أقلام تأكل على كل الموائد

محمد فُتوح
2022 / 4 / 28

لا أدري ، هل تلك "الظاهرة" التي لاحظتها ، في الصحافة المصرية، تشغل بال قافلة الإعلام المقروء في مصر .. أم أنها تمر مرور الكرام ، مثل أشياء كثرة في حياتنا ؟ .
من دراستي الأكاديمية ، تعلمت ، أن صفة "الظاهرة" ، لا تطلق لمجرد بعض الملاحظات في الواقع , والتي يمكن أن تتكرر بحكم ظروف سياسية ، وثقافية ، وإجتماعية ، معينة .
لكنها ، مع ذلك ، لا يصح أن نطلق عليها صفة "الظاهرة" ، حيث يكون "التعميم" هنا، خطأ علمياً ، وإجتماعياً وثقافياً ، ومنطقياً. حيث يقود إلى إستنتاجات مغلوطة أو غير دقيقة ، ولا تتسم بالحد الأدنى ، من الموضوعية المطلوبة في العلم ، وفي دراسة الواقع ، الذي نحن بصدد تشخيص مشكلاته ، وتخيل الحلول الملائمة المبدعة له.
لقد تابعت على مدى عدة أشهر ، عدداً كبيراً ، ومتنوعاً ، من المطبوعات الصحفية (مجلات وجرائد يومية أو أسبوعية ) في مصر ، الاعلام المقروء.
وبناء عليه ، فإنني أقرر بضمير علمي واثق، ومسئول عما يكتبه، أن ملاحظاتي تدخل في سياق ، ما يطلق عليه "الظاهرة".
و"الظاهرة" التي أقصدها ، هي ، "الفوضى" ، و"اختلاط الأوراق" ، و"التشوش" ، و "اللخبطة" ، التي أصابت ألأقلام التي تكتب في الصحافة المصرية، وتمتد إلى الصحافة العربية بشكل عام.
ما أعنيه ، هو أنني أجد صاحب قلم ، صحفياً أو كاتباً ، له عمود في جريدة تسمى نفسها "مستقلة" .. وأجد له عموداً أخر ، في مجلة تسمى نفسها "غير مستقلة" .. وأجد له صفحة في جريدة تسمى نفسها "معارضة" .. وأجد له، زاوية في جريدة تسمى نفسها "ليبرالية" .. وأجد له، ركناً في مطبوعة عربية (غير مصرية) تسمى نفسها "إسلامية" ..
وهذا ينطبق أيضاً ، على ، الإعلام المرئي .. حيث نشاهد بعض الصحفيين ، والكتاب، والفنانين ، يقدمون برامج إعلامية ، في قنوات أرضية ، وفضائية ، ومصرية ، وعربية ، متناقضة التوجه .. متضاربة الإنتماء .. مشوشة الهوية..
نرى هؤلاء ، يقدمون برامج "ليبرالية" .. "علمانية" التوجه .. وفي برامج أخرى ، على قنوات أخرى ، يقدمون براج "دينية" إسلامية" التوجه.
على المستوى الشخصي ، أعرف بعض الزملاء ، المعروفين بإيمانهم المستميت بالإشتراكية، وكم بفخرون بأنهم يدروكون مدى فساد واستغلال وعنف ، طبقة أصحاب رؤوس الأموال. لكنهم يكتبون أسبوعياً ، أو يومياً ، في جرائد تعلن انها "رأسمالية الجذور .. والتوجه .. والإنتماء".
أنا شخصياً ، لا أعرف ما هي الفروق الجوهرية , الجذرية , بين اليافطات التي تعلقها بعض المجلات والجرائد.
"مستقلة" .. "معارضة" .. مثلاً، ما الفرق بين ، جريدة مطبوع عليها ، بادج "مستقلة" .. وجريدة مطبوع عليها بادج "معارضة"؟!.
هل "الإستقلال" .. و"المعارضة" .. شيئان تماما مختلفان .. أم أنهما ملتحمان ؟ . هل "الليبرالية" .. و"الإسلامية" .. أو "الدينية" , ضدان , أم مترابطان ؟ .
قد تبدو هذه التساؤلات ، لدى البعض ، ساذجة ، وإجاباتها سهلة ، وحاضرة.
وأنا أوافقهم الرأي .. المفروض أقول "المفروض" ، أن الفروق الجوهرية ، والجذرية , بين الإنتماءات الأيديولوجية ، المختلفة ، تكون واضحة. وهي فروق ، موجودة في أي كتاب بسيط أولى ، في مبادئ العلوم السياسية.
لكن "المفروض" ، في أغلب الأحوال ، شئ .. و "الواقع" ، شئ آخر تماماً. خاصة في المجتمعات العربية، حيث "الضباب" ، يغلف كل الآشياء، والمعاني ، والإنتماءات.
من متابعة لعدة أشهر ، للعديد من المطبوعات في الصحافة المصرية ، أقول أيضاً ، أن هناك "قلة" ، تعد على أصابع اليدين، التي لا يشوبها هذه الفوضى واللخبطة، والتشوش ، واختلاط أوراق الإنتماء السياسي.
تقود هذه "الظاهرة"، الخطيرة في رأيي ، إلى نتيجة من اثنتين ، أو كلتاهما، وكل منهما أسوأ من الأخرى ، ولها دلالاتها الإجتماعية المرضية.
النتيجة الأولى المنطقية ، أنه في حقيقة الأمر، لا توجد فروق"جوهرية" "جذرية" من الناحية الأيديولوجية، بين اليافطات الإعلامية المتناقضة المعلقة على المجلات والجرائد.
فما يصلح أن يكتب هنا .. يصلح أيضا أن يكتب هناك ، رغم تناقض اليافطة الإعلامية ، بين هنا ، وهناك ، وبالقلم نفسه وبالإمضاء نفسه من صاحب العمود أو المقال .. أو الركن .. أو الزاوية.
وهذا يشير بالتالي ، الى أن تلك اليافطات الإعلامية ، ما هي إلا نوع خطير من أنواع "الكذب الإعلامي" ، الذي يجذب الناس من واقع ضاغط ، ويعطيهم الوهم الجميل ، أنهم أمام شئ مختلف جوهرياً وجذرياً تماماً .. لكن النتيجة الواقعية أو الحقيقة الوحيدة المستهدفة، هي زيادة أرباح توزيع المطبوعة التي تعلق ياقطات جريئة .. ثورية .. وطنية .. غير مألوفة.
النتيجة الثانية المنطقية ، هي "النفاق الإعلامي" .. من جانب الأقلام التي تأكل على كل الموائد .. وتوقع أسمها على صفحات جميع المطبوعات متضاربة اليافطات.
هذا "النفاق" الإعلامي ، المنتشر كالذباب في الصحافة ، ليس بالضرورة يمارسه الكاتب أو الصحفي ، بشكل واعي .
البعض ، بالطبع ، يمارسونه بطريقة واعية . لكن البعض يمارسونه لأنهم ببساطة ، يفتقدون البناء الداخلي للشخصية "الحقيقية" . وفي الوقت ذاته ، مغيبون وعاجزون عن التمييز بين اليافطات الإعلامية المتضاربة.
لكن هذا بالطبع، ليس مبرراً لـ ممارستهم الإعلامية "المنافقة".
ان رغبتهم في تغيير هذا السلوك ، المنافق ، غير المدرك للفروق الجوهرية ، الجذرية بين الأيدولوجيات ، كفيلة ، بإحداث التغير ، وتطهير داخلهم من التشوش ، والبدء في بناء "شخصية" ، "حقيقة" ، صادقة ، لا تحيد عن مبادئها وقناعتها ، وإيمانها بأي نوع من الإيدولوجية.
نوع الأيدولوجية ، أو اليافطة لا تهم. الذي يهم حقاً هو الصدق ، والإتساق ، وعدم الرقص على الحبال ، مثل المهرجين واللاعبين في السيرك.
تماماً .. مثل اليافطة المعلقة ، على باب الشقق من الخارج.
اليافطة مهما كان المكتوب عليها ، عظيماً ، ومنقوشاً بماء الذهب ، تصبح مزيفة .. كاذبة .. هشة ، ما لم يكن العلاقات السائدة داخل الشقة بين أفرادها ، علاقات حقيقية .. صادقة .. متسقة . وليست علاقات بهلوانية .. من الخارج تخدع وتعوض عن المفقود ، ومن الداخل تخفى المصائب ، والكذب والقمع والقنابل الموقوتة .
من كتاب " استلاب الحرية باسم الدين والأخلاق "

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار