قوس فلسفي(2ً): عن الحرب والعقل

عبد المجيد السخيري
2022 / 4 / 22

سيجد الفلاسفة في الغرب اليوم في الحرب الدائرة على حدود القارة العجوز مناسبة للعودة إلى الموضوعات التقليدية للفلسفة السياسية أو الأخلاقية، ومن خلالها ستعود مرة أخرى صيحات ما بعد الحداثة لتلعن ميراث الأنوار وتُحمّله مسؤولية ووزر ما يجري. فالسؤال الذي تجترُّه السرديات الصغيرة التي شُيّدت على أنقاض السرديات الكبرى المدانة هو: لماذا فشلت العقلانية الغربية الناشئة من العصر الحديث في تفادي الصدام بين مجتمعين أوروبيين يفترض فيهما الاحتكام لحكمة العقل المبجّل؟
ليس من المناسب أن نخوض هنا طولا وعرضا في الاتجاهات النقدية التي خاضت في هذا الشأن، وحسبنا الاكتفاء ببضع إشارات خفيفة في السياق الذي نحن بصدده، أقصد الحرب الروسية-الأوكرانية التي أصابت يقينيات العقل الغربي في مقتل، وفضحت تركيبته العنصرية المتدثرة بشعارات مستهلكة لأجل غايات نفعية ظرفية سرعان ما يتم التخلي عنها والتنكّر لها حين لا تخدم الغايات المرسومة من قبل قوى الغطرسة والنهب المنظم بقيادة الرأسمال العالمي. حتى أنه لن ينفع الالتفاف على هذه الحقيقة، الاستنجاد بالمراجع الداخلية للفكر الغربي السائد للتنصّل من تبعات إعمال العقلانية التقنية والحسابية(هيدغر)، أو تحميل أفلاطون وزر ما أفضت إليه التطبيقات الجهنمية للعلوم الحديثة بدعوى أن ميتافيزيقاه حملت التسويغ الأصلي لنهج السيطرة التي يُجيز للعقل الحسابي أن يبسُط سلطانه على كل شيء، وعلى الانسان والكائنات الأخرى. صحيح أن مفاهيم عديدة انفرجت من سياق الحداثة متصلة بالعقل المبجّل قد تحتمل الانزلاق إلى الحروب في سبيل البحث عن السعادة الموعودة من قبل منظري الحداثة الأوروبيين، إلا أنه من الحذلقة الزعم بأن تلك المفاهيم بطبيعتها إجرامية، وملا تلاها من تأويلات في السرديات الكبرى التي تتعرض للهجوم المنسق من قبل دهاقنة اليمين المحافظ بتحالف مع منظري اليمين النيتشوي العدمي، والعين بالطبع كانت ولا تزال على الشيوعية أولا وأخيرا وسرديتها الأساسية: الماركسية. لا نعدم بعض الصواب والجدّة في بعض النقد المعاصر، مثل الذي أسّسته المدرسة الألمانية لجماعة "فرانكفورت النقدية"، خاصة في أعمال أدورنو وهوركهايمر وماكيوز، سواء في اتجاه تشريح دقيق لأشكال الاغتراب والتشييئ التي طوّحت بإنسانيه الكائن المعاصر في الغرب الرأسمالي فرديا وجماعيا، وفضح البنية الاستهلاكية والاستبعادية للرأسمالية المعاصرة، الأمريكية على وجه التحديد في البداية، ثم المُعولمة في الأخير بقيادة مشتركة أوروبية- أطلسية التي لا تخفي نزعتها العسكرية الابتزازية للعالم: السلام مقابل الاستسلام للردع النووي.

عقل الحداثة أم عقل الرأسمالية

يطيب للبعض أن يلقي بالمسؤولية على العقل الحداثي ومشروعه فيما وقع من حروب دموية منذ القرن الثامن عشر، استعمارية وامبريالية، أزهقت أرواح ملايين البشر، مستدلا على ذلك بما جاءت به أدبيات فلاسفة وكتاب ما بعد الحداثة من بيانات على ثبوت هذه المسؤولية فيما أشاعه ذلك العقل من أوهام وروّجه من مفاهيم "شمولية" أدّت إلى تبرير الحروب والغزوات والاقتتال الداخلي. ولعل هذا الخطاب يروج في الغرب أولا ثم يجد سبيله إلى الترجمة إلى ثقافات أخرى، فينتج عن ذلك الالتباس الذي يبدأ بالتساؤل الجذري حول طبيعة العقل الإنساني، والطبيعة الإنسانية بصفة عامة، وعلاقة منتجات العقل من المفاهيم والمناهج والقيم مع الجنوح إلى الحرب والاقتتال، والنظر في إخفاقات الحضارة البشرية للوصول إلى برّ السلام والأمان بعد مسيرة طويلة من التزوُّد من العقل الأخلاقي. ومثل هذا الجهد إن كان لا يذهب سُدى وعبثا جميعه، فإن كثيرا منه صُرف حتى الآن في العموميات، على الأقل عند أصحاب "السرديات الصغرى" دون أن يثمر ذلك الجهد عن وقف الحروب، ولا التقدم نحو "المثال الإنساني" ولو في نسبيته و"اختلافيته"، كما يحلو لبعضهم أن يتصورا إمكانيات تحقّقه. وقد كان آخر ما تمنّاه هؤلاء زيفا هو الاستقرار في "نهاية التاريخ"، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار الغرب الرأسمالي، غير أن الوقائع الصادمة التي أفرجت عنها بداية الألفية الثالثة خيّبت أمانيهم وكذّبت توقعاتهم، أو بالأحرى توهُّماتهم، خاصة وأن السلام والرخاء والاستقرار الذي وعد به الغرب المنتصر العالم سرعان ما تبخّر سرابا مع الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وعودة عقيدة القوة إلى واجهة التنافس الدولي. ليس عقل الحداثة المكذوب عليه من يخوض الحروب اليوم، حتى لو سلّمنا أنه من خاضها قبل قرن بحثا عن أراضي جديدة أو تبشيرا بإنسانية جديدة، إنما العقل الرأسمالي الذي صاغته البرجوازية في العصر الامبريالي ووضع له منظروها مشاريع مبنية على تمجيد القوة والسوق، وغلّفها ديماغوجيوه بشعارات الحرية والديمقراطية وكل الادعاءات المضللة حول السلام والرخاء. إننا لا نتحدث عن عقل ميتافيزيقي نُلقي عليه بالمسؤولية السياسية والأخلاقية فيما أبدعه الغرب الرأسمالي المنتصر من أسلحة دمار، وتقنيات انتهاك الخصوصيات واختراق العقول، وأساليب نفسية لترويض الأفراد وتدجينهم، بل نتحدث عن عقل مُعيّن ومُحدّد بشروط تاريخية واجتماعية، نتعرّفه في خطابات وانتاجات نظرية وفلسفية تحمل بصمة البرجوازية المسيطرة ورائحة رأسمالها المتغول في كل مكان اليوم.
(يتبع)

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا