مأزق الدولة المدنية ذات المرجعية الدينية

محمد فُتوح
2022 / 4 / 19

-------------------------------------------------
عقد – فى الفترة الأخيرة – مؤتمر فى الجامعة الأمريكية بالقاهرة ، لمناقشة الفرق بين الدولة المدنية والدولة المدنية ذات المرجعية الدينية . وهو من الموضوعات التى تكتسب قدراً كبيراً من الأهمية ، خاصة فى الوقت الراهن ، حيث اختراق الثقافة الوهابية والاخوانية والسلفية , العقل المصرى والعربى , منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى . وكعادة أى مؤتمر نجد هناك آراء مختلفة ومتعددة ، منها ما يؤيد الدولة المدنية ، ومنها ما يقول بالدولة المدنية " ذات المرجعية الدينية ".
وهنا لابد أن أتوقف عند مفهوم الدولة المدنية ، وهى تعنى فصل الدين عن الدولة فى شئون الحكم ، وأن يبنى الدستور على قوانين وضعية .. أما الدولة المدنية ذات المرجعية الدينية ، فهى تعنى أن نرجع إلى الدين بشكل أساسى ، لنستمد منه القوانين ، ولا مانع من أى يكون هناك بعض القوانين المدنية أيضاً .
وقد يتفق كثير من المفكرين والباحثين على المفهومين . ولكن ما يثير الجدل والاختلاف ، هو أيهما يطبق ، ويصبح دستوراً لدولة ما من الدول ؟ .
وأنا أتساءل : لماذا فى مصر ، هذا الحرص والدفاع المستميت ، والانحياز إلى اختيار الدولة المدنية " ذات المرجعية الدينية " ؟ . هل هو الحرص ، على تأكيد الصلة ، بين دستور الدولة والدين السائد لدى الأكثرية ؟ . فكثير ممن ينادون بهذا المفهوم دائماً ما يؤكدون على أننا دولة إسلامية .
إننى أرى أن هناك أموراً ، لا يجب فيها إرضاء الأطراف المتعارضة ، فنمسك بــ العصا من المنتصف ، بغرض إرضاء ومغازلة التيارات الدينية من جانب ، وإرضاء مَنْ ينادون بالمجتمع المدنى من جانب آخر .
ان المدنية ذات المرجعية الدينية ، هى صيغة مراوغة ومتناقضة ، طرفاها لا يمكن لأحدهما العيش بجوار الآخر . ومن هنا سنصل إلى صيغة ممسوخة لا هى مدنية والا هى دينية . بل إن فى أغلب الأحيان . ستقودنا هذه الصيغة إلى دولة دينية . فالمسحة الدينية ستصبغ أغلب القوانين حتى لو كانت مدنية . ثم شيئاً فشيئاً , وبالتدريج
تكتسى وتفسر تلك القوانين بالصبغة الدينية البحتة .
وجدير بالذكر ، أن هذه الصبغة ، لا ترضى مَنْ ينادى بالدولة المدنية ، وأيضاً من يتبنون الفكر الإسلامى ، على تنوعات الطيف الإسلامى ، سواء التيارات الوسيطة أو المتشددة .
ومن مفارقات القدر ، أن قطاعاً عريضاً من المفكرين والسياسيين فى العالم الإسلامى ، هم الذين يصرون ، على أن تكون الدولة مدنية ذات مرجعية دينية إسلامية . وقياساً على هذا التفكير ، يمكن أن نجد دولة مدنية ذات مرجعية مسيحية ، وأخرى ذات مرجعية يهودية ، وثالثة ذات مرجعية هندوسية .
إن هذا التفكير ، قد أدى وسيؤدى ، إلى إشكاليات عديدة . ففى مصر ، وهى دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية ، لأن الأكثرية يدينون بالإسلام ، سوف يهمش مَنْ يؤمنون بالدين المسيحى . وعلى ذلك فإن هذا التصور يضرب مبدأ المواطنة فى مقتل ، ويفتح الباب أمام أصحاب الاتجاهات الإسلامية على اختلافها ، إلى التدخل فى شئون حياتنا ، استناداً على هذه المرجعية الدينية ، ووفقاً لتفسيراتها المختلفة .
ومن هنا ، يفتح باب جهنم . فلا مكان للاعتراض ، وإلا ستكفر الآراء المخالفة ، وتهمش الأقليات الدينية ، وتضيع حقوق كثير من الفئات وخاصة حقوق المرأة , التى هى اصلا الطرف الاضعف فى اى خيار نختاره .
وتأكيداً لذلك وعلى سبيل المثال ، فإن قانون الحسبة حتى بعد تعديل التشريع ، وقصر دعاوى الحسبة على النيابة العامة ، مازال سيفاً مسلطاً على رقاب المبدعين والمفكرين. فتصادر الكتب ، وتلقى الاتهامات بازدراء الأديان ، وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، لكل مَنْ يعبر عن رأيه بحرية . وبدلاً من إشاعة المناخ الذى يتميز بقدر من الحرية ، يجرون إلى غرف التحقيق ، فى ساحات المحاكم ، وكأنهم من فئة المجرمين والقتلة وتجار المخدرات .
ألا ينص الدستور المصرى ، على بند يكفل حرية الفرد فى اختيار عقيدته ، فلماذا لو جاهر شخص ما بعقيدة مغايرة ، يحاكم ويعاقب بازدراء الأديان ؟ . هذا التضارب أو التناقض ، يمكن فى الصيغة المراوغة للدولة المدنية ذات المرجعية الدينية .
وتأكيداً لهذا المناخ وتمشياً مع هذا النهج ، فقد تصادف وأن قرأت خبرين فى جريدة مصرية شهيرة , فى الصفحة الأولى . كل منهما يؤكد مفهوم الدولة المدنية ذات المرجعية الدينية . الأول ، تحت عنوان رئيس نادى مجلس الدولة يرفض تعيين المرأة " قاضية " , لمخالفة الشرع والدستور ، ويرى أن جلوسها على المنصة وهى حامل يؤثر على هيبة القضاء .. واجتماعها مع الآخرين للمداولة خلوة غير شرعية .
وبرغم عدم اتفاقى مع هذا الرأى بشكل جذرى ، وكلى ، إلا أن هذا الرجل الذى يتقلد منصباً قضائياً له أهميته ، يظل متسقاً مع القانون والشرع كما يراه مجسداً فى الدستور.
فهو يرفض تولى المرأة للقضاء ، لأنه مبنى على الإجماع الفقهى ، ومبادىء الشريعة الإسلامية . فهو يقول عندما يُعلق على باب غرفة المداولة مع قاضيين ، أو أكثر من رُجُل ، وتكون المرأة معهم , ألا يعتبر اجتماعها معهم لساعات طويلة خلوة غير شرعية ؟ . وأضاف أن تولى المرأة القضاء ،يتناقض مع المادة الثانية من الدستور. أما ما يراه أن هيبة المنصة ستتأثر ، إذا كانت القاضية حاملاً ، فهذا كلام يثير الدهشة . هل مظهر المرأة الحامل ، يقلل من هيبتها ، عندما تسير فى الشارع ، أو تمارس عملاً من الأعمال خارج المنزل ؟!! ، أم أن هذا يعد شرفاً ، يضاعف من احترامها وتقديرها . فهى تحمل الحياة ، والعدل معاً .
أما الخبر الثانى ، فيطالب فيه وكيل المجلس المُلى ، بإضافة فقرة فى الدستور المصرى ، تشير إلى الوجود المسيحى ، وهذا من حقه فى حالة استناد الدستور على مرجعية دينية ، فلا غضاضة أن تكون إسلامية مسيحية .
إننا إذا حاولنا أن نمد هذا التصور إلى آخره ، كيف فى بلد مثل لبنان ، تتعايش الدولة المدنية مع المرجعية الدينية ؟ . فأى مرجعية دينية ، هنا يؤخذ بها , أهى إسلامية أم مسيحية ؟ . وحتى فى داخل الإسلام نفسه سنجد ذروة الخلاف ، أتكون مرجعية شيعية أم سنية ؟ كما يحدث الآن مثلا فى العراق ، حيث الصراع الدامى من أجل السلطة . ومن هنا ينشاً الصراع الذى قد يؤدى إلى التقاتل وإراقة الدماء .
إن صيغة الدولة المدنية ذات المرجعية الدينية ، تفرق ولا توحد . وتثير العداوات والفتن بين أفراد الوطن الواحد . وهذا هو الحصاد المر ، الذى نجنيه ونحصده . إن الأعمال تضيع هباء ، فى مناقشة صيغ قد داس عليها الزمن . فهل نتوقف عن هذا الجدل العقيم ونفعل شيئاً ، نافعاً يصون حقوق الإنسان وكرامته فى هذا الوطن ؟! .
إن صيغة الدولة المدنية ، هى الكفيلة بتحقيق المساواة والعدالة بين أفراد المجتمع الواحد ، مهما اختلفت الديانة أو الجنس . لأنها تقوم على أساس المواطنة . وهى التى ستكفل للمرأة التى تشكل نصف المجتمع ، حقوقها كاملة أسوة بالرجل . هى التى ستدفع الأذى وتحول دون رجم مَنْ يعملون بالفكر والإبداع ، بالتهم المعدة سلفاً من قبل محاكم التفتيش الدينية ومن سطوة رجال الدين . هى التى ستدفع المجتمع إلى التقدم والرقى والتطور ، والأخذ بأسباب العلم والبحث . هى التى ستحمى المجتمع ، من التطاحن والتقاتل باسم الدين . لأن الدين سيصبح علاقة شخصية بين الإنسان وربه .
إننى سوف أنهى مقالى هذا ، بمعنى يقترب من وصف الدكتور زكى نجيب محمود لحالنا فى أحد كتبه. وهو أن القرن العشرين قد أغلق أبوابه أمامنا ، وولى . ولن نستطيع الدخول إليه . وبدأ القرن الحادى والعشرين ومازلنا كما نحن , وقد يكون الباب مازال موارباً، فهل نستطيع أن نتسرب إليه ؟ أم أننا سنظل نتردد ونتعثر وننشغل بالجدل العقيم المتكرر , فنجد أنفسنا ، وقد لفظنا تعاقب الأزمنة , لنظل هائمين على وجوهنا ، مطرودين خارج التاريخ النافع لنا , وللبشرية ؟ .
من كتاب : استلاب الحرية باسم الدين والاخلاق 2009

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار