موجود مسجل على اللوح السماوي المحفوظ لدى الله ولا يمكن للبشر العاديين الوصول إليه. وباختصار، القرآن حقيقي ليس هو الذي نزل، بل هو الذي بقي في السماء بيد الله، وهو الشاهد الحقيقي الوحيد للنص المنزل. وباختصار ، فإن القرآن لا ينسب الأصالة إلى النص الذي أنزل على محمد بل فقط إلى النص الأصلي المحفوظ عند الله."
ويسترسل الباحث على نفس الدرب، إذ يرى أن الانتقال من الأصل السماوي إلى النسخة المنزلة باستعمال لغة بشرية يفيد، بشكل أو بآخر، بإمكانية عدم التطابق. علما – حسب الباحث – أن النبي لم يتلق الوحي على طريقة الإملاء الحرفي، ولكن عن طريقة الوحي - l’inspiration. علاوة على ذلك، كان النص الموحى خاضعًا لقانون النسخ والتعديل والتنقيح الإلهيين. وبالتالي – من هذا الوجه- فإن القرآن الموحى ليس أبديًا ولا مطلقًا، إذ أن التغييرات الحاصلة تفيد بتاريخيته وظرفيته ونسبيته. كما أهناك عوامل أخرى تميزه عن النص السماوي الأصيل، ومنها – حسب الباحث - "يأمر الله الشيطان أن يوحى بآيات كاذبة من خلال فم محمد ، ثم يندد بها، كما أن النبي يتعرض لبعض العيوب البشر وقصور نظرهم ، وهذا وفقًا للقرآن الموحى". لهذا، يعتبر منذر سفار، من المهم تسليط الضوء على إشكالية عدم أصالة النص الموحى به وتطابقه الحرفي مع القرآن المحفوظ في اللوح.
ودفاعا على هذا الطرح وارتكازا عليه يتناول الباحث قضية جمع القرآن وتدوينه خلال الفترة المبكرة الأولى- فيقول- عند وفاة النبي، دُوّن نص الوحي على عدة وسائط: المخطوطات، وعظام الكتف، والشظايا، وغيرها من الوسائط المؤقتة. ومن الواضح أن فكرة تجميع هذه النصوص المتناثرة في مجموعة واحدة كانت ابتكارًا متأخرًا، غير معروف لمحمد وغريب عن روح القرآن. فقط تنسيق الوحدات النصية التي تم الكشف عنها ظهر خلال حياة محمد. لقد أنجبت وحدات الوحي السور الحالية وفقًا لعملية لم يتم توضيحها بعد، ولكنها مرئية جزئيًا من خلال الحروف الغامضة التي تفتح سورا معينة – يعني الحروف المقطعة.
تؤكد السردية الإسلامية أن الجمع الأول للقرآن نفذه الخليفة الأول ، أبو بكر. تم جمع آخر مرة أخرى في عهد الخليفة الثالث عثمان. لكن مما يتكون هذان الجمعان؟ ويجيب منذر سفار، في الواقع تختلف الآراء حول هذا الموضوع ولم يصلنا شيء مؤكد وثابت بهذا الخصوص. إن الوضع غامضا حيث أن هناك عملية تدخل أخرى عن طريق الحجاج.
ويخلص الباحث إلى القول
بغض النظر عن التناقضات والجوانب الغامضة الواردة في السردية الإسلامية حول تاريخ النص القرآني ، فمن الواضح أن إنشاء نص رسمي للقرآن كان تتويجًا لعملية طويلة لا يمكن استنتاج طرائقها إلا بشكل تقريبي وبحذر شديد من الروايات والقصص التي وصلتنا. فلم يكن في حوزة الأجيال الأولى من المسلمين نص قرآني مرجعي رسمي عليه الإجماع. ولتعزية نفسها – اعتبارا لكثرة الإشكالات – خلقت السردية الإسلامية أسطورة لقاء الملاك جبرائيل بالنبي محمد سنويًا لمراجعة النصوص التي نزلت خلال العام السابق، والسنة الأخيرة من حياة النبي تكررت هذه العملية مرتين. وهكذا – وفق السردية الإسلامية - عند وفاة الرسول، وجد النص القرآني نفسه مقننًا ومُنظمًا ومكتملًا وفقًا للإرادة الإلهية، والعمليات التي حدثت لاحقًا، وفقًا للكثير من الروايات، لم تأت بأي جديد. لقد تم القيام فقط بتصحيح التعديلات التي حدثت خلال العقود الأولى للإسلام. هذه هي العقيدة الأسطورية الأرثوذكسية حول مصداقية نقل النص الموحى وتواتره.

كتاب " القرآن والكتاب المقدس والشرق القديم"
سعى منذر سفار في هذا الكتاب ، إلى إعادة للقرآن بعده الزمني ومكانته في التاريخ. على عكس التأريخ الكلاسيكي الذي أراد فصل المجتمع العربي عن ماضيه الشرقي ، فإن هذا الكتاب يتساءل : "إلى أي مدى تعتبر الاستمرارية بين الأيديولوجية العربية الرافدية – نسبة لبلاد الرافدين- من جهة، والأيديولوجية التوراتية القرآنية من جهة أخرى، متحدتان وتشكلان وحدة مدهشة ؟
من خلال اعتماد المنهج التاريخي المقارن وأنثروبولوجي ، يمحص المؤلف أهم الموضوعات القرآنية ، ومنها:
- المؤسسة الحاكمة والتي لا يمكن تصورها بدون أيديولوجية الحرب،
- الرؤية القرآنية بخصوص أسطورة خلق العالم ونهايته،
- علم اللاهوت القرآني ومشكلة الشرك (صفات الله، الملائكة ، الشياطين إلخ.)،
- المؤسسة النبوية وطبيعة النبوة القرآنية،
- معاهدة التبعية أو الجوهر الفقهي للدين،
- المعراج - الصعود السماوي المنسوب إلى محمد،
- مساهمة المانوية في القرآن.
وقد خرج منذر سفار، أحيانا كثيرة، باستنتاجات جريئة جدا. ومنها على سبيل المثال، بعد تحقيق فيلولوجي للآية الأولى من سورة الإسراء 17 -"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ"- ومقارنة بينها والأدبيات التوراتية وفحص التراث الإسلامي ، ذهب إلى القول : لم يكن النبي محمد هو الذي حظي بامتياز اختياره للقيام بالرحلة الليلية إلى الهيكل السماوي بل بالأحرى إبراهيم. أما الأطروحة التي تم الدفاع عنها في الفصل الرابع من الكتاب ، فقد ارتبطت بالقول إن القرآن ، على المستوى اللاهوتي البحت ، "هو في الأساس صنف من أصناف الشرك".
ويبدو أن اعتنى به منذر سفار – على وجه الخصوص- لا يخرج عن نطاق محاولة التوفيق بين الإسلام و وما سماه الباحث " أصوله الشرق أوسطية والعربية القديمة"، وقد تقمص هذا التوفيق نبرة جدلية أحيانا، مما جعل الأطروحات التي دافع عنها استفزازية. علما أن بحثا من هذا القبيل ناحية أخرى ، فإن ما يمثل مشكلة هو الطبيعة المفرطة في الطموح للمهمة: يتطلب المقارنة بين مجالات شاسعة ومعرفة كاملة بكل من ديانات الشرق الأدنى القديم واليهودية القديمة ( ذات الأدب متعدد الأصول) والمسيحية (العهد الجديد) والقرآن والتراث الإسلامي، وهذا شأنه أن يطرح مشكلة الطبيعة المفرطة في الطموح ، لاسيما وأن المجهود فردي وليس جماعي أو اضطلع به فريق متعدد الاختصاصات.
ومع ذلك ، على الرغم من بعض أوجه القصور وبعض التأكيدات التي قد "كاريكاتورية" من جانب أو آخر، إن المجهود البحثي المبذول موسوم بالشجاعة والصبر نظرا لما تتطلبه عملية إخضاع العديد من نصوص القرآن والتراث الإسلامي لنفس النهج التاريخي النقدي الذي تم اعتماده في تفسير العهدين، القديم والجديد منذ قرن.
إن هذا الكتاب بحث في الأنثروبولوجيا الدينية سعى منذر سفار عبره إلى إظهار الأهمية الحاسمة للأديان والحضارة الشرقية في فهم الديانات التوحيدية الكبرى بشكل عام والكتاب التأسيسي للإسلام – القرآن - بشكل خاص". في الواقع، إنه تطبيق للنقد التاريخي على القرآن بعد أن تم تطبيق هذا المنهج على الكتاب المقدس والتوراة.

كتاب "القرآن الآخر"
يدعو هذا الكتاب إلى التشكيك في القراءة والفهم السائدين – إلى حد الآن- لنص الإسلام المقدس. وذلك اعتمادا تحديد موقف القرآن – الفعلي حسب المؤلف - من الأخلاق والعدالة والتمييز بين الخير والشر. وانطلاقا من السؤال الذي يطرح على أي أيديولوجية وعلى أي كتاب مقدس- وبالتالي على القرآن هو: هل هذا القرآن ينخرط في صف الخير والإنسان، أم إلى جانب الشر وضد الإنسان؟ والمثير للدهشة أن القرآن يشكل، كما يوضح هذا الكتاب، إجابة مطولة لهذه الإشكالية الأخلاقية. لكننا – يقر المؤلف- نكتشف أن الإجابة التي يقدمها ليست في الحقيقة في الاتجاه الذي كنا نأمله دائمًا حتى الآن ... لإجراء هذا التحقيق في هذا السؤال الأساسي عن الخير والشر ، يسأل المؤلف نفسه أولاً عن الذات الإلهية كما وردت في القرآن. تُسهّل الإجابة عن طريق أسماء الله الحسنى التي أعطاها لنفسه. ثم يأتي استحضار العلاقة – الاتفاق- التي أقامها مع الشيطان، الذي أبرم معه ميثاقًا للعمل ضد الإنسانية. ونكتشف أيضًا الأمر الغريب بإرسال أغلب الإنس والجن، إلى جهنم. وتبعا لهذا الفهم يقول منذر سفار، "نكتشف بدهشة أن إله القرآن يمنح قدرته المطلقة على حساب أي اعتبار أخلاقي أو عدالة أو إنسانية. حتى أن إله القرآن يُظهر صفة التصرف التعسفي ، ويعتبر هذا الفعل حقًا وعدالة". ومن هنا يستنتج أن الدراما التي يعيشها عالمنا اليوم لا تنبع من الصراع بين الحضارات، أو بين الثقافات، أو بين الأديان. وإنما يتعلق الأمر بالأخلاق وتمثلاتنا للإنسان والحياة.
ويتناول الكتاب أيضا القصص المعروفة وفقًا للقرآن، ومن هنا يقر ارتباطه بالتاريخ والأساطير.
من وجهة نظر منهجية ، ينتمي منذر سفار إلى مدرسة الأنثروبولوجيا الدينية. ويسعى إلى الاستفادة من الاكتشافات الأثرية الحديثة وكذلك معارف العلوم الانسانية والاجتماعية في محاولته لفهم الإنسان الشرقي. في رأينا ، ليس من غير المجدي الإصرار على أهمية مثل هذا المشروع العلمي. ومع ذلك، ذهب جملة من النقاد إلى القول إن منذر سفار يعبر عن نفسه كناشط ومنفي سياسي أكثر من كونه رجل علم. وينعكس هذا في بعض الأحيان بطريقة صارخة في كتاباته ، مما يقلل في معظم الوقت من نطاقها العلمي البحت.
ومن المعلوم أن منذر سفار المزداد سنة 1950 بتونس ، ونفي إلى فرنسا سنة 1974 وكان معارضا لنظام الدكتاتور التونسي زين العابدين بن علي. إنه مفكر تونسي اهتم بإشكالية القرآن منذ ثمانينيات القرن الماضي.

على سبيل الختم
يمكن القول إن منذر سفار أراد إثبات أن هناك مشكلة حقيقية تتعلق بالمفهوم الإسلامي للنبوة التي تقتصر على شخص النبي محمد. ويعبّر المؤلف عن هذه المشكلة في السؤال التالي: "هل جازف الله بالخسوف بإعلان إغلاق سلسلة الأنبياء وانقطاع السماء عن هدي البشرية؟ ".

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت