سمك القرش

شريف حتاتة
2022 / 4 / 28

--------------------------
أملك بيتا صغيرا فى قريتى " القضابة " مركز بسيون ، محافظة الغربية . أهرب إليه من القاهرة .. من جوها الخانق وازدحامها ، والكلمات التى نلوكها .
حول البيت حديقة زرعت فيها أشجارا للزينة ، والفاكهة .. وخضراوات وأحواض من الزهور متنوعة الألوان .. ثم أقمت حولها سورا من الجهنمية ، يسمونها دم الغزال لاحمرار ورودها .
فى هذه الحديقة يعمل رجل فلاح اسمه " عبده تليمة " جسمه كالغصن الجاف .. عجوز ومعصوص قبل الأوان .. الفم كالشق ينفتح على أسنان قليلة صفراء .. فى الوجه عينان صغيران تائهان بين الجفون والتجعيدات .. له زوجة تشبهه فى قسمات الوجه والملامح .. مع الزمن ، والآلم ، والشقاء ، تضيع المميزات الأولى للإنسان .. تضيع معها الصحة والعنفوان ، وتطلع العقل ، وجمال الشباب .. ويضيع معها الأمل الذى يولد مع بداية الحياة .. فتصبح الملامح كلها متشابهة ، كالأرض الممسوحة ، الجرباء .. فيها حزن .. وفيها موات .. كالرماد .. وفيها ذلك الاستسلام الفظيع ، لمنْ فقدوا الأيمان بأن ثمة أشياء يمكن أن تتغير فى الحياة .
و " عبده تليمة " رجل كما يقولون طيب غلبان .. وان كان قد دخل معى فى بعض المعارك بذلك الخبث ، والعناد اللذين تولدهما حياة الفلاح .. فقد وجد صعوبة فى التكيف مع نظرتى المختلفة للأشياء فى الزراعة واستصلاح الحقل بطرق غير عادية . ثم إننى المالك ، وهو الفلاح ، لكل منا رغبات ومصالح , ولا سبيل إلى إلغاء الصراع إلا إذا تنازلت عن الفدادين الثلاثة .. وأنا لست مستعدا لهذا الأجراء .. ولكن مع الأيام استقرت بنا الأحوال .. فكل منا يحتاج إلى الآخر ولابد أن ينشأ بيننا السلام .
" ولعبده تليمة " ، ابن أكبر يدعى " مصطفى " .. كان يعمل فى محلج القرية شيّال ، أو فى الورشة ، أو فى أعمال أخرى مشابهة ( على دراعه كما يقولون فى الأرياف ) ، ويتقاضى أجرا مجزيا إلى حد ما .. ربما ستة أو سبعة جنيهات فى اليوم الواحد ، بسبب ندرة الأيدى العاملة بعد أن ذهبت إلى السعودية وليبيا ، والعراق .
ولكنه فى الأيام الأخيرة وجد نفسه بلا عمل مضمون ، لأن المحلج مهدد بالإغلاق .. وكمية القطن التى تسلم للحلج ظلت تنخفض ، إلى أن وصلت إلى ثلث أو ربع الطاقة الأصلية نتيجة قدم الآلآت ، وتدهور القدرة على تحقيق الربح والإنتاج ، والمبالغ المطلوبة للإحلال وإعادة البناء غير متوفرة . ومع ذلك ينفى العاملون بشدة أن هناك ضرورة للإغلاق . ويبدو أن السبب الرئيسى فى القرار المؤجل تنفيذه حتى الآن ، هو إقامة محالج كبيرة متطورة فى كفر الزيات ، وعدد من المدن الأخرى فى غرب ووسط الدلتا .. محالج مزودة بالآلات الحديثة ، واردة من الشركات الأجنبية ، محمولة على مراكب جاءت من خلف البحار .. مدفوع ثمنها بالعملات الأجنبية ، وبالدولار المسمى فى مصر سيد العملات .. وربما من بين الأسباب ، أنه مقابل عمليات الاستيراد توجد إكراميات وعمولات وسفريات إلى بلاد الفرنجة ، الزاخرة بكل ما يطيب فى الحياة .
هكذا قررت هيئة تطوير المحالج أن تقضى على قدرات إنتاجية ، لم يفكر أحد منذ سنين فى تجديدها بحيث يمكن الاستفادة منها ، واستمرارها فى دورة الإنتاج .. كما لم يفكر أحد فى القوة العاملة التى ستصبح عاطلة فى قرية " القضابة " قريتى ، وعدد من القرى المجاورة عند إغلاق المحلج .. قوة عاملة هائلة يصل أفرادها إلى خمسمائة فى المواسم .. ففى بلد ينفجر بالسكان ، لا يفكر أصحاب المصلحة فى القدرات البشرية المتوفرة ، ومشكلات البطالة والحياة .
ولذلك فى السنة القادمة ، من المنتظر أن يضطر خمسمائة من الشبان والشابات إلى البحث عن عمل جديد ، وسط الكساد حتى يوفروا لأنفسهم ولأسرهم ولو جزءاً من الاحتياجات .
هكذا تتمخض التكنولوجيا الحديثة المستوردة من الغرب ، عن خراب جديد يضاف إلى الخراب الموجود ، وعن إهدار لقوى إنتاجية كان يمكن تجديدها .. وعن تبديد لقوى بشرية فى بلد نام ينبغى أن تظل لسنين قادمة عماد الاقتصاد .. خصوصا وأن الأيدى العاملة الشابة تتضاعف ، بينما عاد المصريون بأعداد كبيرة من بلاد النفط .
هكذا تقضى مصالح الشركات الدولية والسماسرة ، على كثير من الوحدات الصغيرة ، والمتوسطة ، بل والكبيرة الحجم ، لأنها أقل من هذه الشركات فى امكانياتها المالية ، والفنية . وهكذا انضم مصطفى تليمة إلى قوة العمل فى الدّوار كما يسمونه المتمسكون بلغة الإقطاع .. ومصطفى شاب ودود قامت بينى وبينه علاقة تفاهم .. فهو لم يعد يحيا مثل أبيه فى أساليب الماضى .. أفرح عندما أراه فى الصباح ، يرفرف جلبابه الواسع حول جسمه االضئيل المشدود كأنه مصنوع من الأسلاك .. أتحدث معه عن مختلف الأشياء عن الكوسة ، والباذنجان ، والفلفل الأخضر ، والبرتقال .. عن طريقة وضع الكيماوى ، عن الأرض الشراقى ، وسقى الأشجار التى زرعناها على شاطىء الترعة أمام الدوّار .. عن الشيح الذى جف فى القصارى لأن جذوره ظلت محبوسة بين الجدران .. وفى بعض الأحيان أمسك بالفأس ، وأعزق وراءه ضاربا بها فى الأرض السمراء .
فى المساء نتحدث عن عمل الغد ، ونستمتع بتلك اللحظات التى يرق فيها الجو ، وتشتعل فيها السماء بالألوان .. ثم أتركه يجمع أدواته ، ويغتسل ، ويصلى استعدادا للرحيل .. بينما أدور أنا حول الحديقة .
فى إحدى الأمسيات ، وأنا سائر نحو البوابة لمحت عم " عبده تليمة " مرتديا جلباب الراحة ، وقد جلس على الشاطىء وإلى جواره أم مصطفى .. كانا يتبادلان حديثا هادئا كأنهما يستمتعان باللحظات الأخيرة فى النهار ..بالنسيم والأشجار فى مكان كان يوما ملقفا للزبالة والقاذورات .. ولكن عندما تنبها لقدومى ، قاما من جلستهما بشىء من الارتباك .. انتظرا حتى خرجت إلى الطريق ثم دلفا إلى الداخل ..
كدت أوقفهما عن الانصراف . شعرت أننى اقتحمت عليهما لحظة نادرة فى الحياة .. ولكنى أدركت أن اللحظة انتهت بظهورى عند الباب .. فأنا المالك وهم الأجراء .. ولا سبيل إلى اجتياز المسافة التى تفصل بيننا .. ولا مكان للإنسانية الحقيقية حيث لا توجد مساواة .
ظننت أن حديثهما كان حديث الاسترخاء .. ولكن فى صباح اليوم التالى عندما طلبت من
" مصطفى " إزالة العليق الذى زحف فى بعض الأركان ، أبلغنى أنه سيغيب لبعض الوقت فى السوق ثم يعود إلى الدوّار.. فصعدت إلى الحجرة العلوية أجلس أمام أوراقى ، وأطل من النوافذ على المساحات ، على النيل يتلوى بين النخيل والأشجار .. رمادى اللون تحت السحاب .. وفى لحظة ما خرجت إلى الشرفة فوجدت " مصطفى " راقدا تحت العشة مشخصا إلى أمه الجالسة إلى جوراه ، كأنه يستمع إلى قصة تحكيها ، وقد استولى عليه الانتباه فهبطت إلى الحديقة لأنبهه إلى أن الوقت يمر ، وأننى أريد منه أن ينتهى من بعض الأعمال قبل سفرى فى اليوم التالى ..
عندما رآنى اقترب ، نهض ورفع الفأس فوق كتفه ، وسار فوق الممشى الذى يدور حول السور من الداخل .. لحقت به وهو يضرب بفأسه فى الأرض وسألته ..
" قلى لى يا مصطفى .. ما بك ؟ .. "
قال : " أبدا " .
فأعدت عليه السؤال :
" لا قل لي .. لابد أن هناك شىء " .
قال : " بعنا الجاموسة "
" لماذا .. ؟ " .
" أصبح علفها غاليا للغاية .. التين .. والفول .. والبرسيم .. " .
قلت وأنا نصف سارح : " سيعوضكم عنها ربنا فى مستقبل الأيام " . ثم تركته وصعدت إلى حجرتى ، إلى الصمت لا يقطعه سوى همس الرياح .. ولكننى لم أستطع أن أستغرق فى الأوراق .. لسبب ما أخذت أفكر فيما حدث .. فى الوجوه .. والملامح .. أن يأتى عم " عبده تليمة " كما كان يفعل فى بعض الأيام ، حاملا طبقا من القشدة أو طاجنا من اللبن يلمع بياضه كالابتسامة فى الوعاء .. أخذ ذهنى يسرح فى الأشياء .. كم من الفلاحين سيبيعون الجاموسة ، وكم من المحالج والمصانع والمفارخ ستغلق أبوابها .. فى قديم الزمان قالوا : " وفى البحر يأكل السمك الكبير الأسماك الصغيرة " . فالشركات الدولية ، والسماسرة ، ومستوردو اللحوم ، واللبن الجاف ، والآلات ، لا تهمهم معاناة البشر ولا يعرفون الرحمة ..
لذلك يغلق المحلج فى قرية " القضابة " .. وتغلق المفارخ .. فقد اختفت الذرة الصفراء حتى يمهد الطريق أمام مستوردى الفراخ ..
ولهذا تبيع أسرة " تليمة " جاموستها فى سوق الثلاثاء .. فأصعد أنا إلى حجرتى لأكتب هذه اليوميات ، ويظل هو يدفع ثمن الكلمات ..
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
----------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان