عن الجبرتي، والأهلي والزمالك، وما قد يكون أصابع الفتنة الإنجليزية

حسين محمود التلاوي
2022 / 4 / 16

من بين كتب قرأتها في الفترة الأخيرة، كتاب "عجايب الآثار في التراجم والأخبار" للجبرتي. للكتاب أسلوب سلس للغاية؛ فعندما بدأت في قراءته، كانت نيتي أن أقرأ صفحة أو اثنتين على سبيل الدخول في أجواء الكتاب قبل أن أبدأ في القراءة المعمقة. لكنني، بعد برهة، وجدت أنني أنهيت نحو 30 صفحة قراءة مدققة!
ما يهمنا هنا أن الجبرتي تناول في الجزء الأول أحوال المصريين في بداية الوجود العثماني في مصر؛ فقال إنه كانت هناك بدعة شيطانية ظهرت بين الجنود في البلاد؛ حيث انقسموا إلى فريقين؛ فريق اسمه "الجنود الفقارية"، وفريق اسمه "الجنود القاسمية". فما الحكاية؟!

أبيض وأحمر... مصريون وعثمانيون؟!
يقول الجبرتي إن أصل هذا الانقسام أن السلطان العثماني زار مصر بعد إتمام سيطرة العثمانيين عليها، وسمع — خلال زيارته — أن هناك قائدًا من المماليك اعتزل الدنيا، والتزم بيته، واعتصم بالعبادة، وأغلق بيته على نفسه وولديه الاثنين، وكان أحدهما يدعى "قاسم" والآخر يدعى "ذو الفقار" اللذين كانا من أبرع الفرسان.
لاقى ما سمع السلطان هوى في نفسه؛ فقرر زيارة هذا الرجل، ولما زاره، أعجب به وبولديه الاثنين "قاسم" و"ذي الفقار". وفي اليوم التالي، فطلب منهما الحضور لأداء استعراض في الفنون القتالية؛ فقدم الشابان بالفعل استعراضًا رائعًا في فنون الحرب والقتال؛ فنصبهما أميرين، وطلب من جنوده أن ينقسموا فريقين؛ أحدهما بقيادة "قاسم"، والثاني بقيادة "ذي الفقار"، وجعل فريق "قاسم" يضم أكثرية من المصريين الشجعان، ويكون لبسهم الأبيض، بينما جعل أكثر جنود فريق "ذي الفقار" العثمانيين، ويكون لبسهم الأحمر. واستمر الشجار والصراع بين هذين الفريقين، وكل منهم متعصب لفرقته، ومتمسك بلونه حتى مقدم الغزاة الفرنسيين في حملتهم 1798-1801.

"فمن ذلك اليوم افترقوا أمر مصر، وعساكرها فرقتين، واقتسموا بهذه الملعبة حزبين، واستمر كل منهم على محبة اللون الذي ظهروا فيه، وكره اللون الآخر في كل ما يتقلبون فيه، حتى أواني المتناولات والمأكولات والمشروبات". كتاب "عجايب الآثار في التراجم والأخبار" الجزء الأول، مؤسسة هنداوي، 2012، ص 37.

لكن الجبرتي يعود لينقل رواية أخرى مفادها أن أميرًا مملوكيًّا، اسمه ذو الفقار، ذهب ليزور صديق له أمير كذلك اسمه قاسم. وكان يرافق "ذا الفقار" حرس ومماليك كثر، بينما "قاسم" منزل فخمًا به قاعة استقبال مهولة. تقول الرواية إن "ذا الفقار" قال لـ" قاسم" إن معه عزوة ورجال، بينما قاسم ليس معه سوى المعمار. إثر ذلك كوَّن "قاسم" فرقة أتباع مماثلة، وبدأ الشجار والنزاع بين الفريقين لغاية وصول الفرنسيين. وفي هذه الرواية الثانية، لم يذكر الجبرتي ما يخالف مسألة اللونين الأحمر والأبيض؛ مما يؤكد إنها كانت من نافلة القول، وثابتة، لكن الخلاف فقط في أصل نشأة كل فريق..

أحمر وأبيض.. ضغائن كروية
من الطبيعي أن يستحضر الصراع بين اللونين الأبيض والأحمر للذهن التنافس الدائم بين فريقي الأهلي والزمالك لكرة القدم.
لنلق نظرة إذن على نشأة النادي الأهلي. أنشأ المحتلون الإنجليز نادي الجزيرة لهم وللأجانب عمومًا في مصر؛ ففكر مجموعة من الوطنيين أن ينشئوا ناديًا مصريًّا لتعزيز الروح الوطنية كوسيلة من وسائل المقاومة؛ فكانت نشأة النادي الأهلي عام 1907. واختاروا اللون الأحمر لقميص الناي كلون الدم في دلالة واضحة على الكفاح ضد المحتل.
هناك مبرران آخران؛ الأول أن اللون الأحمر هو لون علم مصر وقتها، والثاني أنه لون الطربوش الذي كان ارتداؤه إلزاميًّا في المؤسسات والفعاليات الرسمية؛ مما يدل على السمو والرفعة، وأن الأهلي "دائما فوق الرأس".
لكن لنقل إن المبرر الخاص بلون الدم هو الأقوى؛ لأنه يتفق مع فكرة تأسيس النادي لتعزيز الروح الوطنية، ويأتي بعده مبرر لون العلم؛ لأنه يتفق كذلك مع مسألة تعزيز الروح الوطنية.

أبيض.. لون النقاء؟!
عام 1911 تأسس نادي الزمالك كرد فعل على تأسيس النادي الأهلي، وليس نتيجة لزيادة شعبية اللعبة في مصر. أقول "رد فعل" لأن تأسيسه لم يكن من المصريين؛ حيث جاءت الفكرة من الأجانب، ولكن ليس ليكون مثل نادي الجزيرة، حيث كان الهدف من تأسيسه جذب المصريين بعيدًا عن النادي الأهلي؛ إذ كان من مؤسسيه مصريون لكي يكون ناديًا مصريًّا يصلح لمنافسة النادي الأهلي. لذلك كان اسمه "المختلط"؛ لأن أعضاءه كانوا خليطًا من المصريين والأجانب من جنسيات مختلفة. وحتى اسم الزمالك أصله تركي؛ لأن مقر النادي أقيم في منطقة كانت عشوائية ومليئة بالعشش، و"العشة" بالتركي تعني "زُمُلُّك"، وجمعها زمالك؛ فصار اسمه نادي الزمالك.
إذن تأسس نادي الزمالك بغرض تطبيق قاعدة "فرق تسد" بين المصريين، وضرب فكرة إن الأهلي نادي مقاومة، ووطنية؛ حيث يصبح مجرد نادٍ لكرة القدم؛ لأن هناك ناديًا آخر مثله. وكان شعار النادي مأخوذًا من شعار الملكية. لذا يطلق مشجعو للزمالك على ناديهم مسمى "النادي الملكي".
ماذا عن لون قميص الزمالك؟ لا يوجد سبب مقنع؛ فأحيانًا يقولون إنه لون النقاء، وأحيانًا أخرى يقولون إةنه لون من ألوان علم مصر وقتها؛ لأن الأهلي أخذ اللون الأحمر الذي كان اللون الرئيسي في العلم. لكن لا يوجد مبرر بقوة مبررات اختيار لون قميص الأهلي.

استحضار التنافس في ساحة أخرى
شخصيا أشك كثيرًا في أن اختيار اللون الأبيض لقميص الزمالك مأخوذ للتماهي في التنافس مع مسألة الفرقتين اللتين ذكرهما الجبرتي خاصة أننا إذا نظرنا إلى التواريخ لوجدنا أن المماليك انتهوا تمامًا كسلطة حاكمة عام 1811 إثر ما عُرِفَ باسم "مذبحة القلعة"، بينما تأسس الأهلي والزمالك في الفترة نفسها تقريبًا من القرن التالي؛ فالفارق أقل من 100 سنة، وكان أحفاد المماليك لا يزالون في مصر. أعتقد أن فكرة الأبيض والأحمر محاولة لاستنساخ روح التفرقة بين المصريين مثلما كانت موجودة من قبل، وهذلا شيء لا أستبعده إطلاقا على الإنجليز الذين فعلوا ما هو أقذر من ذلك بكثير.
سعى الإنجليز بكل طاقتهم للتفرقة بين المصريين بالمسألة الطائفية كمسيحي ومسلم، والمسألة الإقليمية كفلاح ومديني، والمسألة الجنسية كرجال ونساء، والمسألة الأيديولوجية كعلمانيين وإسلاميين؛ فلم يتركوا وسيلة إلا واتبعوها للتفرقة بين المصريين. لا يوجد مانع إذن أن يكون ألوان فرق الكرة محاولة للتفرقة كذلك؛ من خلال استحضار الألوان وروح الشحناء والتباغض بين الطرفين أيام المماليك. وبالفعل فإن هذا ما يحصل للآن؛ فإذا كان هناك أناس يشجعون فرق الكرة بدون تعصب، فإن هناك أناسًا يطبقون حرفيًّا أفكار التشاحن والتصارع.
في الأسطر السابقة، ذكرت المعلومات، ثم قلت رأيي الشخصي، وأراه مقنعًا بشكل أو بآخر؛ لونان أحمر وأبيض مع فريقين بينهما تشاحن واقتتال، ثم يعاد إنتاج الفكرة أثناء محاولة لتعزيز الروح الوطنية عند المصريين. شيء مثير للشك، أليس كذلك؟!

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار