الأحلام لا تتزوج قصة قصيرة

منى حلمي
2022 / 4 / 14

الأحلام لا تتزوج
---------------------------

بينها ، وبين " أوراق الخريف " عبير يضل رحيق الأزهار .. بينها ، وبين أوراق الخريف ، حكايات ، ونغم ، وأسرار .. تحتمل فى عناء مواسم العام ، من أجل موسم الخريف ، صديقها الحميم الوحيد .. تنتظر فى حنين " أوراق الخريف " تبوح لها بأحلامها الضائعة ، وعليها تكتب وصيتها الأخيرة .
تجلس وحيدة فى المكان ، الذى أصبح جزءاً من ملامحها ، نافذاً كالخنجر فى عمرها . تجلس وحيدة إلا من صوت " أوراق الخريف " وهى تتساقط ، مثلما تتساقط أفراحها ، واشتياقاتها . هل تلملم أوراق الخريف ، أم تلملم الأفراح والاشتياقات ؟.
" أوراق الخريف " والذكريات ، والمكان النافذ كالخنجر فى العمر ، أشياء تفوق احتمالها ..
هنا ، فى هذا المكان ، وفى إحدى ليالى الخريف ، التقت به لأول مرة .
هنا ، فى هذا المكان ، وفى إحدى ليالى الخريف ، التقى بها لأول مرة .
تنسى كل الأشياء ، ولا تنسى تفاصيل أول لقاء .
تنسى كل الأشياء ، ولا تنسى تفاصيل كل لقاء .
كيف لا مرأة أن تنسى ، الرجل الذى شق قلبها نصفين .. نصف له ، ونصف يهفو إليه ؟ . كيف لها أن تنسى الرجل الذى سكن القلب ، يأمر ، وينهى ، ويتدلل ، كأنه صاحب القلب ؟ . كيف لامرأة أن تنسى الرجل الذى بسماع اسمه ، يتغير لون عينيها ، تتبدل كيمياء جسدها ، ويتحول الكون بأسره إلى مدارات مسحورة ؟ .
تذكر كل شىء كأنه الأمس القريب ..
كانت وحيدة فى المكان ، تتأمل غروب الشمس ، وهو يناجى " أوراق الخريف ".
لا تدرى ، حتى بعد كل هذه السنوات ، من أين ظهر فجأة .. اقترب منها .. سألها شيئاً .. وفى لحظات كانا يجلسان معاً ، يتناولان مشروباً لا يعطى للوعى فرصة للتراجع ، ويتحدثان فى سخرية ، وانسجام ، عن الفن ، والحياة ، والسحر الكامن فى أوراق الخريف.
قالت له " أعشق الخريف " ، وحينما أرى أوراقه المتساقطة ، أحس بشجن غريب يمتلكنى " ..
سألته : " هل تحب الخريف ؟".
قال : " إنه موسمى المفضل "
قالت : " كنت أتمنى لو يبقى الخريف طوال العام ".
قال : " لو بقى طوال العام ، لما أحسسنا بجماله " .. لا تدرى ، هل حبه الجارف للومضات العابرة ، التى تمسنا بسرعة ، وتمضى تاركة الدهشة ، والحسرة ، هى سبب فراقهما قبل الأوان ؟؟.
فى أحد لقاءاتهما ، انساب فى الهواء لحن أغنية " أوراق الخريف " . الموسيقى تتخلل مسام الروح ، توقظ أحاسيس منسية ، تداعب أمنيتها القديمة ، أن ترقص على على هذا اللحن على نغماته تطير إلى سماء المحال .
حين تسمع أغنية " أوراق الخريف " ، تتحول هى نفسها إلى أغنية ، إلى نجمة ، الى موجة مسافرة ، على بحر من الأشجان .
سألها : " قيم تشردين " ؟ .
قالت : " كلما سمعت هذا اللحن ، انتابتنى رغبة ملحة فى الرقص " ..
ارتشف الرشفة الأخيرة من المشروب ، أطفأ سيجارته . نهض واقفا ، مد يده إليها . وقال : " أتسمحين لى بهذه الرقصة ؟ " .
قالت : " ممنوع الرقص فى هذا المكان " .
ابتسم قائلاً : " أنا وأنتِ خلقنا لكل ممنوع ".
وسط دهشة العيون ، أخذها إلى النغمات الراقصة .. احتفى بها اللحن ، استضافتها يداه ، احتوتها عيناه .. منحها فى لحظات أزمنة دافئة الحنين .
منحته اجابات لم يطلبها . قبله ، كانت تبحث عن رجل عاشق ، لا يحاصرها بالتساؤلات . لا يراقب نظراتها ، لا يتجسس على تنهداتها .. واحد ، لا يطلب مذكرات تفسيرية لغرابتها ، ولا تأويلات لنصوص حياتها .
رجل يحبها ، لأنها غير قابلة للامتلاك . سواء له ، أو لأى رجل غيره .. على خطواته الراقصة ، أحست أنه ذلك الرجل .
منذ الرقصة الأولى ، والأيام تمضى معه ، رشيقة الخطى . تشعر كأنها فى منام ، أو فى زمن لا ينتمى إلى تاريخ العشاق .." هو " ، ذروة الحقيقة فى أبهى صورها ..
و "هو" ، ذروة الوهم فى أجمل أثوابه .. ألهذا ، لم تسله مرة عن مصيرها معه . الحقيقة ، والوهم ، كلاهما لا مصير له .
تبتسم وهى تتذكر أحد حوارتهما .. قال لها : " بالأمس أنجب أخى ولداً .. حلم حياته أن يصبح أباً ، لكننى أومن أن الإنسان الحقيقى ، المتحرر من الأوهام ، ليس له امتداد إلا ذاته هو .. ".
قالت له : " قليلون جداً مَنْ يفكرون بهذه الطريقة ، أنت تسبح ضد التيار " .
قال بهمسات حانية : " ألا تحبين السياحة ضد التيار ؟.. أنا أسبح ضد كل الأشياء وضد كل البشر .. إلا أنتِ .. أنتِ التيار الذى أستسلم له . يحملنى كما يشاء حينما يشاء ، لست أقاومه . أعرف أنه سيأخذنى إلى مرساى وشاطئى .. أنتِ مدينة الماء التى أبحث عنها ..إنى سحابة عابرة بأفق السماء ، طالت غربتى وأهفو إلى بيت على أرضك " ..
قالت له : " ليس يعرف أحدنا الآخر بالقدر الكافى " . يأخذ يدها بين يديه
ويقول : " لماذا تصرين على تمثيل دور ضد طبيعتك ؟ " .......
لستِ أنتِ المرأة التى تزن المشاعر بالزمن .. لستِ أنتِ المرأة التى تقول ، لا يعرف أحدنا الآخر بالقدر الكافىء " القدر الكافى " ، فى الحب ، أكذوبة كبيرة . هل هناك قدركاف ، من العمر للموت . " القدر الكافى " ، تعبير لا يعترف به العشاق فى الحب ، نظرة واحدة ، همسة واحدة ، لمسة واحدة ، تنهيدة واحدة ، هى " القدر الكافى " ، لأن يشتعل البرق " .
قالت له " تتكلم عن الحب . الحب ، وهم كبير ، عاطفة مستهلكة تلوكها القلوب ، والألسنة . أنا لا أبحث عن الحب .. أبحث عن عواطف جديدة ، عن أفراح طازجة ، عن حزن لم تتخيله الأشجار ، والنجوم ... عن رقصة على أمواج البحر تثبتنى فى الكون .. أبحث عن عاطفة ضد الملل .. لديها مناعة ضد الذبول ، والفتور .. عاطفة تنفتح مع إشراقة الشمس وابتسامات القمر .. تكلمنى عنغربتك . أنا الأخرى غريبة ، حتى عن نفسى ، وتنهداتى وأنفاسى وشكل ملامحى ، ولون عيونى .. أبحث عن وطنى ، وبيتى . قد يكون ورقة شجر ، قد يكون فى عمق البحر . قد يكون أنغام الشجن .. قد يكون خيراً أو شراً ، لكنه بيتى .. لا أريد الانتماء إلى أى انسان ... لا أريد الارتباط بأشياء قابلة للزوال والفناء ".
يأخذه شرود عميق ثم يقول : " غربتك هذه لا وطن لها ولا بيت لها .. لا يوجد رجل واحد فى العالم . يستطيع أن يزيل هذه الغربة .. لا يوجد رجل واحد فى العالم ، يستطيع أن يمنحك العاطفة التى تبحثين عنها " ..
فى حنين متردد الإفصاح ، قال: " حينما رقصنا معاً لأول مرة ، على لحن أوراق الخريف ، أحسست أن بداخلك هذا التوق لمشاعر لم يعرفها البشر من قبل " ..
ظننت أن أيامنا التى عشناها معاً ، بها شىء مما تبحثين عنه .. حاولت جاهداً أن أقترب من المرأة الوحيدة التى أحبت اختلافى ، وسباحتى ضد التيار .. ".
قالت له : " لا أبحث عن رجل ، أبحث عن حلم " .. قال : " زمان ربما كنت الحلم الذى تبحثين عنه . لكننى الآن مجرد رجل " .
نهض واقفاً .. تسللت عيناه إلى أعمق أعماقها .. قال : " أنتِ وحدكِ تكتبين النهاية .. لا أعرف ماذا أقول أو أفعل .. هل اعتذر بالنيابة عن التوقيت الذى جمعنا .. بل الذى فرقنا .. أم أعتذر عن نفسى لكونى مجرد رجل ، ولست حلما ؟ ".
مرت سنوات طويلة منذ هذا اللقاء الأخير .. الآن تجلس فى المكان نفسه ، تؤنسها حسرة الذكريات ، ووقع أوراق الخريف المتساقط .. تقدم بها العمر والحزن .
أحياناً يخالجها شعور بالندم .. أضاعت من يديها رجلاً نادر الفهم .. والدفء .. ولكن لِم الندم وقد كانت صادقة معه .. قالت له حين عرض عليها الزواج : " أنا لست امرأة. ولكننى حلم .. والأحلام لا تتزوج " . كانت صادقة معه ، حينما اعترفت له بأنها تبحث عن حلم مثلها وليس عن رجل .. الرجال يموتون ، أما الأحلام فباقية إلى الأبد ..
رنين كلماته المعتذرة الأخيرة ، تصنع مع صوت أوراق الخريف ، أجمل أنشودة آلم ، يعتصر قلبها .
ها هى وحيدة فى المكان نفسه ، بعد سنوات طويلة ، لا تريد حسابها . وحيدة ، مع أوراق الخريف ، وتجاعيد الحرمان ، كم تحن إليه .. كم تحن إلى رقصة أخرى معه ، على لحن " أوراق الخريف " كان الرجل الوحيد الذى قابلته ، ويعطى بسخاء نادر دون مقابل .. اكتشفت أنه الرجل الوحيد الذى حقاً أحبها لشخصها هى .
كل مَنْ التقت بهم ، كانوا يتعاملون معها بكل اللطف ، والرقة ، لأنها كانت دائمة العطاء .. وحينما يتعثر عطاؤها أو يتوقف ، يتوقف اللطف ، وتختفى الرقة . إكتشفت أنه
الرجل " الحقيقى " الذى مر بحياتها . الجميع كانوا مسخاً أو أشباه رجال .
رجال لا شىء يحركهم ، إلا المصلحة ، والمنفعة ، والأخذ . كلهم على اختلافهم ، رجل واحد ، ملامحه الزيف ، واسمه الجشع .
مرت سنوات طويلة ، أخذت منها كل شىء ، ولم تعطها إلا الحكمة . ماذا تفعل بالحكمة ، والعالم لا يحتفى إلا بحماقات النساء ؟ . لم تعرف طوال عمرها حماقات البشر المألوفة ، والتى يمكن غفرانها . لم تقترف إلا حماقة الحرية .. الحماقة الوحيدة ، التى لا تغتفر . اشتهاؤها الوحيد ، كان للحرية .. من أجلها تحملت العداء وسوء الفهم ..
كان هو الرجل الوحيد ، الذى يفهم ، ويحترم اشتياقها للحرية ، بل ويفخر به .. كان يفهم ، حين الآخرون يسيئون الفهم . كان يقف بجانبها ، يؤيدها ، حينما تتعرض للعداء والنبذ .
ما فائدة أن تذكره الآن ، ما فائدة أن تتحسر على شهامته ، وأصله النبيل ؟ . كان أجمل وأروع ، ما حدث لها طوال حياتها .. تشعر بالبرد .. لا تدرى أهى برودة القلب الوحيد ، أم برودة التحسر ؟؟.
تدفع الحساب .. وإذا هى تهم بالنهوض ، تسمع لحن " أوراق لخريف " ينساب على البعد ..
على وقع النغمات ، يأتيها مثل المرة الأولى رشيقاً . وسيماً .. همست لنفسها : "يالكِ من واهمة حالمة " .
سمعت صوته يقول مقترباً : " لستِ واهمة أو حالمة .. أنا هنا معكِ .. " .
جلس إلى جانبها .. تجمدت فى مكانها .. تنظر إليه غير مصدقة .. ترتعش من المفاجأة .. تلقى بكل سنوات الحنين ، فى عينيه .. تغمرها نظراته بالدفء اللذيذ .. تغمض عينيها لتراه أكثر ، وبدقة .
قالت له : " أحقا أنت هنا .. مش معقول .. أريد أن أتاملك طويلاً جداً .. أين ذهبت الكلمات ؟ تهرب حينما نكون فى أمس الحاجة إليها .. لا أعرف ماذا أقول ؟ ".
قال : " مَنْ يحتاج الكلمات بعد كل هذه السنوات " ؟.
قالت : " أحضورك الليلة مجرد صدفة " ؟ .
قال : " لا شىء يحدث صدفة " ..
قالت له : " أتعرف كم مضى من العمر ، منذ اللقاء الأخير ؟ " ..
فى حنان رائع الود ، قال لها : " كان لابد بى من الاختفاء ، بعض الوقت ، حتى أعود إليكِ .. تعجلت الرحيل عنكِ ، لأننى كنت أتعجل الرجوع " .
قالت له : " أريد أن أتاملكِ طويلاً جداً . لازلت غير مصدقة ، أنك عدت ، وأنك تجلس إلى جانبى .. هنا . ولحن " أوراق الخريف " يعزف حولنا .
أطفأ سيجارته .. نهض واقفاً، مد يده إليها قائلاً " أتسمحين لى بهذه الرقصة". قالت : " ممنوع الرقص فى هذا المكان " .
ابتسم قائلاً : " أنا وأنتِ خلقنا للممنوع ".
---------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان