القنبلة العقائدية

شريف حتاتة
2022 / 5 / 8

------------------------------------
كنت جالسا فى الشرفة أتصفح عناوين المطبوعات الصباحية ، عندما لفت نظرى عنوان فى صدر إحدى صحف المعارضة مطبوع بالبنط الأسود الغليظ .
" حديث مع مهندس القنبلة النووية الإسلامية ". نحيت الصحيفة جانبا . الجو جميل ، أكتوبر يختتم شهور الصيف وينبىء بالخريف ، والأطفال يذهبون إلى المدارس . إحساسى بالحياة يتدفق رغم كل شىء . سنى ثمانية وستون سنة . ربما لهذا أكره حديث الموت ، وأكره القنابل النووية مهما كان الأصل الذى تنحدر منه . أكره الضحايا ، والإشعاعات القاتلة تحرق اللحم الحى ، وأكره الذين يتحدثون عنها بنوع من الزهو. أشعر أنهم يستسهلون القتل ، ويخفون حقيقة أغراضهم خلف شعارات مثل " الأمن " أو " الدفاع عن العالم الحر " ، أو " السلام المبنى على الردع أو مناصرة الحق ".
ما هالنى فى العنوان لم يكن ذكر " القنبلة " النووية فحسب ، وإنما وصف هذه القنبلة بأن لها عقيدة ، وإنها إسلامية الأصل ، كأننا فى هذا العصر يمكن أن يفكر البعض فى نشر العقيدة الإسلامية عن طريق القنبلة النووية بدلا من السيف. تصورت العقائد وهى تحارب بعضها بالقنابل النووية . المسيحيون يحاربون باسم الروح القدس والرب، واليهود يحاربون باسم " يهوذا " ، والمسلمون باسم الله. وربما في يوم من الأيام ستوجد في الترسانة الدولية قنابل نووية هندوكية، وبوذية، وشيعية إلى آخر المذاهب، والملل، والطوائف التي تنتشر بين ستة مليارات من سكان الأرض، ثم القنابل النووية الملحدة للاتحـاد السوفيتي، أو قنابل الكنيسـة الأورثوذوكسية الروسية، أو الجمهوريات الإسلامية في جنوب هذه البلاد. أما قنابل الصين النووية فستكون ماركسية لينينية أو
" كونفوشية " تتبع فيلسوف الشرق.
منذ أواخر الستينيات زحفت موجة من التطـرف الـديني على مختلف قارات العالم وأصبحت قوة كبيـرة مسيحية، أو يهودية، أو إسلامية، أو هندوكية، أو بوذية تـؤمن بـالعنف وتظن أن حل مشاكل المجتمع لن يتم عن طريـق الـحـوار، أو الصراع السلمي بين الاتجاهات، أو الآراء، بالحوار الديموقراطي والإقناع، وإنما عن طريق إبادة الخصم. إنها قوة مهدت لهـا ظروف الإحباط والأزمات، والكوارث، والطرق المسدودة تنادي بالعودة إلى الوراء، بحلول مضى عليها الزمن، حلول لا تتعامل مع التطورات التي حدثت في العالم المعاصر، حلول لا تدرك أن اللجوء إلى العنف، وإلى الحروب سيقابل بمقاومة متزايدة من الشعوب لأنه يؤدي إلى الدمار، والإضرار بكل الأطراف، ويهدد بالقضاء على جميع سكان الأرض، حتى ولو قامـت الـحـرب باسم الإله يهوذا، أو رب المسيحيين، أو إله المسلمين. علـى العكس فإن التستر وراء الدين لشن الحرب هو أخطر الكوارث التي يمكن أن يشهدها العالم، ويهدد بتحويلـه إلـى محرقـة ضخمة تقضي كل حياة في كوكب الأرض.
إن فلسفة العنف واحدة وهي في كل المجالات، في الأسرة ضد الزوجة، أو الأطفال، أو الأم، وفي المدرسة ضـد عقـول وأجسام التلاميذ، في العمل ضد العاملين، في السياسة والحكم ضد المحكومين، في المجتمع ضد المرأة، والفقراء، والأقليات.
إنها تمتد من الجنازير، والسنج، والمدافع الرشاشة إلـى القنبلة النووية الإسلامية أو اليهودية كسلاح للحـرب. وفـي منطقتنا فإن أصحاب المصلحة الأولى في النزاعات الطائفيـة والتقسيم على أساس الـدين، والتلـويـح بـالحرب، والقنابـل النووية، هي إسرائيل، ومن ورائها أمريكا، هـي كـل الـنظم المبنية على التعصب الطائفي إسلامية كانـت أو مسـيحية، أو يهودية.
إن دعوة "مصر" لجعل منطقة الشرق الأوسـط، والبحـر الأبيض المتوسط منطقة منزوعة السلاح النووي هي انعكـاس لضعفنا. ومحاولة لتبييض وجه النظام الأمريكـي بعـد أن زال الخطر السوفيتي، وللتركيز على استخدام الأسلحة التي تصـلح للحروب الإقليمية. ومع ذلك فهي دعوة يجب تعضيدها رغـم أنها أتت بإيحاء من البلد الذي لعب الدور الأساسي فـى شـن الحرب على شعب "العراق"، أي بإيحاء من الولايات المتحـدة الأمريكية، أي من البلد التي مازالت تفرض سيطرتها علـى المنطقة العربية، وتحول دون نهوضها.
العالم يواجه مشاكل خطيرة تهدد كيانه لا يمكن مواجهتها إلا بتضافر الشعوب، واتباع سياسات حكيمة تتفادي المنازعات العنيفة، سياسات تعتمد على اليد الممدودة، والبحث عن نقـاط الاتفاق. وهي سياسات تفرض نفسها على كل مـنْ يـدرك أن إنقاذ الكرة الأرضية وسكانها من المخاطر التي تهددهم مسألة ملحة.
إن الاستجابة لهذه الدعوات لا تعنـى الرضـوخ للظلـم والقهر الأجنبي، أو المحلي، وإنما تعنى تغييـر أساليب ومناهج الصراع ، حتى تتفق مع ضرورات هذا القرن.
الفن رؤية أيضا
....................
منذ أسبوع ذهبت لمشاهدة فيلم " كيت كات " فـي ســينما " التحرير" وأعجبت به، فهو فيلم بذل فيه جهد فني كبيـر فـي التصوير، والديكور، واختيار الممثلين، وتجسيد الشخصيات. وطبعا كان المخرج خلف كل هذا ، فأبدع عملا فنيـا نـادرا ما نشهد مثله هذه الأيام.
لاحظت إقبال الجماهير على الفيلم، وهي ظاهرة تدل علـى أن العمل الفني الجيد يشق طريقه إلى الناس، وأن جمهورنا رغم غثاثة وسطحية كثير مما يعرض عليه ، مازال قادرا علـى تذوق الفن الجيد، كما يدل على أن المخرج لم ينجح فقط فـي تقديم عمل سینمائی متميز في موضوعه وفي مستواه الفنـى ، وإنما أدخل عليه أيضا تلك العناصر التي من شأنها أن تجـذب الجمهور إليه.
إن هذا الفيلم سيدعم موقف العدد القليل مـن المخـرجين ، الذين مازالوا يسعون بعناد للحفاظ علـى مسـتوى إنتـاجهم، وخلق تیار سینمائی مصرى له قيمته ، يواجهون
به "التجـار" أصحاب نظرية "الشباك يحدد كل شئ ".
تساءلت لماذا نجح هذا الفيلم جماهيريـا، فـإلى جانـب الميزات التي ذكرتها ، لاشك أن التمثيل الجيد لأغلب الممثلين وعلى رأسهم "محمود عبد العزيز" في دور الشيخ " حسـنى" ، صنع أجواء أحس الناس أنها جزء من حياتهم . ربما رأوهـا من زوايا مختلفة من قبل. لذلك لم يشعر الجمهور بالاغتراب أو البعد عن أحداث الفيلم. كمـا لـعبـت الروح الفكاهية ، والساخرة دورا مهما في جاذبية الفيلم بالنسبة إلى الناس . فالضحك سلاح خطير، وجّذاب يكشف مفارقات وعيوب الحياة، ينبه إليها ويجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهتهـا، وأكثـرصلابة في تحمل أعبائها.
الشخصية الحية للمبصر الأعمى الشيخ "حسـنـى " أشـاعت روحا من التفاؤل، فهو لم يستسلم لمصـابه، أو ظروفـه بـل تحايل عليها أحيانا، وقاومها أحيانا أخرى. حافظ على عناده وحيويته، وحبه للاكتشاف، والفهم. رفض أن يرضخ لما يبدو مستحيلا، فهو أعمى ولكنه يركب "الفيسبا " وينطلق بها وسـط الناس. عيناه مغلقتان لكن خياله خصـب يـري مـا لا يـراه الآخرون، ويفضح الفاسد والمستور. ولاشك أن كاتب الرواية "إبراهيم أصلان" استطاع أن يُوحي بأشياء كثيرة إلى المخـرج " داوود عبد السيد ".
كانت المؤثرات الصوتية في الفيلم موحية.. تنفس الشـيخ " حسني " وهو يسير في الحارة وخطواتـه، أصـوات النـاس والزوارق والديوك ، وكل ما يحيط بالحي في الفجر خلقـت مـع التصوير جوا استغرقت فيه، وتوترا ممتعا شعرت به ، مثلا فـي مشهد ضرب الشيخ "حسني" لابنه في الحارة. لكني لم أقتنع بقصة الحب بين ابن الشيخ " حسـني" وفتـاة الحـي. كانـت مشاهدها مصطنعة، وحوارها ثقيل. وكانت القصة عموما فاقدة الحيوية.
في النهاية أريد أن أعبر عن تساؤل يمر بذهني، كلما قرأت رواية أو قصـة مصـرية، أو شـاهدت فيلمـا مـن أفلامنـا السينمائية، تساؤلا لم أستطع أن أتخلص منـه. لمـاذا نحـن محبوسون دائما في الماضي أو الحاضر، فيما يظـل تقليـديا ؟ . لماذا لا ينعكس علينا ما يحدث في العالم مـن حيـاة تمـوج بالجديد، ولماذا لا نستشف بصيصا منها ؟ .



لمنْ يريد الانتحار
.....................
يمكن اعتبار ما أكتبه الآن إعلانا مجانيا لمنْ يريد الإنتحار. وسائل الموت في مدينتنا متعددة. نقابلها في كل شارع، وفـي كل حي، ومنْ يريد أن ينجو منها لابد أن تكون له ست عيون، وحواس للسمع والشم واللمس شبيهه بتلك التي كانـت عنـد الشيخ "حسني" .
على كوبرى الجيزة وسيلة مثالية للانتحـار، فجـوة فـى الأسفلت كبيرة تقود مباشرة إلى مياه النيل ، تركت كما هي منـذ شهور ، خصيصا للذين يبحثون عن وسيلة سهلة ومريحة لإنهاء حياتهم.
المعاينة ممكنـة فـي أي وقـت. لكـن إذا أراد المرشـح للانتحار، أو محافظ الجيزة أن يلتقى بي لأدله علـى المـكـان سيجدني هناك كل يوم في الساعة السابعة صباحا، فأنا أنتمـى إلى فئة قليلة تتريض في الصباح على كوبرى الجيزة ، وتـدور حول الفتحة المتروكة في الرصيف بحذر شديد، فالحياة بالنسبة لي مازالت تستحق أن أبقي عليها.
من كتاب " يوميات روائى رحّال " 2009
--------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان