مارتن هايدغر، روسيا، و الفلسفة السياسية.

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 4 / 22

ليونيد سافين(1)
Leonid Savin

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي. (2)
zawinour@gmail.com

قوبلت أعمال مارتن هايدغر مؤخرا باهتمام متزايد في عدد من البلدان. في حين أن تفسيرات نصوصه تتنوع على نطاق واسع، فمن المثير للاهتمام أن إرث هايدغر يتعرض لانتقادات مستمرة من قبل الليبراليين في جميع المجالات، بغض النظر عن مكان النقد وموضوعه. سواء كان ذلك عمل هايدغر كأستاذ جامعي، أو اهتمامه بالفلسفة اليونانية القديمة و التفسيرات ذات الصلة بالعصور القديمة، أو علاقته بالنظام السياسي في ألمانيا قبل وبعد عام 1945. فيتولد لدى المرء انطباع بأن الليبراليين يسعون عن قصد إلى شيطنة هايدغر وأعماله، ومع ذلك فإن عمق فكر هذا الفيلسوف الألماني وغوره لا يعطيانهم أي انقطاع. من الواضح أن هذا يرجع إلى أن أفكار هايدغر تحمل رسالة ذات صلة بإنشاء مشروع ليبرالي مضاد يمكن تحقيقه بأشكال متنوعة. هذه هي فكرة الدازاين المطبقة على منظور سياسي. سنناقش هذا بمزيد من التفصيل أدناه، ولكن من الضروري أولاً الشروع في رحلة قصيرة من تاريخ دراسة أفكار مارتن هايدغر في روسيا.
في الاتحاد السوفيتي، لم تكن أفكار مارتن هايدغر معروفة لعامة الناس، يرجع ذلك أساسا إلى أن ذروة أنشطته تزامنت مع الحكم النازي في ألمانيا. فقد انتقد هايدغر بعينه، مثل العديد من أيديولوجيين الثورة المحافظة في ألمانيا؛ العديد من جوانب الاشتراكية القومية، لكن في الحقبة السوفيتية كانت أي فلسفة لا تتبع التقليد الماركسي تُعامل على أنها بورجوازية، وكاذبة، وضارة. ربما يكون الاستثناء الوحيد هو عمل فلاديمير بيبيخين/Vladimir Bibikhin ، فبالرغم من أن ترجماته لكينونة هايدغر؛ الزمان والكينونة نُشرت في روسيا فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. و علاوة على ذلك، فقد تم انتقاد هذه الترجمات مرات عديد لكونها مبسطة للغاية في النهج، مع تفسيرات اصطلاحية غير صحيحة، وأخطاء لغوية، وما إلى ذلك. تم تسليم دورات محاضرات بيبيكين في وقت مبكر عن هايدغر في جامعة موسكو الحكومية فقط في 1990-1992، أي خلال أواخر البيريسترويكا عندما كانت تتوسع آفاق ما هو مسموح به في الاتحاد السوفياتي.
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن دائرة من أتباع أفكار مارتن هايدغر قد تشكلت في المجال الأكاديمي بموسكو في الثمانينيات. كما ظهر وضع مماثل في سانت بطرسبرغ، لاحقا سيجد له تجليا في أنشطة الترجمة والنشر.
وبدءا من أواخر التسعينيات، بدأت ترجمة ونشر أعمال أخرى لهذا المفكر الألماني. فقد تحسنت جودة الترجمات بشكل كبير (وقد قام بها مؤلفون مختلفون)، وبدأ تدريس إرث هايدغر في جامعات روسية مختلفة. و أصبحت المفاهيم الفلسفية الرئيسية لهايدغر إلزامية للطلاب في كليات الفلسفة. ومع ذلك، فإن دراسة الأفكار الفلسفية لا تعني أن الطلاب سيصبحون فلاسفة أو أن يحتكموا لبعض هذه المفاهيم فيما يتعلق بالعمليات السياسية. تمت دراسة أفلاطون وأرسطو على مقاعد المدرسة في وقت مبكر، ولكن من الذي يشارك بجدية في استخدام هؤلاء الفلاسفة لأفكار اليونان القديمة في مناقشة القضايا الاجتماعية والسياسية اليوم؟
بدأ الاهتمام بأفكار مارتن هايدغر في سياق السياسة الروسية في أوائل عام 2000 من خلال المقالات والعروض التقديمية المختلفة للفيلسوف والجيوسياسي الروسي ألكسندر دوغين/Alexander Dugin.
في وقت لاحق، تم تنظيم هذه المواد وتقديمها في نصوص ضخمة. في عام 2010، أصدرت دار النشر "Academic Project" كتاب ألكسندر دوغين، مارتن هايدغر: فلسفة بداية أخرى/ Martin Heidegger: The Philosophy of Another Beginning ، و الذي نجح منطقيا في العام التالي بواسطة مارتن هايدغر: إمكانية فلسفة روسية/ Martin Heidegger: The Possibility of a Russian Philosophy. في عام 2014، تم إصدار كلا العملين من قبل نفس دار النشر في مجلد واحد بعنوان: مارتن هايدغر الاله الأخير/ Martin Heidegger The Last God . يرتبط تفسير دوغين لأفكار هايدغر بتاريخ الأفكار الروسية، والمسيحية الأرثوذكسية، و المسار الخاص لتنمية الدولة بما في ذلك نظرية الأوراسية.
وغني عن القول، إن سرد عقيدة هايدغر الفلسفية في مطبوعة دورية قصيرة سيكون بلا معنى. تم نشر المئات من المجلدات في ألمانيا وحدها والتي تتضمن مؤلفات كاملة ومحاضرات ومذكرات. بالنسبة لنطاقنا، دعونا نركز فقط على بعض الأحكام التي، في رأينا، قابلة للتطبيق في سياق سياسي.
أولاً، من الجدير بالذكر أن هايدغر استخدم العديد من الاصطلاحات الجديدة لوصف تطور الزمان والكينونة. أحد هذه المفاهيم الرئيسة هو الدازاين/Dasein ، والذي غالبا ما يُترجم على أنه ""الوجود هنا" (3). ترجم الفيلسوف الفرنسي هنري كوربن / Henry Corbin هذا المصطلح على أنه "واقع بشري"، ولكن من أجل فهم حقيقي وكامل، من الأفضل ترك هذا المصطلح والعديد من مصطلحات هايدغر دون ترجمة. يجب تقديمها في النص الأصلي جنبا إلى جنب مع شيء مماثل بلغة الشخص الأم. على سبيل المثال، يعبر das Man في الدازاين الأصيل الذي وقع في الابتذال، بينما في الوجود الأصيل، للدازاين خاصية كونه نحو الموت - Sein zum Tode - والذي يمثل الرعب الأساسي. الإرهاب في مواجهة الخوف، الذي يشبع العالم بالأشياء الخارجية والعالم الداخلي بمخاوف فارغة. من المثير للاهتمام أن نلاحظ في هذا الصدد حقيقة أن السياسات الغربية الحديثة والليبرالية على هذا النحو مبنية على الخوف. يعود هذا الاتجاه إلى قرون مضت ويرتبط ارتباطا مباشرا بتشكيل الفلسفة الغربية (الأوروبية).
دعونا نضيف أن خاصية أخرى من خصائص الدازاين هي المكانية، حيث أن الفضاء يعتمد على الدازاين، بينما من ناحية أخرى فهو ليس دالة للزمن. يوجد الدازاين بشكل مشروط بين الخارجي والداخلي، والماضي والحاضر، والهامش واللحظة. للدازاين معايير وجودية - الوجود في العالم (In-der-Welt-Sein)، الوجود (In-sein)، الوجود مع (Mit-sein)، الرعاية (die Sorge)، القذف (Geworfenheit)، Befindlichkeit (التناغم، اللطف، الميل)، الخوف (Furcht)، الفهم (Verstehen)، الخطاب (Rede)، والمزاج (Stimmung).
عنصر آخر مهم في فلسفة هايدغر هو الأوجه الأربعة التي تشمل السماء؛ و الإلهيات و الأرض و البشر ؛ والتي تم تصويرها بالطريقة التالية: السماء في أعلى اليسار، الآلهة (الخالدون) في أعلى اليمين، البشر في أسفل اليسار، والأرض في أسفل اليمين. يعمل محور بين الناس والآلهة وآخر بين السماء والأرض. مركز الرباعي هو السبيل الأكثر أصالة لوجود الدازاين.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن هايدغر يميز بين الماضي وما مضى، وما هو حاضر وما هو الآن، والمستقبل وما هو قادم. الدازاين ، وفقا لهايدغر، يجب أن يتخذ خيارا أساسيا بين المستقبل و القادم، أي اختيار الوجود الحقيقي والمواجهة المباشرة (سين /Seyn). عندها سوف سيصبح القادم هو المستقبل. إذا اختار الدازاين وجودا غير أصيل، فإن القادم سيكون وشيكا فقط، وبالتالي لن يأتي إلى حيز الوجود.
عند وصف كل هذه العناصر في فلسفة هايدغر بالتفصيل، طرح ألكسندر دوغين سؤالاً: هل يمكن للمرء أن يتحدث عن دازاين روسي معين؟ ما هي تمظهراته؟ بماذا يختلف عن الدازاين الأوروبي؟ توصل دوغين إلى استنتاج مفاده أنه يوجد دازاين روسي خاص، وليس دازاين روسي فقط، لأنه في قلب كل حضارة يكمن "حضور فكري" خاص، وهذا الدازاين، هو الذي يحدد بنية لوغوس حضارة معينة. على النحو التالي، لكل شعب (حضارة) مجموعته الخاصة من الوجود.
وهنا يمكننا أن نجد البعد السياسي للدازاين كما يراه دوغين في المفهوم المقترح للنظرية السياسية الرابعة.
ركز دوغين على ثلاث نظريات سياسية زُعم أنها عالمية - الليبرالية والماركسية والفاشية (الاشتراكية القومية). كل منهم لديه موضوع في التاريخ.
أثبتت التجربة التاريخية أن العالم الليبرالي الغربي حاول أن يفرض إرادته بالقوة على الآخرين. وفقا لهذه الفكرة، فإن جميع الأنظمة العامة للأرض هي متغيرات من النظام الغربي - الليبرالي - ويجب أن تختفي سماتها المميزة قبل اقتراب نهاية هذه الحقبة العالمية.
يقول جان بودريلار/ Jean Baudrillard أيضا أن هذا ليس صراع حضارات، ولكنه تقريبا مقاومة فطرية بين ثقافة عالمية واحدة متجانسة وأولئك الذين يقاومون هذه العولمة.
بصرف النظر عن الليبرالية، اشتهرت أيديولوجيتان غيرها بمحاولتهما تحقيق السيادة العالمية: وهي الشيوعية (أي الماركسية في جوانبها المختلفة) والفاشية / الاشتراكية الوطنية. كما لاحظ ألكسندر دوغين، ظهرت الفاشية بعد الأيديولوجيتين واختفت قبلهما. بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، فقدت الماركسية التي ولدت في القرن التاسع عشر/19م مصداقيتها بالتأكيد. ظهرت الليبرالية القائمة بشكل أساسي على الفردانية والمجتمع الذري، وظهرت حقوق الإنسان والدولة-ليفياثان الدولة التي وصفها هوبز بسبب الحرب الشاملة/ bellum omnium ضد الكافة/ omnes و استمرت لفترة طويلة.
من الضروري هنا تحليل علاقة الأيديولوجيات المذكورة في سياقات الأزمنة والمواقع المزامنة التي نشأت فيها.
نحن نعلم أن الماركسية كانت فكرة مستقبلية إلى حد ما ؛ تنبأت الماركسية بالنصر المستقبلي للشيوعية في زمن ظل غير مؤكد. في هذا الصدد، إنها عقيدة تبشيرية، بالنظر إلى حتمية انتصارها، والتي من شأنها أن تكون بمثابة تتويج ونهاية للعملية التاريخية. لكن ماركس كان نبيا كاذبا ولم يتحقق النصر أبدا.
على العكس من ذلك، حاولت الاشتراكية القومية والفاشية إعادة خلق وفرة العصر الذهبي الأسطوري، ولكن بشكل حداثي. كانت الفاشية والاشتراكية الوطنية محاولات للدخول في دورة زمنية جديدة، و وضع الأساس لحضارة جديدة في أعقاب ما كان يُنظر إليه على أنه تدهور ثقافي وموت الحضارة الغربية (وبالتالي على الأرجح فكرة الألف عام من الرايخ). كان هذا فاشلا أيضا.
الليبرالية أعلنت (مثل الماركسية) نهاية التاريخ، والتي وصفها بشكل مقنع فرانسيس فوكوياما/ Francis Fukuyama (في كتابه نهاية التاريخ والرجل الأخير). هذه الغاية، مع ذلك، لم تحدث قط. ولدينا بدلاً من ذلك "مجتمع معلومات" شبيه بالرحل يتألف من أفراد أنانيين ذريين، يستهلكون بشغف ثمار الثقافة التقنية. علاوة على ذلك، تحدث انهيارات اقتصادية هائلة في جميع أنحاء العالم. و تحدث صراعات عنيفة (العديد من الثورات المحلية، ولكن أيضا حروب طويلة الأمد على نطاق دولي) ؛ وهكذا تسيطر خيبة الأمل على عالمنا بدلاً من اليوتوبيا العالمية الموعودة باسم "التقدم".
من هذا المنظور التاريخي، بالإمكان فهم الصلات بين ظهور أيديولوجية في حقبة تاريخية معينة ؛ أو ما يسمى زايتجايست/ zeitgeist أو "روح العصر" (4)
ترى الفاشية والاشتراكية القومية أسس التاريخ في الدولة (الفاشية) أو العرق (الاشتراكية القومية الهتلرية). بالنسبة للماركسية كانت الطبقة العاملة والعلاقات الاقتصادية بين الطبقات. من ناحية أخرى، ترى الليبرالية التاريخ من منظور الفرد المنفصل عن مجموع التراث الثقافي و الاتصال الاجتماعي و التواصل. ومع ذلك، لم يعتبر أحد موضوع التاريخ كوجود، مع كل ثراء الروابط بين الثقافات والتقاليد والسمات العرقية والنظرة العالمية.
إذا أخذنا في الاعتبار البدائل المختلفة، فقد تبنت حتى الدول "الاشتراكية" اسميا آليات وأنماطا ليبرالية مما أبان عن المناطق ذات الأسلوب الحياتي التقليدي و هي تعجل التحول فالتدهور ثم الانهيار التام. كان تدمير الماركسية للفلاحين والدين والأسرة من مظاهر هذا الاضطراب للمجتمعات العضوية التقليدية، سواء في الصين الماوية أو الاتحاد السوفيتي تحت حكم لينين وتروتسكي.
يمكن فهم هذه المعارضة الأساسية للتقاليد المتجسدة في كل من الليبرالية والماركسية من خلال طريقة التحليل التاريخي المذكورة أعلاه: لقد نشأت الماركسية والليبرالية من نفس روح العصر؛ أي من روح المال، في حال هذين المذهبين.
تظهر الآن عدة محاولات لخلق بدائل لليبرالية الجديدة. مع ساسة الشيعة في إيران؛ حيث هدف الدولة الرئيسي هو تسريع وصول المهدي. و مراجعة الاشتراكية في أمريكا اللاتينية (الإصلاحات في بوليفيا هي دلالة بشكل خاص). ومع ذلك، فإن هذه الردود المعادية لليبرالية تبقى محصورة داخل حدود الدولة الواحدة.
اليونان القديمة هي مصدر جميع النظريات الثلاث للفلسفة السياسية. من المهم أن نفهم أنه في بداية الفكر الفلسفي استرعى الإغريق السؤال الأساسي عن الوجود. ومع ذلك، فقد خاطروا بالتعتيم بسبب الفروق الدقيقة في العلاقة الأكثر تعقيدا بين الكينونة والتفكير، بين الكينونة الخالصة (سين/ Seyn) والتعبير عنها في الوجود (سايندي/ Seiende)، بين الكائن البشري (الدازاين/ Dasein) والوجود في ذاته (ساين/ Sein).
من الجدير بالذكر أن ثلاث موجات من العولمة كانت محصلة طبيعية للنظريات السياسية الثلاث المذكورة أعلاه (الماركسية والفاشية والليبرالية). نتيجة لذلك، نحتاج من بعدها إلى نظرية سياسية جديدة من شأنها أن تولد الموجة الرابعة: إعادة تأسيس (كل) شعب بقيمه الأبدية. بمعنى آخر، سيكون الدازاين/ Dasein موضوع التاريخ. وكل شعب لديه دازاين خاص به. وبالطبع، بعد الاعتبار الفلسفي اللازم، يجب أن يستمر العمل السياسي.
دعونا نواصل النقاش الحالي حول أفكار هايدغر في روسيا في سياق السياسة. من الجدير بالذكر أنه في روسيا في عام 2016، تم نشر دفاتر ملاحظات هايدغر، التأمل الثاني إلى السادس/ Ponderings II-VI، والمعروفة باسم الدفاتر السوداء / "Black Notebooks 1931-1938"؛ من قبل معهد جيدار/ Gaidar و هي منظمة ليبرالية تعتبرها الدوائر المحافظة الروسية شبكة من عملاء النفوذ الغربي. كان إيجور جيدار/ Yegor Gaidar مؤلفا للإصلاحات الاقتصادية الليبرالية في روسيا عهد الرئيس يلتسين وتولى منصب وزير المالية في عام 1992. كما شغل جيدار منصب رئيس وزراء الاتحاد الروسي بالإنابة و وزير الاقتصاد بالوكالة في 1993-1994. بسبب إصلاحاته، تعرضت البلاد للتضخم والخصخصة ودمرت العديد من قطاعات الاقتصاد. يعتبر العمل الأخير لهايدغر أكثر تسييسا، حيث يتحدث ليس فقط عن الفئات الفلسفية، ولكن عن دور الألمان في التاريخ، والتربية والتعليم، فضلاً عن المشروع السياسي للاشتراكية القومية. من المرجح أن معهد جيدار كان يهدف إلى تشويه مصداقية تعاليم هايدغر بمثل هذا، ولكن حدث العكس؛ حيث قوبل نشر يوميات هايدغر باهتمام واسع النطاق.
من المفارقات، في هذا العمل أن هايدغر ينتقد الليبرالية على النحو التالي: "الليبرالي" يرى "الترابط" بطريقته الخاصة. إنه يرى فقط "التبعيات" - "التأثيرات"، لكنه لا يفهم أبدا أنه يمكن أن يكون هناك تأثير يخدم التيار الأساسي الحقيقي لجميع التدفقات ويوفر مسارا و اتجاها. دعونا نقدم بعض الاقتباسات من هذا العمل؛ و التي في رأينا، على جانب من الأهمية فيما يتعلق بنهجنا.
"يجب أن تصبح ميتافيزيقيا داسين أعمق بما يتفق مع البنية الأعمق لتلك الميتافيزيقيا ويجب أن تتوسع في ما وراء السياسة "للشعب التاريخي".
"إن الجدارة للسلطة من عظمة داسين-وداسين من حقيقة مهمتها".
"التعليم-الإدراك الفعال والملزم لسلطة الدولة، مع اتخاذ هذه السلطة كإرادة الشعب لنفسه".
"فالقضية على وجه التحديد هي قفزة في تاريخ الدازاين. لا يمكن تنفيذ هذه القفزة إلا من خلال تحرير ما يُمنح كهبة إلى ما يُعطى كمهمة إلا بتحرير ما يعطى على أنه هبة إلى ما يعطى على أنه مهمة".
كما أشار دوغين، إذا افترض هايدغر في وقت مبكر أن الدازاين شيء معطى، فقد خلص هايدغر لاحقا إلى أن الدازاين هو شيء يجب اكتشافه وإثباته وتشكيله. و لتحقيق هذه الغاية، من الضروري أولاً وقبل كل شيء إنجاز عملية فكرية جادة (انظر Hedeigger s What is Called Thinking)
من الأهمية بمكان أن نفهم أنه بالرغم من اعتبار أفكار هايدغر نوعا من تتويج للفلسفة الأوروبية (التي بدأت مع الإغريق القدماء، وهي نقطة رمزية في حد ذاتها منذ أن بنى هايدغر فرضياته على تحليل قدماء فلاسفة اليونان)، إلا أن هايدغر غالبا ما يصنف أيضا على أنه مفكر تجاوز المركزية الأوروبية. لهذا السبب، حتى خلال حياته، تم الترحيب بالعديد من مفاهيم هايدغر في المناطق التي طورت انتقادات للفلسفة فيما يتعلق بالتراث الأوروبي ككل. على سبيل المثال، يمكن العثور على اهتمام كبير بأعمال هايدغر في القرن العشرين بأمريكا اللاتينية. في البرازيل، تناول فيسينتي فيريرا دا سيلفا/Vicente Ferreira da Silva أعمال هايدغر، وفي الأرجنتين من قبل كارلوس أسترادا/ Carlos Astrada ، وفيسينتي فانتون/ Vicente Fantone ، وإنريكي دوسيل/ Enrique Dussel ، وفرانسيسكو روميرو/ Francisco Romero ، وفي فنزويلا بقلم خوان ديفيد جارسيا باكا/ Juan David Garcia Bacca ، وفي كولومبيا بقلم روبن سييرا ميخيا/ Ruben Sierra Mejia. يمكن العثور على تأكيد إضافي على ذلك في كلمات الفيلسوف الإيراني أحمد فرديد بأنه يمكن اعتبار هايدغر شخصية ذات أهمية عالمية، وليس مجرد ممثل للفكر الأوروبي. بالنظر إلى أن فرديد، المعروف بمفهومه عن الغربزاديجي/ Gharbzadegi، أو "التكسير الغربي"، كان ناقدا ثابتا للفكر الغربي، الذي كان يعتقد أنه ساهم في ظهور العدمية، فإن هذا الاعتراف بهايدغر أمر معبر إلى حد ما.
في الواقع، كان لهايدغر أتباع ليس فقط في إيران، ولكن في العديد من الدول الآسيوية أيضا. في اليابان في ثلاثينيات القرن العشرين، أسس كيتارو نيشيدا/ Kitaro Nishida ، تلميذ هايدغر، مدرسة كيوتو للفلسفة. بالرغم من أن هايدغر في اليابان كان يُعتبر إلى حد كبير حاملا للروح الأوروبية (بعد إصلاحات ميجي/ Meiji ، كانت اليابان مغمورة بالحماس المفرط لكل شيء أوروبي، وخاصة الثقافة والفلسفة الألمانية)، من المثير للاهتمام ملاحظة أن فكرة هايدغر عن "الوجود" أعيدت صياغتها في الروح البوذية، تم تفسير "الكائن الحقيقي" (genjitsu sonzai) و "لا شيء" على أنه "فراغ" (shunya) . بعبارة أخرى، فسر اليابانيون المفاهيم الأساسية لمارتن هايدغر وفقا لمفاهيمهم الخاصة وغالبا ما مزجوا مصطلحاته بمفاهيم الوجوديين الأوروبيين مثل جان بول سارتر/ Jean-Paul Sartre وألبرت كامو/ Albert Camus وغابرييل مارسيل/ Gabriel Marcel. قام فيلسوف ياباني آخر، كيجي نيشيتاني/ Keiji Nishitani، بتكييف أفكار هايدغر مع النماذج الشرقية التقليدية، كما يحدث غالبا في الشرق. تم رسم أوجه التشابه بين الفلسفة الشرقية التقليدية والتحليل الهايدغري أيضا في كوريا بواسطة هوا يول يونغ/ Hwa Yol Jung .
في هذا الصدد، تشكل روسيا ودراسة إرث مارتن هايدغر نوعا من الجسر بين أوروبا والشرق، بين العقلانية الصارمة التي استوعبت الوعي الأوروبي منذ العصور الوسطى، وخصائص التفكير التأملي المجرد التي تميز الشعوب الآسيوية. دعنا نقول بشكل مباشر أكثر أن الأوراسية والهايدغرية مترابطتان إلى حد ما و نزعتان متقاربان روحياً بين التيارات الأيديولوجية المعاصرة في روسيا.
و على الرغم من أنه يمكن أيضا فحص هاتين المدرستين على أنهما مذهبين فلسفيين مستقلين، كما يفعل غالبا العلماء العلمانيون وعلماء السياسة الانتهازيون، فإن أي فهم عميق لأحدهما لا يمكن أن يتحقق إلا عند استيعاب الآخر.

----------------
(1) في البال: ترجمة الدراسة بغاية الإحاطة علما؛ لا بغرض تبني فحواها جملة أو تفصيلا. المترجم.
(2) نص الدراسة الأصلية على الرابط:
http://www.geopolitica.ru/en/article/martin-heidegger-russia-and-political-philosophy
(3) لمزيد الاطلاع على المفاهيم الفلسفية عند هايدغر. نحيل على الرابط:
https://stringfixer.com/ar/Present-at-hand
(4) الروح أو الحالة المزاجية المحددة لفترة معينة من التاريخ كما تتضح من أفكار ومعتقدات ذلك الزمن.المترجم

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر