يغذى الدودة فى الحجر

شريف حتاتة
2022 / 4 / 24

إنه يغذى الدودة فى الحجر
--------------------------------------

ذلك اليوم توجهنا قرب الساعة التاسعة صباحا إلى مبنى السفارة الأمريكية , حتى نقوم بتقديم الأوراق اللازمة للحصول على فيزات السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية . فمنذ أحداث 11 سبتمبر تصر السلطات القنصلية على إجراء مقابلة مع الذين يستعدون للسفر إليها .
هبطنا من سيارتنا " الاسكودا " , نوال وأنا , وسرنا مسافة قصيرة على أقدامنا لنصل إلى الأبواب الحديدية للاستقبال الخارجى الذى يقود إلى القسم القنصلى .
كان الجو جميلاً ، والشوارع مغسولة فى هذا الحى الأجنبى من المدينة الذى وهبه الاحتلال الإنجليزى اسم " جاردن ستى " , وكانت أوراق الشجر ترقص فى ضوء الشمس فتلكأنا قليلاً نستمتع بالجو ، بدأ يصفو مع قدوم الشتاء ، وانقشاع " السحابة السوداء " التى ابتلى بها خريفنا فى السنين الأخيرة .
كلما مررت بحى " جاردن ستيى " عادت إلى ذكريات قديمة . أيامى فى كلية طب قصر العينى ، الدراجة التى كنت أمتطيها سائراً على الطريق الممتد بين نادى الجزيرة ،
وكوبرى " قصر النيل " لأستكمل مشوارى إلى مستشفى قصر العينى ، ماراً تحت الأشجار العالية مازالت ترفع قامتها منذ نصف قرن ، موحية بالأصالة ، والقدرة على مواجهة العواصف التى مررنا بها .
اجتزنا الأبواب الحديدية ، والحديقة الصغيرة . قدمنا أوراقنا فى " الشباك " وأجبنا على الأسئلة الخاصة بزيارتنا ، ثم عدنا أدراجنا خارجين من المبنى المغلق إلى الصالة المفتوحة قرب البستان . ونحن نجتاز صفوف المقاعد التفت إلينا أحد الجالسين ، وألقى ناحيتنا بابتسامة . لمحت أسنانه البيض فى الوجه الأسمر ، مثل قبس من النور والتفاؤل ، وسط الوجوه الواجمة المتراصة تنتظر نداء الميكروفون .
قالت " نوال " :
" ألمحت الشاب الذى ابتسم إلينا ؟ ، هيا ننتقل إلى جواره لنتحدث معه ، إنه يبدو ظريفا ، أليس كذلك ؟ " . ودون أن تنتظر حتى أجيب اتجهت ناحيته وجلست على بعد قليل منه ، تاركة مقعداً خالياً بينهما ، ثم أشارت لى لكى أنتقل إلى جواره .
تأملته وهو يجيب على أسئلتها . فى لحظات كانت تبدو عليه الجدية ، والتأمل العميق ، وفى لحظات أخرى تشرق ابتسامته وتشع من وجهه بسعادة الطفل البرىء . عيناه سوداوان فيهما بريق . يتكلم ويضحك ويحرك يديه ، وجسمه بحيوية . لم أشعر بأى تصنع فى كلامه . ابن يخاطب أمه وأباه فى هذه الجلسة الطارئة التى جمعته بنا ، وهو على وشك الرحيل ، تاركاً ما عاشه وراءه . رأى الدكتورة " نوال " على شاشة التليفزيون فى برنامج ( حوار صريح جدا ) ، فأعجب بالشجاعة التى أجابت بها . ضحك ثم أضاف ( وبشكلها وشعرها الأبيض ).
سألناه فحكى . سنه ستة وعشرون عاما , وهو أصغر الأولاد لأم و أب أنجبا ثلاث عشرة من الأبناء ، والبنات . تخرج من معهد الخدمة الاجتماعية فى القاهرة ، وظل يبحث عن عمل . أخذ قرضاً من شقيقه الأكبر ، استثمره فى شراء شقة ليبيعها يثمن يربح منه أربعة أو خمسة آلاف من الجنيهات . لكن بعد أن اشتراها من صاحب العمارة اكتشف أنها أقيمت بطريقة غير قانونية ، وآخذ ينتقل من قضية إلى قضية إلى أن فقد كل شىء . يقول : " البلد كلها فساد " .
بعد ذلك ظل يبحث عن عمل ، لكن دون جدوى . طرق جميع الأبواب ، وحاول أن يقتات بأى وسييلة لكنه فشل . " كنت انتقل بين بيوت أخواتى الكبار لاتناول الطعام ، فأشعر بالمهانة تأكل فى نفسى . تصورا شابا مثلى عنده قدرات لكنه بلا عمل ، بلا نفع لأحد ، ثم يحدثوننا عن الإنتماء للوطن . أين هو هذا الوطن الذى لا يستطيع أن يطعم أبناءه ، أن يجد لهم عملاً ؟!! . أصبت بإكتئاب شديد وأصبحت لا أخرج من بيتنا . أبقى النهار بطوله أمام التليفزيون فلا أحد يحتاجنى . أحسست أننى سأنفجر . عدت إلى التسكع فى الشوارع ، إلى الانتقال بين بيوت إخوتى كالمتسول . أحياناً التقط قوت يومى بوسائل شاذة لكنى قاومت حتى لا نزلق فى هذا الطريق بلا رجعة . فى يوم من الأيام كنت جالساً فى البيت مستغرقاً فى التفكير . تساءلت بينى وبين نفسى : " أين الله سبحانه وتعالى الذى أؤمن به ؟ كيف يتركنى هكذا ؟ لكنى لن أكفر به فبدونه لن أستطيع أن أعيش . بدونه سأنتحر " . فى تلك اللحظة اقتربت منى أمى ، ربتت على خدى وسألتنى :
" مالك يا ابنى " .
قلت :
" ألا ترين الحالة التى أنا فيها . كيف أستطيع أن أستمر هكذا ؟ " .
قالت :
" ما عليك ، ربك لا ينسى عباده المؤمنين به ، اتركها له ، ولا تعذب نفسك ، إنه يغذى الدودة فى الحجر " .
" ترسبت جملتها هذه فى أعماقى . قررت أن أترك كل شىء له . أصبحت أخرج مع أصدقائى . أقضى اليوم فى المقهى ألعب " الطاولة " و " الدومينو " ، نثرثر ونحكى النكات ونعاكس البنات اللاتى تمررن أمامنا . قررت أن أكف عن التفكير تماماً بعد أن أوصلنى إلى حافة الجنون . فأنا لست إنساناً خاملاً ، أنا ملىء بالنشاط وبالرغبة فى أن أنجز ما يملأ حياتى .
بعد هذا الحديث مع أمى بأسبوعين كنت جالساً فى المقهى وحدى . اقترب منى أحد أصدقائى وجلس ثم همس فى أذنى : " أريد أن أعرض عليك صفقه . أحد أصدقائى قال لى أن هناك رجلاً معه ثلاثون ألفاً من الدولارات يريد أن يبيعها فى السوق السوداء . ما رأيك فى أن تبحث معى عن مشتر ؟ , إذا استطعت أن تتصرف فى هذا الموضوع سيكون لك عمولة " .
فكرت فى العرض ثم وافقت عليه . كنت أعرف شخصاً يتاجر فى العملة ، وبعد أيام أتى إلى صديقى بالمبلغ ، وانتظر على المقهى حتى عدت بما حصلت عليه من جنيهات مصرية . اقتسمنا المكسب ، وأصبح عندى مالا . لم تستغرق هذه العملية دقائق ربحت فيها ما لم أربحه فى حياتى ".
قلت :
" لكنك غاضب على الفساد ، وتقول إنك مؤمن بالله سبحانه وتعالى . فكيف توفق بين ما فعلته وما تقول إنك مؤمن به ؟ " .
قال دون تردد :
" هذه الصفقة أرسلها الله عندما اوقفت عن التفكير ، وقررت أن أتوكل عليه . عندما أمنت به حقاً أنقذنى . ثبت أن المثل الذى رددته أمى صحيح " يغذى الدودة فى الحجر " . فأنا الدودة التى أطعمها الله وهى فى الحجر " .
قلت :
" عن طريق المتاجرة بالعملة ؟ ! "
قال :
" هذه إرادته ، فهو الذى أرسل الصديق بالدولارات . أنا لم أسع إلى شىء . لكنه الله بعث بالحل ، و الآن أستطيع أن أسافر ، أن أدفع مصاريف الفيزا والطائرة و ألحق بأخر الذى يعمل هناك " .
قلت :
" كيف " ؟ .
قال :
" أرسل لى خطابا من إحدى شركات الملابس سأعمل فيها : أعرف أن الحياة هناك ليست سهلة لكننى سأعمل . أخر يبيع مأكولات فى شوارع " نيويورك " . فى الشتاء عندما يكون البرد قارصاً تتجمد قدماه ، ويصبحان مثل كتلتين من الثلج لأنه يرفض أن يحتسى الخمر حتى تتدفق الدماء فى أطرافه مثلما يفعل زملاؤه . يذهب إلى البيت فى الصباح ويغرق قدميه فى الماء الساخن حتى لا يغضب ربه . لكن هناك توجد فرص . وأنا واثق من قدر قدراتى ولابد أن أنجح .
صدر من الميكروفون صوت نسائى ينطق الأرقام بلكنة أمريكية فقال :
" هذا رقمى ، أستأذنكما " ثم قام واتجه نحو الصالة الداخلية . عند المدخل استدار وألقى ناحيتنا بابتسامته المشرقة . رفع يده فى الهواء ولوح إلينا كالمسافر على ظهر سفينة أخذت تبتعد عن الشاطىء .. ثم استدار واختفى كمن يلقى وراءه بمرحلة من حياته .
--------------------------------------------------------
من كتاب ( يوميات روائى رحال ) 2008

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان