عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية

فهد المضحكي
2022 / 5 / 7

أجمع المعلقون الألمان والأوروبيون على أن فوز إيمانويل ماكرون بفترة رئاسية ثانية يحمل في طياته قرع أجراس مدوية بسبب الاكتساح الهائل لأطروحات اليمين المتطرف للمشهد السياسي الفرنسي. كما أن الولاية الثانية لماكرون لن تكون مفروشة بالورود أمام بلد منقسم يتخبط وسط غليان اجتماعي غير مسبوق. جاء ذلك في مقال للكاتب حسن زينيد، نشر على موقع «دوتشه فيله» الألماني. ماكرون التقط إشارة الناخبين بسرعة واعترف في خطاب النصر، غير بعيد عن برج إيفل، بأن الكثيربن صوتوا ليس لأنهم يؤيدون سياسته، ولكنهم فعلوا لمنع اليمين المتطرف من دخول قصر الإليزيه. ولن يكون لماكرون متسع من الوقت للتمتع بنشوة الانتصار، ذلك أن استحقاقا آخر لا يقل أهمية ينتظره خلال أساببع يتعلق بالانتخابات التشريعية في يونيو/‏حزيران، والتي ستحدد ما إذا كانت ولايته الثانية ستكون مدعومة بأغلبية برلمانية أم أنه سيضطر للتعايش مع المعارضة في الحكومة المقبلة. غير أن الاقتراح الرئاسي يطرح أيضا أكثر من علامة استفهام حول مستقبل النموذج الديمقراطي الفرنسي. كتبت صحيفة «فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ» الألمانية معلقة: حقق ماكرون ما لا يمكن تصوره تقريبا. لأول مرة منذ عشرين عاما، فاز رئيس بثقة الناخبين الفرنسيين لولاية ثانية. قبلها، نجح جاك شيراك، أيضا بعد مبارزة ضد لوبان «الأب». وهكذا عزز ماكرون سمعته كاستثناء سياسي. ومنذ إقرار الانتخابات المباشرة، لم ينجح أحد من أسلافه في القيام بذلك». ويذكر فاز ماكرون بنسبة 58 بالمائة متقدما على غريمه مارين لوبان بخمسة ملايين صوت فقط، بعدما كان هذا الفارق يقارب عشرة ملايين صوت قبل خمس سنوات، ما يؤكد الاكتساح المطرد لليمين المتطرف، الذي اقترب من عرش الإليزيه اكثر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث للجمهورية الفرنسية.

لم تكن دوائر صنع القرار في برلين كما في بروكسل في وضع يسمح لها بتصور فوز اليمين في فرنسا، في وقت تواجه أوروبا أكبر تحد جيوسياسي منذ الحرب العالمية الثانية بسبب الحرب في أوكرانيا. سيناريو من هذا النوع، كان سيكون ضربة قوية للوحدة الأوروبية أمام موسكو. ورغم التدخل في مسار الحملات الانتخابية للدول الأعضاء كان من باب تابوهات ومحرمات التكتل الأوروبي، إلا أن كابوس فوز لوبان دفع بشكل استثنائي كلا من المستشار الألماني أولاف شولتس ونظرائه في اسبانيا والبرتغال لتجاهل هذا التقليد، بعد نشرهم لنداء مشترك على صفحات جريدة «لوموند» الفرنسية قالوا فيه للفرنسيين إن «مرشحا من اليمين المتطرف يظهر تضامنا علنيا مع أولئك الذين يهاجمون حريتنا وديمقراطيتنا». وإذا كان من الصعب تقييم تأثير مثل هذا النداء، إلا أن الخطوة تظهر ارتباك وقلق الأوروبيين أمام سيناريو، إذا تحقق ستكون له ارتدادات غير مسبوقة على البنيان الأوروبي برمته. رغم هزيمتها، ألقت مارين لوبان عشية نتائج الانتخابات خطابا لا يخلو من لهجة التحدي، وتعهدت لأنصارها بتشكيل تكتل معارض قوي لماكرون. أما جون لوك ميلونشون مرشح اليسار فيسعي لتحقيق إنجاز في الانتخابات التشريعية المقبلة، وبات يحلم بالاستفادة من الزخم الحالي ويصبح رئيسا للوزراء، خصوصا وأنه حصل على الجزء الأكبر من أصوات اليسار في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن ماكرون سيكون مجبرا على قبوله بصفته زعيما لأغلبية يسارية في البرلمان.

تذهب بعض التحليلات أن في حال تمكن حلفاء ماكرون من الفوز بالأغلبية أو نجحوا في تشكيل ائتلاف حكومي، سيتعين على الرئيس مواجهة رفض شعبي لخططه الإصلاحية، لا سيما إصلاح نظام التقاعد. وبهذا الصدد كتب موقع «شبيغل أونلاين» ألألماني محذرا «انتخابات الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) هي الاختبار الذي ينتظر الفائز إيمانول ماكرون. إن المعارضة تستعد للانتقام، وخاصة مارين لوبان». وذهبت صحيفة «التايمز» البريطانية في نفس الاتجاه وكتبت أن «ماكرون يحتاج إلى أغلبية في الجمعية الوطنية. وهي محطة ستكون حاسمة بالنسبة له للحصول على تفويض لتنفيذ سياساته من خلال المؤسسة التشريعية». تشرذم المشهد الفرنسي والسياق الذي صاحب إعادة انتخاب ماكرون قد يكونان مؤشرين على بداية نهاية الجمهورية الفرنسية الخامسة، إذ بات الشعبويون من أقصى اليمين واليسار يتربصون لإطلاق رصاصة الرحمة عليها. وفق عدد من المعلقين. أحد المواقع الألمانية كتب موضحا ان«المشهد السياسي في فرنسا يبدو في حالة من الفوضى. لا أحد يستطيع التشكيك في ماكرون. لكن لا جدال في أن الفرنسيين لا يريدون منحه أغلبية في البرلمان». واضاف الموقع أن دستور الجمهورية الخامسة «يسمح بالحكم في حالة الفوضى» بمعنى التعايش بين شرعية الرئيس وأغلبية برلمانية معارضة.لكن هل ستؤسس إذا تحققت، لتغيير جذري للنظام السياسي الفرنسي وبالتالي نهاية الجمهورية الخامسة والتأسيس لأخرى سادسة؟

تشير إحدى القراءات إلى أن رئاسة ماكرون لن تخلو من التحديات الكبرى، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الأوروبي، إذ سيكون عليه التركيز على محاولة تحقيق «العدالة الاقتصادية والاحتماعية» التي كانت وراء تفجراحتجاجات السترات الصفراء، والتعامل مع نقابات العمال التي تعترض على برامجه النيوليبرالية، وذلك مع السعي للحصول على أغلبية برلمانية، والتصدي للأوضاع الاقتصادية التي تعاني منها فرنسا، فميزانيتها تعاني عجزا هائلا وتمثل نسبة المديونية الفرنسية 115%، من الناتج المحلي الإجمالي، وتقترب البطالة بين الشباب فيها إلى ما يقارب من 20%.أما على المستوى الأوروبي فإن افكاره قد تواجه عقبات عملية، خاصة تلك التي تدعو لتشكيل جيش أوروبي موحد في ظل رؤيته حول إمكانية تحول أوروبا إلى «كيان فيدرالي» قادر على منافسة مختلف القوى العالمية. وتظل فرنسا بالإضافة إلى ثقلها الثقافي، فهي الدولة الوحيدة بين دول الإتحاد الأوروبي التي تمتلك ترسانة نووية، وتتمتع بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن، وعليها تقع مسؤولية التعامل بحكمة مع التطورات التي تشهدها الأزمة الأوكرانية، واحتواء الانفلات الأمريكي الذي يسعي إلى تدمير روسيا أكثر من اهتمامه بمستقبل أوكرانيا.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق