صراع المسيحيين: لماذا لا تستطيع أوروبا فهم روسيا

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 5 / 6

بيبي اسكوبار
Pepe Escobar

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي. [1]

ينظر الأوروبيون الغربيون إلى المسيحيين الأرثوذكس والشرقيين على أنهم حراس ومجموعة من المهربين، بينما ينظر الأرثوذكس إلى الصليبيين على أنهم مغتصبون بربريون عازمون على غزو العالم.
في ظل جو موبوء من التنافر المعرفي في كل مكان؛ و غارق في رهاب روسيا/ روسوفوبيا/Russophobia، من المستحيل تماما إجراء مناقشة هادفة حول النقاط الدقيقة للتاريخ و الثقافة الروسية عبر فضاء الناتو، وهي ظاهرة؛ بعد فترة طويلة باسطنبول. اختبرها الآن من جديد في باريس.
في أحسن الأحوال، و في ما يشبه الحوار الحضاري، يتم تصنيف روسيا من وجهة النظر الاختزالية كإمبراطورية مهددة وغير عقلانية ومتوسعة باستمرار؛ بطريقة أكثر شراً من روما القديمة أو بلاد فارس الأخمينية أو تركيا العثمانية أو الهند المغولية.
فقبل ما يزيد قليلاً عن ثلاثة عقود؛ أعاد سقوط الاتحاد السوفياتي روسيا إلى الوراء ثلاثة قرون إلى حدودها زمن القرن السابع عشر. تم تفسير روسيا تاريخيا على أنها إمبراطورية علمانية؛ هائلة ومتعددة الجنسيات. كل هذا مستوحى من التاريخ، وهو ما برح حيا للغاية حتى اليوم في اللاوعي الجماعي الروسي.
عندما بدأت العملية Z [2] ، كنت في اسطنبول - روما الثانية. قضيت وقتا طويلاً من جولاتي الليلية المتأخرة حول آيا صوفيا أفكر في العلاقات التاريخية بين روما الثانية وروما الثالثة. و التي تصادف أن تكون موسكو؛ منذ إطلاق هذا المفهوم لأول مرة في بداية القرن السادس عشر.
في وقت لاحق، و بالعودة إلى باريس، بدا أن النفي إلى منطقة المناجاة أمر لا مفر منه، إلى أن أشار علي أحد الأكاديميين ببعض المضمون، على الرغم من تشويهه بشدة بسبب الصواب السياسي، متاحا في مجلة إستوريا/ Historiaالفرنسية. [3]
هناك على الأقل محاولة لمناقشة روما الثالثة. في البداية كانت دلالة المفهوم دينية قبل أن تصبح سياسية؛ حيث تلخص الدافع الروسي لزعامة العالم الأرثوذكسي على عكس الكاثوليكية. يجب فهم هذا أيضا في سياق نظريات القومية السلافية [4] التي ظهرت في عهد رومانوف/ Romanov الأول ثم وصلت إلى أوجها في القرن التاسع عشر.
الأوراسية - وانحرافاتها العديدة - تتعامل مع الهوية الروسية المعقدة على أنها ذات وجهين؛ بين الشرق والغرب. لا تستطيع الديمقراطيات الليبرالية الغربية ببساطة أن تفهم أن هذه الأفكار - التي تغرس أنواعا مختلفة من القومية الروسية - لا تعني العداء لأوروبا "المستنيرة"، بل تأكيدا على الاختلاف (بهذا الصدد؛ يمكن أن يتعلموا قليلاً من قراءة المزيد مع جيل دولوز[5]/Gilles Deleuze ). الأوراسية تؤثر أيضا على توثيق العلاقات والتحالفات الضرورية مع آسيا الوسطى و بدرجات مختلفة، مع الصين وتركيا.
لا يزال الغرب الليبرالي المحير رهينة دوامة من الصور الروسية التي لا يمكنه فك تشفيرها بشكل صحيح. من النسر ذي الرأسين، الذي هو رمز الدولة الروسية منذ بطرس الأكبر، إلى كاتدرائيات الكرملين، وقلعة سانت بطرسبرغ، و دخول الجيش الأحمر برلين في عام 1945، ومسيرات 9 مايو (العرض التالي سيكون ذا مغزى خاص)، وشخصيات تاريخية من إيفان الرهيب/ Ivan the Terrible إلى بطرس الأكبر/ Peter the Great. في أحسن الأحوال - ونحن نتحدث عن "خبراء" على المستوى الأكاديمي - فإنهم يحددون كل ما سبق على أنه صور "ملتهبة ومشوشة".
الانقسام المسيحي / الأرثوذكسي
لا يمكن أيضا فهم الغرب الليبرالي المتجانس على ما يبدو إذا نسينا كيف أن أوروبا، تاريخيا، هي أيضا وحش برأسين: يمكن تعقب رأس واحد من شارلمان/Charlemagne وصولا إلى آلة بروكسل الأوروقراطية[6] Eurocrat المروعة؛ والآخر يأتي من أثينا و روما، عبر بيزنطة / القسطنطينية (روما الثانية) لييصل طول الطريق إلى موسكو (روما الثالثة). لتنتهي كل هذه الطرق عند أبواب موسكو (روما الثالثة).
بالنسبة للأرثوذكس، يُنظر إلى أوروبا اللاتينية على أنها مغتصبة و هجينة، تبشر بمسيحية مشوهة؛ تشير فقط إلى القديس أوغسطين/St. Augustine، و تمارس شعائرا سخيفة. كما تهمل الروح القدس المهم للغاية. و قد اختلقت أوروبا الباباوات المسيحيين ما اعتبر تاريخ بيزنطة المتعدد العناصر؛ حيث كان البيزنطيون في الواقع يونانيين يعيشون في ظل الإمبراطورية الرومانية.
من جانبهم، يرى الأوروبيون الغربيون الأرثوذكس والمسيحيين من الشرق (انظر كيف تخلى الغرب عنهم في سوريا تحت حكم داعش و القاعدة) على أنهم حراس ومجموعة من المهربين، بينما ينظر الأرثوذكس إلى الصليبيين و الفرسان التوتونيين/ the Teutonic chevaliers و اليسوعيون - بشكل صحيح، يجب أن نقول - كمغتصبين بربريين عازمين على غزو العالم.
في القانون الأرثوذكسي، الصدمة الكبرى كانت مع الحملة الصليبية الرابعة عام 1204؛ خبث دمرت القسطنطينية تماما. صادف أن الفرسان الفرنجة قاموا بنزع أحشاء المدينة الأكثر إبهارا في العالم، والتي كانت تجمع في ذلك الوقت كل الثروات من آسيا.
كان هذا هو تعريف الإبادة الجماعية الثقافية. و حدث أن الفرنجة شاركوا أهالي البندقية النهب المتسلسل السيئ السمعة. و لا عجب، فمنذ تلك اللحظة التاريخية فصاعدا، وُلد شعار: "عمامة السلطان أفضل من تاج البابا".“Better the Sultan’s turban than the Pope’s tiara.”
لذلك و منذ القرن الثامن، كانت أوروبا البيزنطية والكارولينجية/Carolingian في حالة حرب فعلية عبر ستارة حديدية من دول البلطيق إلى البحر الأبيض المتوسط (قارنها بالستار الحديدي الجديد الناشئ للحرب الباردة في نسختها الثانية). فبعد الغزوات البربرية، لم يتحدثوا نفس اللغة؛ ولم يمارسوا نفس الكتابة أو الطقوس أو اللاهوت.
هذه القطيعة، طالت بشكل ملحوظ كييف. كان غربها كاثوليكيا. منهم 15٪ من الكاثوليك اليونانيين و 3 ٪ من اللاتين. في الوسط والشرق، 70 ٪ من الأرثوذكس، أصبحوا مهيمنين في القرن 20 بعد القضاء على الأقليات اليهودية من قبل فافن-إس إس / Waffen-SS من غاليسيا، و أسلاف كتيبة آزوف الأوكرانية.
تمكنت القسطنطينية، حتى و هي في حالة تراجع، من تنفيذ لعبة جيوستراتيجية متطورة لإغواء السلاف، حيث راهنت على الموسكوف ضد المجموعة الكاثوليكية البولندية الليتوانية. سمح سقوط القسطنطينية عام 1453 للموسكوف بإدانة خيانة اليونانيين والأرمن البيزنطيين الذين احتشدوا حول البابا الروماني، الذي أراد إعادة توحيد المسيحية بشدة.
بعد ذلك، ينتهي الأمر بروسيا بتشكيل نفسها على أنها الدولة الأرثوذكسية الوحيدة التي لم تقع تحت السيطرة العثمانية. تعتبر موسكو نفسها - بيزنطة - سيمفونية فريدة بين القوى الروحية والزمنية.
أصبحت روما الثالثة مفهوما سياسيا فقط في القرن التاسع عشر - بعد أن وسع بطرس الأكبر و كاترين العظيمة القوة الروسية بشكل كبير. فاندمجت المفاهيم الأساسية لروسيا و الإمبراطورية والأرثوذكسية. هذا يعني دائما أن روسيا بحاجة إلى "الخارج القريب" - وهذا يحمل أوجه تشابه مع رؤية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (التي، هي بشكل لافت، ليست إمبريالية، ولكنها ثقافية).
و نظرا لأن الفضاء الروسي الشاسع كان في تدفق مستمر لعدة قرون، فإن هذا يعني أيضا الدور المركزي لمفهوم التطويق. كل روسي على دراية تامة بالضعف الإقليمي (تذكر، كبداية، نابليون و هتلر). فبمجرد أن يتم التعدي على الحدود الغربية، تصبح الرحلة سهلة على طول الطريق إلى موسكو. وبالتالي، يجب حماية هذا الخط غير المستقر للغاية؛ الارتباط الحالي هو التهديد الحقيقي لأوكرانيا باستضافة قواعد الناتو.
إلى الأمام نحو أوديسا
مع سقوط الاتحاد السوفياتي، وجدت روسيا نفسها في وضع جيوسياسي واجهت آخر مرة في القرن ال 17. وقد قادت عملية إعادة الإعمار البطيئة والمؤلمة من جبهتين: الكي جي بي – لاحقا جهاز الأمن الفيدرالي-والكنيسة الأرثوذكسية. حيث بات التفاعل على أعلى مستوى بين رجال الدين الأرثوذكس والكرملين يقوده البطريرك كيريل/ Patriarch ؛ الذي أصبح فيما بعد وزير الشؤون الدينية لبوتين.
أصبحت أوكرانيا من جانبها محمية فعلية لموسكو في عام 1654 بموجب معاهدة بيرياسلاف/ Pereyaslav: أكثر من مجرد تحالف استراتيجي، كان اندماجا طبيعيا، قيد التقدم على مر العصور من قبل دولتين من السلاف الأرثوذكس.
ثم تقع أوكرانيا تحت المدار الروسي. امتدت الهيمنة الروسية حتى عام 1764، حيث أطاحت كاترين العظيمة بآخر هيتمان(القائد العام للقوات المسلحة) أوكراني رسميا: و حينها أصبحت أوكرانيا مقاطعة تابعة للإمبراطورية الروسية.
كما أوضح بوتين تماما هذا الأسبوع: "لا يمكن لروسيا أن تسمح بإنشاء مناطق معادية لروسيا في جميع أنحاء البلاد". ستشمل العملية Z لا محالة أوديسا، التي أسستها كاترين العظيمة عام 1794.
كان الروس في ذلك الوقت قد طردوا لتوهم العثمانيين من شمال غرب البحر الأسود، الذي كان يديره على التوالي القوط والبلغار والهنغاريين ثم الأتراك وصولا إلى التتار. كانت أوديسا في البداية مأهولة بالسكان، صدقوا أو لا تصدقوا، من قبل الرومانيين الذين شجعهم السلاطين العثمانيون على الاستقرار هناك بعد القرن السادس عشر.
اختارت كاترين اسما يونانيا للمدينة؛ لم يكن في البداية سلافيا على الإطلاق. ومثل سان بطرسبرج، التي أسسها بطرس الأكبر قبل قرن من الزمان، لم تتوقف أوديسا أبدا عن مغازلة الغرب.
في أوائل القرن التاسع عشر، قرر القيصر ألكسندر الأول/Tsar Alexander I تحويل أوديسا إلى ميناء تجاري عظيم؛ طوره الفرنسي دوق ريشيليو/ Duke of Richelieu. فبدأ القمح الأوكراني من ميناء أوديسا يصل أوروبا.و بحلول مطلع القرن العشرين، أصبحت أوديسا حقا متعددة الجنسيات؛ بعد أن اجتذبت، من بين أمور أخرى، عبقرية بوشكين/ Pushkin.
أوديسا ليست أوكرانية: إنها جزء لا يتجزأ من الروح الروسية. وسرعان ما ستعيدها تجارب ومحن التاريخ جمهورية مستقلة؛ جزء من كونفدرالية نوفوروسيا ؛ أو ملحقة بالاتحاد الروسي. سوف يقرر دلك شعب أوديسا. [7]
-------------
[1] في البال: المقالة مناط الترجمة رهن بالإحاطة علما؛ لا بقصد تبني فحواها جملة أو تفصيلا. المترجم.
[2] الحرف Zتحمله الترسانة العسكرية المشاركة في العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا؛ والتي حددت موسكو أهدافها بالقضاء على عسكرتها و على التوجهات النازية بها.
[3] موسكو. أسطورة روما الجديدة. العدد 905 . ماي 2022
Moscou. Le mythe de la nouvelle Rome. N°905 daté mai 2022
حيث أن أسطورة روما الثالثة، من حيث منظورها، و على ضوء القرون، تؤسس للإرادة التوسعية لفلاديمير بوتين وتسمح لنا بفهم سبب اعتبار العاصمة الروسية نفسها دائما حصن الأرثوذكسية بالإضافة إلى أسباب ذلك. و التنافس الشديد بين موسكو وكييف.
https://www.historia.fr/parution/mensuel-905
[4]القومية السلافية هي حركة تبلورت في أواسط القرن التاسع عشر، وهي أيديولوجية سياسية مهتمة بتطوير وتماسك ووحدة الشعوب المتحدثة باللغات السلافية. مارست الحركة تأثيرها الأكبر في بلاد البلقان، حيث حكمت الإمبراطوريات غير السلافية الشعوب السلافية الجنوبية لقرون. كانت أهم القوى العظمى الحاكمة في تلك المنطقة هي الإمبراطورية البيزنطية والنمسا والمجر
[5] تلميح من الكاتب إلى مؤلف جيل دولوز:الاختلاف والتكرار. 2011. Différence et répétition Gilles Deleuze
حيث يشير مفهوم الاختلاف إلى اختلاف ليس فقط بين شيئين، ولا هو مجرد اختلاف مفاهيمي. هل يجب أن نذهب إلى حد الاختلاف اللامتناهي (علم اللاهوت) أم ننتقل إلى سبب معقول (فيزياء)؟ تحت أي ظروف يمكن تكوين مفهوم خالص للاختلاف؟
مفهوم التكرار يعني التكرار ليس فقط لنفس الشيء أو لنفس العنصر. تتطلب الأشياء أو العناصر تكرارا أعمق وإيقاعيا. أليس الفن بحثا عن هذا التكرار المتناقض، كما فكر أيضا كل من كيركجارد و نيتشه..؟ ما هي فرصة أن يتحد المفهومان، الاختلاف الخالص والتكرار العميق ، و كيف يتم تحديدهما؟
[6] الأوروقراطي (مسؤول "أوروبي" و "بيروقراطي") هو "موظف في اللجنة الإدارية للاتحاد الأوروبي" أو على نطاق أوسع ، أي مسؤول في الاتحاد الأوروبي. صاغ المصطلح ريتشارد ماين ، الصحفي والمساعد الشخصي لرئيس اللجنة الأول ، والتر هالستين ، في عام 1961.
هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الأوروقراطيين. أولاً، المعينون السياسيون ، مثل المفوضين الأوروبيين أو أعضاء البرلمان الأوروبي. ثانيا، هناك موظفون أو موظفون مدنيون، أي الموظفون الدائمون الذين يشكلون غالبية المؤسسات الأوروبية. هناك فئتان من موظفي الخدمة المدنية، المساعدين والإداريين. يؤدي الأول أدوار "سكرتارية" بينما يضطلع الأخير بمسؤوليات إدارية أو ذات صلة بالسياسة. الفئة الثالثة هي وكلاء التعاقد. الوكلاء التعاقديون ليس لديهم عقد عمل بنفس شروط المسؤولين. عقد العمل الأول الخاص بهم محدود المدة، وبعد عدة تجديدات فقط يمكن تمديد هذا العقد بشكل دائم. يأتي أعضاء الاتحاد الأوروبي عموما من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. EPSO هي الهيئة الرئيسية التي تختار الموظفين للتعيين في المؤسسات الأوروبية.
في الوقت الحاضر ، أصبح مصطلح Eurocrat يشمل الموظفين من جميع مؤسسات الاتحاد الأوروبي وليس فقط الموظفين من المفوضية الأوروبية.
على الرغم من أن مصطلح Eurocrat قد ينقل دلالات سلبية بالنسبة للبعض، إلا أن المتخصصين في الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، ديدييه جورجاجاكاكيس وجاي رويل، يستخدمون مفهوم الأوروقراطية كوسيلة لوصف وتحليل تفاعلات الفاعلين والمهنيين في الاتحاد الأوروبي. ويكيبيديا.
[7] المصدر على الرابط:
https://www.geopolitika.ru/en/article/clash-christianities-why-europe-cannot-understand-russia
https://thecradle.co/Article/columns/9733

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر