رئيسة جمهورية فى الهند وميس حجاب فى مصر

محمد فُتوح
2022 / 4 / 17

رئيسة جمهورية فى الهند .. و " ميس " حجاب فى مصر !
فى الخامس عشر من أغسطس 1947 ، كان استقلال الهند ، مستلهمة نضال الروح العظيم " غاندى " ، 2 أكتوبر 1869 – 30 يناير 1948 ، زعيم العصيان المدنى ، وقائد المقاومة السلمية .
تكبدت الهند ، ثمناً باهظاً للاستقلال عن المحتل البريطانى . دفع الرجال والنساء والشباب والأطفال ، دماءهم التى تشربت بها الأرض . فأثمرت أجيالاً أبت ، إلا أن يسلم المحتل ، متنازلاً عن جوهرة التاج البريطانى ، تاركاً الجوهرة النادرة ، لأهلها بعد سنوات طويلة ، من نهب خيراتها .
الهند ، ذلك البلد الشاسع مترامى الأطراف ، والذى يعيش على أرضه مئات الملايين من البشر. طوائف كثيرة ، لها ديانات متعددة ، أكثرها شيوعاً بين السكان الديانة الهندوسية ، وهناك أكثر من خمس عشرة لغة يتكلمون بها .
استقلت الهند ، وبدأت تخطو خطوات واسعة نحو التقدم والتطور. اتخذت من النظام العلمانى ، أسلوباً للحكم ، كى تشمل تحت مظلته ، كل هذه الطوائف ، بأديانها المتعددة ، ولغاتها المختلفة .
سارت فى طريق العلم وامتلكت السلاح النووى ، وأنشأت قلعة صناعية ، جديرة بالاحترام ، وامتلكت مفاتيح ، العلم وأصبحت دولة متميزة ، فى مجال الكمبيوتر. فهناك قرية كبيرة بكاملها ، تصنع جزءاً أو بعض الأجزاء من الكمبيوتر ، تتفوق وتتميز على ما تنتجه ، بلاد كثيرة فى هذا المجال .
الهند ذلك البلد الغريب ، الذى يجمع ما بين المتناقضات . الثراء الشديد والفقر المدقع . المرأة فيها ، تكاد تكون خاضعة للرجل ، الذى يسيطر . والذكور فى الأسرة الهندية ، ينالون اهتماماً أكثر من الإناث فى أشياء كثيرة . الهند هذه ، هى التى أنجبت أنديرا غاندى التى حكمت لفترة من الزمن ، والتى امتدت شهرتها للقاصى والدانى ، فى هذا العالم .
لقد اقترن ذِكر الهند باسمها . تلك المرأة التى شربت لعبة السياسة وحكمت هذا البلد الكبير .
لقد فاجئتنا الهند أيضاً ، وفى سابقة هى الأولى من نوعها ، إلى تنصيب المرأة كرئيسة لجمهورية الهند . الهند ذلك البلد الفسيح ، بفلاحيه وعماله ، وموظفيه ، برجاله ونسائه ، بطوائفه المتنوعة ، قد استقر على امرأة نصبها على قمة رأس الهرم السياسى الهندى ، لتحكمه من شماله وجنوبه ، وشرقه وغربه .
إنه النظام العلمانى ، الذى لا يفرق بين النساء والرجال ، لا يفرق بين الناس بسبب دينهم ، أو جنسهم أو عرقهم أو لونهم . إن الناس فى ظله سواسية . فما يجمعهم هو المواطنة ، حيث ينتمون إلى وطن واحد .
لقد سبق أن اختارت الهند رئيساً مسلماً ، بالرغم من أن هناك قلة ممَنْ يدينون بالدين الإسلامى . وهذا قد حدث فى ظل النظام العلمانى ، وبدونه يستبعد أن يحدث ذلك فى أى نظام آخر .
إن النظام العلمانى ، يفتح للمرأة المجالات ، التى احتكرها للرجل . فلم يشعر الرجل الهندى، بعقدة النقص ، أو بالسخط ، لأن رئيسته امرأة . فهل تخلص الهنود من العقد الذكورية ، التى مازالت تسيطر على الرجال والنساء فى مجتمعاتنا الإسلامية ؟ .
هذه هى المرأة المواطنة فى الهند ، رئيسة وزراء ، ورئيسة جمهورية . أما عندنا فى مصر ، حيث التيار الإسلامى الصحراوى الشكلى ، أصبح مهيمناً ومسيطراً على العقول والقلوب ، على الرجال والنساء على السواء . فالبعض مازال يرفض وينكر أحقية المرأة فى بعض الوظائف .
على سبيل المثال فى مجال القضاء . فما بالنا فى تنصيبها كرئيسة جمهورية . إنهم وفى هذا القرن يتحدثون عن الخلوة الغير الشرعية ، ومدى صحة إرضاع الكبير ، وكيف تصبح المرأة قاضية ، وهى عاطفية ، سريعة الانفعال ، وشهادتها أمام المحاكم نصف شهادة الرجل ، واذا أقروا لها بامكانية أن تصبح قاضية ، حصروها فى مجال الأحوال الشخصية .
مازلت أصر ، على أن التيار الإسلامى الصحراوى الشكلى ، هو سبب تخلف المرأة ، وكذلك الرجل .
فهم يعيشون بأجسادهم فقط فى الحاضر . أما عقولهم وقلوبهم فهى تهيم ، فى الماضى . وما أسوأ النتائج التى يمكن أن تحدث من هذا الانفصال بين الجسم والعقل .
ماذا تفعل المرأة فى مصر اليوم ، فى ظل هذا المد الإسلامى الرجعى ، ما هى أنشطتها ، ما هى طموحاتها ، بماذا هى منشغلة ؟ .
لقد شعرت باستياء ، بعد قراءتى ، لموضوع مسابقة " ملكة جمال الحجاب " ، لتحرير القدس ، فى احدى المجلات الأسبوعية . يقول الخبر : نظمت حركة البنات الطلابية المنتمية للتيارات الإسلامية ، بــ كلية الزراعة بجامعة القاهرة ، مسابقة لاختيار " ملكة جمال الحجاب " على أنغام " D.J " الإسلامى .
وكانت الأسئلة للمتسابقات ، كالتالى : ما هو سبب ارتدائك الحجاب ؟ ، هل تهتمين بمظهر الحجاب فقط أم تعملين وفقاً له ؟ ، وكيف يكون ذلك الفعل لــ نصرة الحجاب ؟ .
واشتمل الحفل على لعبة السلم والثعبان . وتدور فكرة اللعبة حول كيفية تحرير القدس ، وذلك بأن يتم توجيه عدة أسئلة للفتاة التى تصل إلى الثعبان ، توضح من خلالها كيفية الوصول إلى المسجد الأقصى .
وتُسأل الفتاة ، كيف ستقفين فى مواجهة الأعداء ، وأنت لا تحافظين على الصف الأول فى أداء الصلاة ؟ .وكيف ستجاهدين الأعداء وأنت لا تجاهدين نفسك ؟ .
وأنا هنا ، لا أعترض على التفكير فى تحرير القدس ، والوصول الى المسجد الأقصى . ولكن ما جعلنى أشعر بالاستياء هو طريقة التفكير ، وتصور الحلول الساذجة ، التى تنم عن عقليات خاوية .
بنات مسلمات فى كلية الزراعة ، وهذه هى أنشطتهن ؟! . فتيات على مسافة خطوة أو خطوتين من التخرج ، وهذه هى اهتماماتهن ؟! . فتيات يفترض بعد تخرجهن ، أن يشاركن عملاً وجهداً فى صياغة مجتمعهن ، ودفعه إلى الأفضل ، وهذه هى طموحاتهن ؟! . بهذه البساطة ، يضيعن مستقبلهن ويهدرن أوقاتهن ، بهذه البساطة تغيب عقولهن ؟؟.
طموحاتهن ، الدعوة إلى نشر الحجاب ونصرته ، ونصرة القدس وتحرير المسجد الأقصى ، بمسابقات " ميس حجاب مصر " ، ولعبة " السلم والثعبان " ؟!.
هكذا عندما يحافظن على ارتداء الحجاب ، ويتفوقن فى لعبة السلم والثعبان ، يستطعن أن يحررن القدس من الأعداء ، وتطأ أقدامهن المباركة المسجد الأقصى ! .. لو كان الأمر بمثل هذه البساطة . لأعطينا أصواتنا لــ " مس حجاب " ، كى تفعل ما لم يفعله العرب جميعاً ، فى صراعهم مع إسرائيل طيلة هذه العقود .
كنت أظن ، أننى عندما أٌقرأ عن بنات كلية زراعة ، سأجدهن ينظمن المسابقات ، لعمل بعض الأبحاث العلمية فى مجال الزراعة ، . والتى فى غايتها أن تزيد المحاصيل ، وخاصة القمح ، كى لا نعتمد على الكفرة ، الذين لا يعرفون الحجاب أو النقاب ، فى إمدادنا بما نأكله ونعيش عليه .
متى تدرك المرأة المصرية ، أن القوة هى التى تمكن الإنسان ، من تحقيق طموحاته. وخاصة قوة العلم والمعرفة ، وليس ارتداء الأقمشة التى تغطيه ؟.
إن المجندات الإسرائيليات ، اللائى كن يقصفن الرجال فى حرب 1967 ، لم تملكن هذه القوة ، مما كن يتدثرن به من ملابس ، بل من التدريبات والعلم والمعرفة . بل إن إسرائيل ذات الخمسة ملايين نسمة ، أصبحت رابع أقوى جيش فى العالم ، بالإضافة إلى امتلاكها القوة النووية . كل ذلك لأنها تتمسك بالعلم وأخذت بأسبابه .
بعد قراءتى لهذا الخبر ، أدركت مدى سذاجتى ، حينما حاولت الربط بين المرأة الهندية ، كرئيسة للجمهورية ، والمرأة المصرية ، فى ظل المناخ الملبد بغيوم ذلك التيار الجارف من الإسلام الشكلى الرجعى .
الطريق مازال طويلاً ، والحصاد يمعن فى مرارته .
-----------------------------------------------------------
من كتاب " استلاب الحرية باسم الدين والأخلاق " 2008

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار