خواطر مغترب

شريف حتاتة
2022 / 4 / 16

----------------------------

ضوء الفجر يتسلل من زجاج النافذة . إلى جواري ترقد نوال كالطفلة ، لم تجد حضن أمها فالتقت حول نفسها. شعرها الفضى يضوى في الظلال. أميل ناحيتها. أمرعليه بلمسة من يدى كالسحابة فوق القمر يختفي خلفها.أسمع أنفاسها الهادئة تتردد.
أقوم من رقدتي سانرا على قدمين حافيتين فوق البساط الدافئ. أتفادى كتل الأثاث توارت في الظلام، وأهبط على السلالم تئن أنينا خافتا. أجتاز حجرة الجلوس، وحجرة الطعام، والغرفة الشمسية المخصصة للشتاء. أفتح الباب الخلفي للمنزل، وساترا من الأسلاك، وأهبط على درجتين إلى الحديقة تحاصرني فيها الحرارة الرطبة كالبخار.
صيف " نورث كارولينا " هو صيف الاستواء. فيها شجر الغابات كالجدار، يكتم الأنفاس. يتسلل ضوء الفجر بين أوراقه فيشبه بياض العيون حول السواد. مئات العيون تحملق فيً، تخشاني، وأنا من بياضها القلق خائف.. أهـي عـيـون العـبـيـد.. كانوا يعملون هنا في مزارع التبغ، وقصب السكر، والقطن تحت لفح الشمس، والكرباج ينهال على ظهورهم، فيهربون في الغابات .
صنعوا أول تراكم لرأس المال في هذه القارة فنشأت الصناعة في أمريكا على أساسه. قرأت عنهم في الكتاب وأنا جالس في المنزل أقمت فيه منذ سنة. يشبه منازل أسيادهم في ذلك الزمن. أبيض وله مدخنة، وسواترها زرقاء فاتحة، والآن أرى أحفادهم ينظفون المراحيض، ويجمعون القمامة، ويفرغون أكياس الروث حول الأشجار في جامعة ديوك ، يمتد فيها الحرم على ألف فدان ، تحيطها غابة مساحتها عشرون ألف فدان تملكها الجامعة.
نشأت الجامعة على أكتافهم. صبوا فيها عرقهم. فمؤسس الجامعة السيد " وليم ديوك" جمع ثروة مقدارها تسعمائة مليون دولار من مزارع التبغ، وصناعة الدخان، والسجائر، من السم الأسمر يتلف الشرايين، ويصيب خلايا الجسم بجنون التكاثر فتنمو فيها أورام السرطان. ابني " عاطف " لا يتوقف عن التدخين وأخشى عليه من هذا السم.
في جامعة " ديوك " في ولاية التبغ، وصناعة السجائر ، لا أحـد من الشباب يدخن. أفكر فيه، وفي آلاف من الشباب في مصر مازالوا يشترون السجائر.
ماذا أفعل هنا ؟ . أتلفت حولي. النهار ما زال محاطا بالغيوم، والجو خانق. لكن العيون اختفت. لم يعد لها أثر. كل شئ من حولي ساكن. لا نسمة هواء ترعش أوراق الشجر، ولا رفرفة عصفور أصابه القلق، ولا خطوة مبكرة تسعى إلى العمل. حتى صفير حشرات التشيكادا المنتظم توقف ، كأنها كتمت أنفاسها عندما رأتني قادما. لا شئ سوى السكون الموحش، وشعـور بأن السعادة أفلتت . ترى لماذا ؟ . أهو الوعي بالمشوار كاد ينتهي ؟ أ. م لأن الخيال جامح والواقع يلهث وراءه ؟.
ارتعش شعاع ذهبي في الضـوء الشاحب. لمحت الورود في الحـديقـة تفتحت. سرت خلف البيت حتى باب المطبخ. دخلته وأخرجت المقص من درجه. عدت إلى الحديقة أتنقل بين أشجارها. أسمع صوت الفكين ينغلقان بقسوة. تميل الوردة بساقها فألتقطها بين يدى قبل أن تقع. جمعت الورود ووضعتها على منضدة. نزعت أشواكها وأوراقها الزائدة. فتحت الصنوبر، وملأت الوعاء بالماء، وأنا أستمع إلى خريره المطمئن. صعدت الدرجات إلى حجرة نوال ، حيث تقضى أيامها أمام الورق. وضعت الزهور على مكتبها.تأملتها، وفي لحظة بدا لي ، وكأننى أتأمل كل ما جرى لنا، كل ما تخلل حياتنا من فرحة، وألم .
****
عدت من القاهرة إلى أمريكا بعد الأجازة. هبطت بى الطائرة في مطار رالی درهام ، مع الشمس الغاربة. شاشات الكومبيوتر في الممر الطويل تقول أن الساعة تجاوزت السابعة والنصف. أسرعت الخطوة. الزمن يلتهم بقسوة ما تبقى من العمر مثل السيارة الميكروباص .صعدت إليها فأخذت تنهب الطريق دون أن أسمع صوتها.. إلى جواري السائق عملاق أسود يتطلع إلى الطريق عازفا عن الكلام على غـيـر عـادته. أتأمل الغابات بشعور المنفى في أقاصي الأرض، لا توجد فيها سوى مساحات من الشجر والألوان الرمادية للغسق ، والطرق الخالية من الناس ، اختفوا كالأرانب الشقراء داخل سيارتهم المنتظرفي الموقف.
وصلت إلى المنزل الذي ظل مغلقا طوال شهور الصيف تضربه الشمس وسيول المطر. فتحت الباب ودخلت. أستنشق جـوه المكتوم، ورائحة خفيفة من العفن. أدرت مفتاح التكييف فأخذ الهواء البارد يتسرب إلى البيت من فتحاته . صعدت إلى حجرة النوم. ارتديت جلبابا من القطن، وألقيت على السرير بجسمي المرهق. عینای مفتوحتان، وفي ذهني تتوالى الصور. صور للشباب قبل غيرهم ، حياة أبني، وابنتي، والأصدقاء حولهما. ظروفهم أفضل من غيرهم ، ولكن الأمل يختلط عندهم بالقلق. شباب وشابات قابلتهم في جلسة أو بالصدفة. بعضهم عاطلون يبحثون عن عمل مثل مئات الألوف يعانون البطالة. وقـود التطرف، والفوضى، وظاهرة تعـرى أزمة النظام، وعجز حكامه، لن تعالجها مقالات تكتبها قلة تحتكر وسائل التعبير، وتردد كلمات لا تقترن بالفعل. ففي بلاد يشكل الشباب الذين يقل سنهم عن خمسةوعشرين سنة نصف عدد سكانها ، ترتفع الراية السوداء منذرة بالخطر إذا ما عانوا من غياب العمل. أصبحت مشكلة الوطن كله. مشكلة فقراءالمدينة والريف ، وحتى الفئات المتوسطة في المجتمع ، بعد أن كادت فرص العمل في الخارج تغلق.
بعض الذين قابلتهم وجدوا أعمالا مؤقتة، لكنهم القلة. أحدهم مثلا يدعى "مصطفى محمد". شاب عرفته بالصدفة، وأنا اصعد لزيارة صديق.قابلته فى المصعد وزارني بعدها. هادئ الطبع، شاحب الوجه، لا يفارقه السعال. يسكن المعصرة حيث ترتفع سموم الأسمنت في الجو لتسقط فوق بيوتها. لما سألته قال: " سكان المعصرة كلهم يعانون الالتهابات في الأنف، والحلق ، والشعب الهوائية ". ثم ابتسم ابتسامة واهنة وأضاف : " تعودنا خلاص ".
هو طالب في السنة النهاية بكلية التـجـارة في جامعة عين شمس ، يدرس الكومبيوتر لمدة أربع ساعات يوميا في دورة مدتها شهر. لم تعد قيمه مثل قيم الأجيال التي سبقته. لا يبحث عن مكتب يجلس وراءه ، ولا يأنف العمل بيديه. الظروف أصبحت قاسية صعبة ، والعمل ليـس عـيـبـا طالما أنه يكسب قوت يومه بجهده. في الليل يتولى أعمال الحراسة، والأمن في أحد الأبراج. تمتد ورديته من الحادية عشر ليلا حتى الساعة السابعة صباحا. في النهار يقوم بتنظيف احدى الشقق المملوكة للحاج تاجر سيارات الزلمكة ، والشبح ، والبي ام دبليو ، سألته. كم ساعة تنام؟ قال: أربع أو خمس تخاطيف في وردية الليل . قلت ليس هذا كافيا للحفاظ على صحتك ابتسم ابتسامة واهنة، وأجاب " تعودت خلاص ".
شاب آخر من بلدتنا، " حسين عبد العزيز أسـعـد " . لكن الحظ لم يسعده ، تخرج من المعهد الصناعي في طنطا منذ سنوات سبع. كلما سافرت إلى قريتي يحرص على زيارتي. نشرب الشاي وتتـحـدث وأمامنا الغيطان خـضـراء اللون. لكن الجلسة ترهقني. أعـرف أنني سأسأله ماذا فعلت فى موضوع الشغل، وأعرف أنه سيسرح لحظة خافضا رأسه إلى الأرض ثم يرفعه، وينظر إلىً قائلا : لا شئ . وسيضحك ضحكة مبتورة ، كأنه يعتذر عن استمرار هذا الوضع، أو عن وجوده على سطح الأرض بلا نفع، أو ينظر إلىً بسخرية. فما معنى السؤال الذي سالته . هل سافعل شيئا لأساعده في الاهتداءإلى عمل ؟ .
في السنين الأولى كان يحكي عن الجهود التي يبذلها ثم كف عن ذلك. أبحث عن اللمعة في عينيه. اختفت. تآكل الحذاء حول قدميه، وبرزت عظام الوجه تحت جلده. وعندما ينصرف ألمح القميص واسعا حول صدره .
أصبحت أضيق بزيارته بعد أن كنت أفرح. أفكر في أن أهرب منه. فأزداد شعورا بالضيق من نفسي، ومنه. عندما يحضر إلىً يراني جالسا في بيتي.عندي كل ما ليس عنده. لست مسلولا عن حالته، ولكن هذه الكلمات التي أنطق بها للتخفيف عنه ، ربما تزيده حزنا على حزنه ، قبل أن ينصرف باحثا عن مكان يقتل فيه جزءا اخر من شباب يولى عنه.
في مصر عشت القلق، وثبات النيل شق الصخور منذ عشرة الاف سنة ، وحفر في الرمال، وانتقل من جنجـا وتانا حـتى دمياط ورشيد. عشت استمراره، واستقراره، وتاريخه . لكني في بعض اللحظات أشفقت عليه. أصبح تياره عجوزا يتعثر. اختفت أمواجه المتدفقة، وظهرت على وجهه التجاعيد. تلوثت مياهه، وحاصرتها المباني العالية. انقض عليه أصحاب الملايين ، لا يرحمون حياة العاصمة ، ولا صحة الذين يحيون فيها.
في مصر لم تكن أسباب الفرح كثيرة، لكنها في لحظات كانت عميقة. نشرت الجزء الثاني من مذكراتي النوافذ المفتوحة، وحملت مائة نسخة منها إلى البيت. أمسكت باحداها بين يدى كـأنـهـا طفل عزيز. تأملت الغلاف رسمه الفنان المبدع تاد. أدرك ما أريد أن أقوله فاخترق الحدود والتكوينات، وعبر بسيولة ألوانه.. أعـجبني حجم الحروف، وورق الجرائد الرخيص ، فالورق الأبيض المصقول يرهق عيني، ويبث في احساسا بالزيف، بالتمويل من بلاد النفط أوصندوق النقد، أوهيئات المعونة تسعى لاصطيادنا.
في مصرأسباب الفرح قليلة، وبعد أن عشت في أمريكا ، ينتابني احساس لا يبعث على الفرح . فنحن نتخلف بسرعة عن ركب التقدم. والهوة بيننا وبينها أصبحت واسعة. مع ذلك ما زلنا ندور في فلك المعارك الصغيرة، والقيادات القديمة التي داس عليـهـا الزمن، فأين المخرج مما نحن فيه ؟ . أليس هم الشباب، والشابات الذين سيعيشون الحياة بعد أن نرحل ؟ .
مع ذلك فرحت، وضحكت، وفي احدى الليالي قهقهت كما لم أقهقه قبلها. كنت مع نوال، وابني عاطف، وابنتى مُنى ، وشاب يعزف على العود، ويغنى ويلحن بعض الأغاني ، ومُنى تقول عنه أنبل منْ قابلتهم ، ومع صديق قديم يعشق التاريخ ويجـيـد الحكي، أراد في تلك الليلة أن يحتفي بنا. جلسنا حول المائدة نحن الست . وضعت عليها أطباق صغيرة فيها بصارة، وطعمية، وفول نابت بالزيت، وحمص، وطحينة، وجبن بالزعتر، وطماطم بالكمون، والثوم، وباذنجان مخلل ولفت، وأكواب من البيرة تبرق في الضوء.
فجأة لسبب لا أذكره، ربما خاطر سريع أثاره الحديث ، انطلقت ضحكتي لتنقلب بعد لحظة إلى قهقهة لم أستطع أن أحكمها.
تنبهت إلى أننى منذ سنين ، لم ينطلق مِنى الضحك هكذا، ليبدد التحفظات ، وجمود الجد الذي أحطت نفسي به ، لأنني في يوم من الأيام ظننت أننى ممنْ خلقوا دون غيرهم لاصلاح الكون. ضحكاتى تجعل الجالسين على الموائد الأخرى في الصالة الكبيرة يستديرون، وينظرون الينا بوجوه مشرقة.
أدركت أنني بعـد غـيـاب أصبحت بين أهلي. عـدت إلى اللغة التي بها أصارع، وأتفاهم، وأحب، إلى الأشياء المشتركة تربطني بالناس في بلادنا، إلى الطفولة، والشباب والبصارة، والطعمية، والباذنجان المخلل .. إلى الجـو الذي أعرفه، والثقافة التي ألفتها. إلى المشوار الطويل أجتازه مع الكثيرين داخل الوطن.
في تلك الليلة عرفت طعم السعادة البسيطة أعادتني إلى أشياء افتقدتها. حلمت بالبحر، والعاصفة، وركوب الأمواج ، في فلوكة لها قلع كبير يرفرف. كادت أن تنقلب ولكني لم أشعر بالخوف. كنت مطمئنا أننى سأصل، ولما اقتربت من الشاطئ رأيت أطفالا عرايا الجسم يغطسون في الترعة، وإلى جوارهم جاموسة تسبح ببطء، وترنو إلىً بعينيها، فأدركت أنني وصلت إلى حيث أردت أن أصل.
تركت الفلوكة، وجلست على الشاطئ. لمست الأرض الرطبة تحت كفي. أحسست أن في أعماقي بذرة حـيـة لم تمت ، ضربت بجذورها في الأرض، وارتوت فصعدت أغصانها عالية ، لأطل منها نحو الآفاق القادمة.
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
--------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان