الذكور المتحرشون بالنساء من صناعة تفكيرنا وثقافتنا

محمد فُتوح
2022 / 4 / 14

الذكور المتحرشون بالنساء من صناعة تفكيرنا وثقافتنا
-------------------------------------------------------------
قرأت منذ عدة أيام ، عن مطالبة بعض جمعيات حقوق الإنسان ، وجمعيات حقوق النساء ، بضرورة إصدار تشريع أو قانون عاجل ، يعتبر " التحرش الجنسى " بالمرأة ، بمثابة جريمة " هتك االعرض " ، وأن تكون العقوبة أغلظ وأشد ما يمكن .
وقرأت أيضاً ، رأى بعض الشخصيات العامة فى مجالات الإعلام ، والاجتماع ، وعلم النفس ، والثقافة فى قضية " التحرش الجنسى " بالمرأة . والتى يؤكدون وفقاً للدراسات ، والبحوث الميدانية ، وبناء على متابعة مستمرة لصفحة الحوادث فى المجلات والجرائد ، أنها أصبحت " ظاهرة " ، وتحتاج التدخل السريع ، بالقانون .
يقولون أن " التحرش الجنسى " بالمرأة ، أصبح نمطاً شائعاً فى السلوك اليومى . فى الشوارع ، فى وسائل المواصلات ، فى أماكن العمل ، فى المصالح الحكومية ، التى ترتادها النساء لقضاء مصالحهن ، وكذلك فى البيت . هناك أنواع مألوفة مستترة من "التحرش الجنسى " بالمرأة والأطفال الإناث ، تتم من قبل ذكور العائلة ، والذكور ، الأقارب . والبعض تكلم عن التحرش بالنساء من جانب الأزواج .
وهى أنواع أكثر صعوبة من التعقب ، والمتابعة ، وبالتالى للرصد . لأن المرأة ، فى ثقافتنا تخاف من مجرد التلميح عنها ، إما تجنباً للإيذاء من الذكور المعتدين ، أو ستراً للفضيحة ، أو لشعورها بالخجل ، والذنب ، والعار.
والجميع ، يتفقون على وصف مجتمعنا ، نتيجة هذه الظاهرة ، بالانحدار الأخلاقى المزرى ، غير المسبوق وبانهيار فى القيم ، فاق كل معدل مألوف . لست بالطبع ، أنكر هذا السلوك العنيف ، ولا أستهين " بالتحرش الجنسى " ، الذى تتعرض له المرأة فى جميع مراحل عمرها ، وفى كل أشكاله ودرجاته ، ولا أقلل من حجم الحالات التى نراها ، ونسمع عنها ونقرأ نتائجها . ولست أيضاً ، ضد الجمعيات التى طالبت بقانون وعقوبة غليظة ، تعاقب " التحرش الجنسى " كجريمة هتك العرض ، باسم حقوق الإنسان ، أو باسم حقوق النساء. وبالطبع مؤشراته ، أنه " انحدار أخلاقى " من الطراز الأول ، وغير مسبوق فى بلادنا .
ومع ذلك ، لست مرتاحاً إلى هذه الضجة الإعلامية ، تعلو مع كل حالة تحرش ، والتى تدين " التحرش الجنسى " بالمرأة، وتتهم الشباب الذكور بـ " الانحدار الأخلاقى " غير المسبوق .
هؤلاء الذكور من صناعتنا نحن . والسبب ، أننا نتعامل مع قضية " التحرش الجنسى " بالمرأة ، كعادتنا فى التعامل مع جميع القضايا ، بمنطق الاستسهال ، وإصدار قرارات وعقوبات ، تتناول النتائج ، وتقوم بـ " تسكين " الأعراض ، والأعراض ، وتخدير الألم .
لكننا لا نتعرض إلى التشخيص الجذرى عن أصل المرض ، حتى يتم استئصاله ، وإبادته على المدى القصير والمدى الطويل .
دائماً نمسك فى الفروع ، والذيول .. ونترك الجذور ، والرءوس .
إن " التحرش الجنسى " بالمرأة ، ليس إلا عرضاً للمرض الأصلى المتوطن ، وهو العقلية السائدة منذ آلاف السنوات ، التى تختصر المرأة إلى " كتلة لحم " ، تسبب الهياج الجنسى للذكور ، الذين تبقى غرائزهم ساكنة ، كامنة ، إلا إذا رأوا أمامهم " كتلة اللحم " المثيرة .
المرض الأصلى ، الذى لم يطالب أحد بإصدار تشريع لإلغائه ، وتجريمه ، هو الثقافة الأخلاقية غير العادلة ، ذات المقاييس الأخلاقية المزدوجة ، التى تُورث للنساء ، والرجال.
المرض الأصلى ، ألا وهو التفرقة الجنسية ، والإنسانية ، بين الرجال والنساء ، فى جميع مراحل أعمارهم ، هى التى خلقت لنا الرجل الذئب ، الذى لا هم له إلا تعقب الفريسة الأنثى " كتلة اللحم " ، ليصطادها ، أو يتسلى بها ، أو يأكلها .
وخلقت لنا ، المرأة التى لا تنظر إلى نفسها ، إلا باعتبارها محرضاً لأحط غرائز الذكور ، غير المتحكم بها ، التى إن طالتها ، لن تتركها إلا فاقدة العذرية ، فاقدة الوعى ، فاقدة الكرامة ، وربما فاقدة الحياة . ومن أجل تفادى الأذى ، ارتدت الحجاب والنقاب ، كما حاصرها الفكر الاسلامى الوهابى المتغلغل فى مصر ، منذ منتصف سبعينات القرن الماضى .
إن " التحرش الجنسى " بالمرأة عنف ، وإرهاب ، وجريمة ، وقلة أدب ، وانحطاط أخلاقى ، وانفلات شهوانى حيوانى . ولكن كل هذه الأمور ، ما هى إلا نتائج طبيعية ، واردة ، متوقعة ، للثقافة الذكورة السائدة ، التى تتمسك بها مجتمعاتنا ، كأنها لا بديل لها .
إن " التحرش الجنسى " بالمرأة ، بمثابة " حفرة " صغيرة ، الجميع يتشطرون عليها . لكن هذه " الحفرة " . لا تقارن بــ " البئر " العميقة ، التى نحن مُلقون فيها . وهى التفرقة التاريخية المزمنة ، بين الرجال ، والنساء ، لصالح هيمنة الذكور على أرواح ومصير وأجساد النساء .
إن المرأة التى يتم التحرش بها جنسياً ، قد خضعت قبل ذلك ، إلى أنواع عديدة ، وكثيرة من التحرشات الثقافية والاجتماعية والإنسانية .
تحرشات إنسانية يعتبرها البعض طبيعية ، منشقة من التفسيرات الدينية . متلائمة مع طبيعة المرأة القاصرة الشيطانية ، متوافقة مع غاية خلقها ، فى طاعة الذكور وأتباعهم . منسجمة مع احتواء المرأة لجميع الشهوات المتدنية . وتمهد المرأة لتكون ملكية خاصة فى الزواج ، والأسرة . ومن حق الذكر فعل أى شىء ، فى ملكيته الخاصة .
إن " التحرش الجنسى " بالمرأة لهو مجرد " الصدى " .
لكنه ليس " الصوت " . عليكم بالصوت الذى يجب أن نخرسه الى الأبد ، .. حتى لا نسمع الصدى أبداً ، وخاصة ، أن العقوبات القانونية ، لا تحل الأمراض المتوطنة.
ماذا يفعل القانون المغلظ ، حتى لو كان رادعا ، حازما ، سريع الانجاز ، أمام ثقافة
وهابية سلفية ، مازلت مسيطرة ، ولديها امكانات ضخمة فى الاعلام ، والتعليم ،
ونشر الكتب الدينية غير صالحة للانسانية والعدالة والمنطق . ثقافة لا نواجهها بثقافة
مضادة مغايرة ، تبتر الفكرة من جذورها ، وتستأصل بقاياها ، وترش مبيدات قاتلة لسمومها .
من المحزن أن مصر لم تعرف " التحرش الجنسى " من قبل ، والذى بدأ فى ثمانينات القرن الماضى . بالطبع كانت هناك معاكسات فى الشوارع ، لكنها لم تكن تتطور الى لمس جسد الفتاة أو المرأة ، أو الانقضاض عليها واغتصابها .
وكلما زادت تغطية المرأة ، زاد التحرش . هذه حقيقة تثبتها الأرقام والاحصائيات فى بلادنا ، وفى المنطقة العربية ، وغيرها من الدول التى تفرض على النساء الاختفاء عن الأعين ، تطبيقا للاسلام النسخة الوهابية والسلفية .
اصدروا ما شئتم من قوانين . لكن تغيير الثقافة هو المناعة الحقيقية الدائمة ، لأنسنة
المرأة ، وتهذيب أخلاق الرجل تجاه النساء .
من كتاب " استلاب الحرية باسم الدين والأخلاق " 2008
------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار