يوميات أستاذ زائر

شريف حتاتة
2022 / 4 / 14

يوميات استاذ زائر
---------------------------
محاكم التفتيش الصهيونية في أمريكا
.........................................
دق جرس التليفون مبكرا في ذلك اليـوم. كانـت المتحدثة امرأة عربية من أصل فلسطيني. ولدت في أمريكا، وتزوجت من رجل أمريكي مهنته تصميم وبناء المنازل الخشبية المنتشرة في مدينة "سياتل". أما هـي فتعمل مدرسة. لم تر فلسطين في حياتها إلا مرة واحدة ، أثناء زيارة قامت بها منذ سنين ، إلى القـدس وغـزة والضفة الغربية المحتلة.
كونت هي وزوجها ، مع عدد من الشباب العربـي والأمريكي في المدينة لجنة التضـامن مـع الشـعب الفلسطيني، وساهمت هذه اللجنة مساهمة كبيرة في تنظيم المظاهرة التي ضمت أكثر من عشرة آلاف رجل وامرأة من أهل المدينة ، لمعارضة التـدخل العسكرى الأمريكي العدواني ضد العراق في حرب الخليج.
عندما سمعت هي وزوجها عن مجيئنا أنا ونوال إلى المدينـة ، بـادرابالاتصال بنا، وبدعوتنا لقضاء يوم مع عـدد مـن الشـباب والشابات العرب ، في كوخهما الخشبي ، الذي أقاماه عنـد سـفح الجبل على بعد ساعتين بالسيارة مـن "سياتل" ، فـي موقع جميل تطل عليه سلسلة من الجبال تغطيها الثلـوج البيض ، وعلى بعد أمتار من نهر "ويناتشي" الذي تشق مياهـه المندفعة، الفوارة طريقها بين الصخور، والغابات الكثيفة.
هكذا بدأ تعارفنا بالجالية العربية. مع الأيام اتسعت اتصالاتنا مع أعضائها، وتوثقت علاقتنا بهم، وبالمركز العربي لولايـة واشنطن الذي يلتقون فيه . والجالية لها نشـاط ثقـافي متعـدد الجوانب، يشمل إقامة المعارض الفنية وعرض الأفلام العربية ، وإخراج المسرحيات، وعقد الاجتماعات، والندوات، وإصـدار نشرة دورية، كما تقوم ببعض النشاط السياسي لشرح القضايا العربية، أو التحرك حولها، ولكنه يمتد أيضا إلى المواطنين والمواطنات من أصل أمريكي، ويتجاوز كثيرا مـن الخلافات الأخيرة التي قامت بين الحكومات، والقيادات العربيـة فـي السـنين الأخيرة.
مجزرة الجامع الإبراهيمي
.............................
عندما حدثت المجزرة التي قتل فيها الإرهابي الصهيوني " باروخ جولدشتاين " والجيش الإسرائيلي ، ما يقرب من خمسين مصليا في الجامع الإبراهيمي ، منذ شهور قليلة فى 25 فبراير 19994 ، نشأت فكرة إلقاء محاضرة مفتوحة للجمهور ، تخصص حصيلة التذاكر التي ستباع فيهـا لأسـر الضـحايا الفلسطينيين. وطُلب من " نوال السعداوى" وِمنى ، أن نكـون المتحدثين في هذه المناسبة. تعاونت عـدة هيئـات وجهـات لمساندة هذا النشاط ، وعمل الترتيبات اللازمة لعقد الاجتمـاع والإعلان عنه بمختلف الوسائل. قامت بالترتيب لجنة التضامن مع الشعب الفلسطيني، وجمعية تضامن المرأة العربية (فرع سياتل) والمركز العربي لولاية واشنطن ، ومدرسة "جاكسون" للدراسات الدولية في جامعة واشنطون ، ومركـز دراسـات الشرق الأوسط التابع لها.
لكن في ذلك الصباح ، عنـدمـا جـاءني صـوت الصديقة الفلسطينية "تيريزا" وهي تتحدث في التليفون ، أحسست أن هناك شيئا في الجو. كانت نبراتها متوترة، غاضبة غاب عنها الهدوء، والمرح . قالت : أنا تيريزا .. اسفة على إزعاجكما في هذا الوقت المبكر. لكن هناك تطـور مؤسف يتعلق باجتماع يوم الخميس القادم أريـد أن أتشـاور معكما حوله. فهل أستطيع أن أحضر إليكما الآن ؟ لـن يأخـذ منى الطريق أكثر من نصف الساعة ".

التحالف الخاص بشئون اليهود
.....................................
عند وصولها، ودون مقدمات، أخرجت من حقيبتها خطابـا بسطته على المنضدة حتى نقرأه سويا. عند الجزء الأعلى من الورقة ناحية اليسار ، لمحنا نجمة إسرائيل تتوسطها بضـعة حروف مطبوعة ، ورسم لشعلة بيضاء صغيرة، إلـى جوارهـا اسم الهيئة المرسلة للخطاب مطبوعا بالبنط العريض. "التحالف الخاص بشئون اليهود"، ثم عنوانها في نيويورك، وعنـوان فرعها في مدينة " سياتل". أسفل العنوان رقم تليفون لما يسمى عندهم " بخط العمليات الساخنة".
كان الخطاب موجها من المديرة القوميـة للهيئـة ، إلـى أحـد الأساتذة في "مركز دراسات الشرق الأوسـط " فـي جامعـة "واشنطن "، وهو يعمل في الوقت نفسه مديرا للمركز.

" عزيزي الأستاذ فلان....
" أكتب إليك لأعبر عن إحساس القلق الذي ألًم بـي ، عنـدما علمت أن مدرسة "جاكسون للدراسات الدوليـة " فـي جامعـة "واشنطن " قررت المشاركة في تبني برنامج يسعى إلى جمع مبالغ من المال لمساعدة أسر ضحايا المجزرة التي حدثت
فى الخليل وهو برنامج أعلن عنه في شكل محاضـرة سـتلقيها نوال السعداوي، وشريف حتاتة يوم الخميس ١٢ مايو 1994 في قاعة مركز الدراسات الإثنية، التابع للجامعة. ومـن بـين المساندين لهذا النشاط أيضا قسم الدراسات النسائية في جامعة واشنطن، علما بأنني فهمت مـن محادثتنا التليفونيـة أن السياسة التي تتبعها مدرستكم ، هـي عـدم تبنـى الأنشـطة ، والمناسبات التي تستهدف جمع الأموال من أجـل الأغـراض السياسية. إزاء هذا أقترح إجراء تحقيق لمعرفة الكيفية التي تم بها استخدام مدرسة " جاكسون " للدراسات الدولية التي يتبعهـا مركزكم ، لإقامة هذا الاجتماع، وفي هذا الصدد يبدو لي مهما أن تنفى المدرسة رسميا ، أنها مشتركة في هذا النشاط، وأن تتصل بالمجموعات الأخرى المشاركة فيه ، بهدف رفع اسمها عن أي إعلان صدر أو سيصدر في شأن هذا الاجتماع.
وإذا ما تم الاجتماع بتأييد من الجامعة، وفي قاعـة من قاعاتها ، فعلى مدرستكم مسئولية التأكد من توزيع أية مبالغ من المال قد تجمع أثناءه ، بالتساوي بين أسـر ضـحايا الأعمـال الإرهابية التي قام بها العرب مـؤخرا، وبين أسـر حـادث "الخليل"، وأنا في انتظار ردكم."
المخلصة / جودى بالينت .. فاكس بتاريخ 3 مايو 1994
في آخر الصفحة ، كان يُوجد كشف بالجهات التـى أرسـلت إليها صورة من الخطاب ، وهي على التـوالي مـدير مدرسـة " جاكسون للدراسات الدولية "، رئيسة قسم الدراسات النسائية، صورة للأستاذ " إدوارد الكسندر " بقسـم دراسـات اللغة الانجليزية (وهو في الغالب منْ اتصل بالهيئة المذكورة حتـى تحول دون عقد الاجتماع)، صورة للمحامي العام في الجامعة. صورة لمدير مجلس العلاقات الشعبية في الاتحـاد اليهـودي لمدينة " سياتل ".
أبلغتنا " تيريزا " أنه بعد تلقى هذا الخطاب قررت مدرسـة " جاكسون " للدراسات الدولية، ومركز الشرق الأوسط التابع له ، العدول عن مساندة الاجتماع، وأن المسئول عن تخصيص قاعات الجامعة للاجتماعات العامة ، امتنع عن إمضاء التصريح بفتح القاعة للاجتماع الخاص بنا. كمـا أن مركـز دراسـات الشرق الأوسط ، أبلغها أنه سيسحب التبرع الذي قدمه لضحايا مجزرة الجامع "الإبراهيمي ".
اتفقنا على مواجهة الابتزاز والأسلوب الإرهابي الواضـح في الخطاب ، برفض أي نوع من أنواع التراجع، فالجامعات هنا تفتح أبوابها لمختلف أنواع الأنشطة السياسية، والثقافية دون استثناء، وأي موقف فيه خضوع للضغوط الصهيونية ضـد العرب بالذات ، يمكن فضحه في وسائل الإعلام داخـل الجامعـة وخارجها ، مما سيجعل المسئولين في حرج، فالجامعة تتشـدق بتقاليدها الليبرالية حتى وإن كانت محدودة النطاق، وتحـرص على سمعتها الأكاديمية في هذا المجال، فوافقت السيدة "تيريزا" بوصفها سكرتيرة لجنة التضامن مع الشعب الفلسطيني ، علـى مناقشة المسئولين في الجامعة وفقا لهذا القرار.
ليلة المحاضرة
....................
في مساء اليوم نفسه دق جرس التليفون قـرب السـاعة السادسة. كانت المتحدثة مرة أخرى هي السيدة "تيريزا". كـان صوتها هادئا تتخلله رئة الانتصار. قالت إنه بعد مناقشة طويلة وافق المسئولون في الجامعة على إعطائنا القاعة، وعلـى أن نكون أحرارا في جمع التبرعات وإرسالها إلى أسـر ضحايا الهجوم الإرهابي على المصلين في الجـامع الابراهيمي. لم يطالبها أحد بإجراء أي تغيير في الإعلانات ، أو رفع اسم هيئة من الهيئات التي تبنت تنظيم الاجتماع عن الاعلان.
ليلة ١٢ مايو 1995 في الساعة السابعة والنصف ، توجهنا إلى " مركز الدراسات الإثنية ". عندما وصلنا وجـدنـا طـابورا طويلا من المنتظرين في شارع
" بروكلين " حيث يقع المركز. دخلنا إلى القاعة التي كانت غاصة بجمهور كبير ، يصل إلى عدة مئات أغلبهم من الشباب والشابات الأمريكيين، ونسبة لا بأس بها من العرب . وقف الكثيرون منهم في الأركان، أو جلسـوا على السلالم حيث امتلات القاعة منذ وقت مبكر .
قوبلنا عند الجلوس على المنصة ، بتحية حارة ملأتنا دفئاً قبل المحاضرة . قدمتنا إحـدى الشـابات الفلسطينيات بكلمـة قصيرة، وبعد انتهاء المحاضرة تحدثت سكرتيرة لجنة التضامن عن محاولة بعض الجهات الصهيونية للحيلولة دون عقـد الاجتماع، وقرأت على الحاضرين نص الخطاب الـذي أرسله " التحالف الخاص بشئون اليهود "، إلى بعض المسئولين فـي جامعة " واشنطن "، فتعالت أصوات الاستنكار. بعـد قـراءة الخطاب والتعليق عليه فتح باب التبرع ، لتضـاف حصيلة التبرعات إلى المبلغ الذي جُمع من بيع التذاكر وكـان ثـمـن التذكرة ما بين 6.5 و ۱۰ دولارات حسب استعداد المشترى للمساهمة.
عندما انتهت المحاضرة، والكلمات، والأسئلة ، صـفق لنـا الحاضرون وقوفا لمدة طويلة في جو مفعـم بالحمـاس. ثـم توجهنا بعد ذلك ، إلى مطعم يوناني قرب الجامعة تناولنـا فيـه وجبة يونانية عربية خفيفة. كان معنا ما يقرب من ثلاثين شخصا رجالا، ونساء أعضاء الجالية العربيـة. ودارت بيننـا وبينهم أحاديث طويلة. قالوا لنا أن القضـايا العربيـة ومنهـا قضية فلسطين أصبحت تلقى تأييدا متزايدا عند الرأى العـام الأمريكي الأكثر وعيا واستنارة ، خصوصا بعد حـرب الخلـيـج ، وبعد سقوط دعاوى الإرهاب التي كانت توجه ضد الفلسطينيين، وأن الجو أصبح ممهدا لتوسيع النشاط السياسي والثقافي بين الأمريكيين من أصل عربي، والمحيطين بهم، ولاحظنـا هـذه الحقيقة عندما شرعنا في إقامة فرع لجمعية تضـامن المـرأة العربية ، في الجزء الشمالي الغربي من أمريكـا، فالمسـاندون لهذه الفكرة كانوا كثيرين.
عيون ساهرة
...............
لكن المساندين للسياسات الصهيونية ، يعملون ليـل ونـهـار لتوسيع نفوذهم واتصالاتهم في أمريكا. وهم يحرصون علـى وأد أي محاولة لتأييد القضايا العربية من قبل الـرأى العـام، والمؤسسات المختلفة في المجتمع الأمريكي. نشاطهم دائـب وأساليبهم في كثير من الأحيان تستند إلى التخويف والإرهـاب السافرين. إنهم يشكلون قـوة رجعيـة، عنصـرية معاديـة للديموقراطية تتشدق برفع شعاراتها ، بينما هم لا يحترمون أدنى مظاهر حرية التعبير عن الرأي ، طالما أن هذا الرأي يقف ضـد السياسات التوسعية والقمعية لإسرائيل.
النفوذ الصهيوني متغلغل بشكل واضح فـى دور التعلـيم، ووسائل النشر والإعلام. ومنذ أسابيع قليلة حاولنا أن ننشـر مقالا عن التيارات الأصولية الدينية ، كظاهرة لا تتعلق بالإسـلام وحده، وإنما تشمل أيضا تيارات مسيحية في أمريكا، وتيـارات يهودية في إسرائيل، وفي عدد من البلاد الغربيـة. وتناول المقال الدور الذي تلعبه هذه الحركات الأصولية في السياسة الدولية ضد التقدم، والديموقراطية، وكيف أنها تتلقى مساندة قوية من أوساط حاكمة ذات نفوذ في أمريكا، وأوروبا، فرفضت جميع الصحف التي اتصلنا بها نشر هذا المقال حتى تلك التـي ترتدي ثوب الليبرالية، أو اليسار المعتدل . وشرح لى أصدقائي المهتمون بهذه الأمور ، أن النفوذ الصهيوني في هذه الصحف، وفي وسائل الأعلام عموما ، يقف حائلا دون نشـر مثـل هـذه الحقائق على الناس.
بين الحين والآخر أصبحنا نتلقى رسائل تهديـد، بعضـها موقع، وبعضها دون توقيع من أفراد تدل لهجـتهم، وطريقـة تعبيرهم، وأفكـارهم عـن انتمـائهم للتيـارات الصهيونية، والأصولية، وذلك خصوصا بعد أن نشرت مجلة "نورث ويست باسيفيك " الواسعة الانتشار في هذا الجزء من أمريكـا ، تحقيقـا صحفيا على اثنتي عشرة صفحة عنا، وعن نشاطنا الجامعي غير الجامعي، وعن آرائنا في القضايا العربية.
لكن الشابات، والشباب العربي، وعـددا مـن الأصـدقاء الأمريكيين يحيطوننا بالدفء، والتشجيع. تكاتفوا ليجعلوا مـن اجتماع ۱۲ مایو مظاهرة تأييد قوية للفلسطينيين، فـالكثيرون من العرب، أو المواطنين والمواطنات الأمريكيين مـن أصـل عربی ، مستعدون لبذل الجهود في المجال الثقـافي والسياسـي للتعريف بحضارة العرب، وقضاياهم، وتأييدها. إنهم جيل نشط غيرتهم الحياة في أمريكا، وبثت فيهم روح المبادرة والإقـدام رغم سلبيات هذا المجتمع، وما يعانونه منها. إنهم لا يكفـون عن النشاط ويجمعون بين الدراسة في المعاهـدوالجامعـات ، وبين العمل فى مراكز البحث أو المكتبات ، أو المطاعم أو الحوانيت حتى يتمكنوا من سد مصاريف الدراسة والحياة . يمتطون الدراجات البخارية أو غير البخارية فى الصباح وينطلقون إلى مقر العمل ، أو الدراسة ، فى عيونهم صفاء ، وفى وجوههم نضارة الحياة الصحية ، والاعتماد على النفس ، والثقة فيها ، وفى عقولهم انطلاق ، وأفكار تتجدد مع الأيام ، ففرص القراءة ، والبحث ، والتجربة ، والحوار متاحة. ومهما كانت العقبات التى يواجهونها ، فإن التحديات تصقلهم.
هكذا يتكون جيل جديد مختلف من الشباب ، أحوج ما نكون إلى الارتباط بهم . فهم قوة كامنة متطورة تمتلك مدارك وكفاءات ، يمكن للهيئات والتنظيمات العربية الأهلية والشعبية أن تستفيد منها ، وأن تعطى مساندتها المعنوية والأدبية لها فى كثير من المجالات السياسية والثقافية .
من كتاب : " يوميات روائى رحال " 2008
----------------------------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان