روسيا الراديكالية: السياق الديني والتاريخي لمناهضة ألكسندر دوجين للغرب

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 4 / 11

مارسين سكلادانوفسكي و لوكاش بورزيكي(1)
Marcin Skladanowski and Lukasz Borzecki

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي. (2)
zawinour@gmail.com

مقدمة

أحد العوامل الرئيسية في الحياة السياسية والفكرية الروسية هو مناهضة الغرب. أهميتها غدت أكثر وضوحا في الغرب منذ بداية الصراع بين روسيا وأوكرانيا عام 2014. ومع ذلك، فالإشارة جديرة بالاعتبار تنحو إلى أن المناهضة الروسية المعاصرة للغرب لا يمكن حسابها كنتيجة لهذا الصراع أو للدعم الذي أبدته الدول الغربية لأوكرانيا. إن مناهضة الغرب عميقة الجذور في التقاليد السياسية والوطنية والدينية لروسيا. لم يكشف الصراع في أوكرانيا إلا عن حجمها وعواقبها.
هناك تقليد طويل الأمد من مناهضة الغرب في روسيا، سواء في الفترة الإمبراطورية أو السوفيتية من تاريخها. يمكن للمرء أن يميز فترات قصيرة وغير مهمة نسبيا من التعاون الروسي مع الغرب؛ على سبيل المثال، في القرن العشرين، الحكومات المؤقتة للجمهورية الروسية تحت الأمير لفوف/ L’vov و كيرينسكي/ Kerenskiy بين فبراير وثورة أكتوبر 1917 ورئاسة بوريس يلتسين/ Boris Yeltsinفي التسعينيات. ومع ذلك، فقد تم اعتبار هاتين الفترتين في الفكر السياسي والثقافي الروسي لاحقا، ليس فقط على أنهما محاولات فاشلة لتغريب روسيا، ولكن أيضا كأخطاء سياسية أدت إلى هزيمة البلاد في الحرب العالمية الأولى، أو أثارت واحدة من أكثر الفترات فوضى في السياسة الروسية والحياة الاجتماعية المعروفة باسم "التسعينيات السيئة (likhiye devanostye). علاوة على ذلك، ووفقا لزوي نوكس/ Zoe Knox، فإن فشل إصلاحات يلتسين الغربية شجع الرؤى السياسية والاجتماعية البديلة التي تطورت في التقاليد الروسية.
إن معاداة ألكسندر دوغين للغرب ليست ظاهرة معزولة. فهو ينتمي إلى نادي إيزبورسك/ Izborsk Club، الذي تأسس في عام 2012، يترأسه ألكسندر بروخانوف؛ مفكر روسي آخر من اليمين المتطرف. وفقا لأعضائه، كان من المفترض أن يكون هذا النادي مؤسسة فكرية محافظة بهدف معارضة التأثيرات الغربية في روسيا ومحاربة الميول المؤيدة للغرب داخل روسيا، والتي يُشار إلى مؤيديها باسم "الطابور الخامس". يبدو أن معاداة دوغين للغرب صادقة، على عكس الخطاب المعادي للغرب الذي قدمه ممثلو سلطات الاتحاد الروسي، الذين يتعلم أبناؤهم في الجامعات الغربية؛ و تودع ثرواتهم في البنوك الغربية أو تستثمر في العقارات بالدول الغربية. . دوغين يرى الغرب على أنه العدو الوجودي لروسيا. فهو يعتبر وجود روسيا وتطورها متوقفين على عزلتها الصارمة عن الغرب، أو في تصريحاته الأكثر تطرفاً، على تدمير الغرب أو سقوطه.
إن الطابع المثير للجدل لفكر دوغين يجعله موضوعا مثيرا للاهتمام للعديد من العلماء المتخصصين في العلوم السياسية المعاصرة والعلاقات الدولية. تم إجراء تحليل جذور فكر دوغين ومعناه وكذلك ارتباطاته بالحركات الغربية اليمينية المتطرفة بطرق ثاقبة من قبل علماء مشهورين مثل مارلين لارويل/ Marlène Laruelle، ومارك سيدجويك/ Mark Sedgwick ، وأندرياس أوملاند/ Andreas Umland ، وأنطون شيخوفتسوف/ Anton Shekhovtsov ، وديمتري شلابينتوخ/ Dmitry Shlapentokh. و بالرغم من الاعتراف بمدخلاتهم بالتفكير في اليمين المتطرف والإمبريالية الجديدة في روسيا، فإننا ندعي في هذا المقال أن تحليل آراء دوغين؛ و فقط من منظور خاص بالعلوم السياسية؛ وإن كان ذا قيمة، غير كافٍ للكشف عن أهميته الحقيقية. و يمكن ملاحظة حالة مماثلة، في سياق أوسع، في حالة الأيديولوجية المعاصرة المعادية للغرب والانعزالية التي يروج لها الاتحاد الروسي في ظل ظروف الصراع مع الغرب. هذا الصراع، على الرغم من طبيعته السياسية والعسكرية والاقتصادية، يكشف عن جذور أخرى للعداء تجاه الغرب وقيمه المميزة، ومبادئ المجتمع والحياة الفردية، فضلاً عن علاقة الفرد بالمجتمع الموجود في الفكر الروسي و التقاليد الدينية.
يجب أيضا إضافة منظور بحثي إضافي، وهو أمر لا غنى عنه فيما يتعلق بدوغين نفسه وكذلك الأيديولوجية المعادية للغرب التي يروج لها حاليا الاتحاد الروسي، وهو السياق الديني والتاريخي؛ الدائم الحضور بين الروس و في تقاليدهم، وقد نجا، على الرغم من الضغط لتحديث البلاد، خاصة خلال إصلاحات بطرس الأكبر و في الفترة السوفيتية، ليصبح سمة مهمة للدعاية الوطنية الحديثة. هذه الدعاية موجهة في الغالب إلى مواطني الاتحاد الروسي، ولكنها تؤثر أيضا على جميع أعضاء "عالم الروس"/ Russkiy mir، الذي يُترجم غالبا باسم "العالم الروسي")، و يشمل المواطنين الناطقين بالروسية من الدول الأخرى، لا سيما جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق. هذه الظاهرة جديرة بالملاحظة لأنه، وفقا لتصريحات الرئيس بوتين و ممثلين آخرين للمؤسسة الروسية و نخب الكنيسة الأرثوذكسية الروسية؛ وخاصة الدوائر والمنظمات الروسية المحافظة، مثل نادي إزبورسك/ Izborsk Club و مؤسسة عالم الروس/Russkiy Mir Foundation. من المتوقع أن يكون هؤلاء المواطنون مخلصين لروسيا وستتم حمايتهم من قبل روسيا.
إن كفاءة الدعاية المعادية للغرب المستوحاة من الحكومة والتي تستهدف المواطنين الروس مشكوك فيها إلى حد ما. تشير هذه الكفاءة المشكوك فيها إلى حقيقة أنه نتيجة لتدهور الوضع الاقتصادي، منذ مارس 2018، عندما فاز فلاديمير بوتين بالانتخابات الرئاسية. حيث تشير مراكز أبحاث الرأي العام إلى انخفاض كبير في شعبية سياسات بوتين نفسه. حتى أنه تم الإبلاغ عن زيادة ملحوظة في الآراء الإيجابية حول الغرب، و التي تم تصويرها بلغة الدعاية على أنها تتبع سياسة مناهضة لروسيا تهدف إلى إخضاع روسيا. في ظل هذه الظروف، يمكن للمرء أن يتوقع مزيدا من الضغوط الأيديولوجية من جانب السلطات الروسية إلى جانب الإجراءات المعلنة مسبقا؛ و التي تهدف إلى حرمان الروس من الوصول إلى مصادر المعلومات المستقلة.
هذا السياق الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي يجعل التفكير في معاداة دوغين للغرب جديرا بالملاحظة، ليس فقط من أجل التعرف على آراء ممثل الأوساط الفكرية المحافظة للغاية؛ ولكن أيضا من أجل التعرف على المرجعيات الدينية والفكرية التي لا يزال من الممكن استخدامها من قبل السلطات الروسية في معركتها الأيديولوجية. لذلك، تهدف هذه المقالة إلى إظهار العناصر الدائمة للتأريخ الديني الروسي، والتي أعاد دوغين تفسيرها وجعلها متطرفة. كما إظهار دوغين باعتباره مثقفا منغمسا في تقليد التأريخ الروسي الملهم دينيا والذي يعيد أيضا تفسير هذا التقليد بطريقة إبداعية. في ضوء ذلك، لا يُنظر إلى دوغين على أنه ناشط فكري وسياسي يميني متطرف فحسب، وهو بالتأكيد ذاته إلى حد معين؛ و يتم تقديمه على هذا النحو في أدبيات العلوم السياسية، ولكن أيضا باعتباره مثقفا لا يزال متجذرا بعمق في التقليد الروحي للروس. حيث يقوم على طريقته الراديكالية، وإن كانت منطقية، باستقراء محتوى التقليد المذكور.

المصادر والمنهجية
لقد قررنا كأساس لمرجعيات هذا المقال أن تطل أعمال دوغين الأخيرة، والتي تم تأليفها بعد "خطاب ميونيخ" لفلاديمير بوتين عام 2007، في ظروف الصراع المتزايد مع الغرب؛ الذي أدى أولاً إلى الحرب في جورجيا، زيادة على ضم شبه جزيرة القرم وسيفاستوبول والصراع في دونباس. هذا الاختيار مهم من الناحية المنهجية لأنه، في أعماله السابقة، والتي غالبا ما يشير إليها الباحثون المذكورون أعلاه، لا يخفي دوغين علاقاته بالتقاليد الفكرية الغربية، التي يقبلها جزئيا (خاصة كارل شميت/Carl Schmitt، مارتن هايدجر/ Martin Heidegger، أو آين راند/ Ayn Rand) و يرفض جزئيا؛ ( و على وجه الخصوص، كامل تقاليد الأنثروبولوجيا الغربية، المسيحية والعلمانية، وكذلك ناتج الفكر الاجتماعي الليبرالي والفرداني).
شهدت السنوات الأخيرة تطور أفكار دوغين. فقد أدى الخطاب المعادي للغرب بشكل متزايد إلى توظيف تقاليد الروس الدينية (في بعض الأحيان في شكل علماني بشدة) والتاريخ بدلاً من الموارد الغربية لدعم ادعاءاته. بهذه الطريقة، تصبح معاداة دوغين للغرب أكثر تماسكا. يمكن للمرء أن يدعي أنه على الرغم من جميع التحفظات التي يجب أن تثيرها آرائه؛ وحقيقة أن هذه الآراء غالبا ما تكون غير مقبولة من المنظور الغربي، فإن فكر دوغين يمكن اعتباره نتيجة منطقية لتطور أرثوذكسية الروس في بعديها الاجتماعي والسياسي.
في هذا المقال، تم استقراء القضايا الدينية والتاريخية الرئيسية من أعمال دوغين الحديثة بطريقة توضح كيف يفسر دوغين ويعيد تفسير هذا الجانب من التقاليد الفكرية والروحية الروسية. إن استقراء هذه العناصر وتحديد الطريقة التي يستخدمها دوغين في رؤيته الجيوسياسية والتاريخية يقودنا إلى الإشارة إلى مدى أهمية الحجج التي تنتمي إلى مجال الدين والتاريخ بالنسبة لفكره، خاصة فيما يتعلق بمفاهيمه المعادية للغرب والانعزالية.
الجذور التاريخية والأنثروبولوجية لمذهب دوغين المناهض للغرب.
على الرغم من أن أفكار ألكسندر دوغين معقدة بشكل واضح؛ و لا يمكن حصرها في مجال معرفي واحد معين، فمن الممكن التعرف على سمة عامة لفكره، والتي يمكن وصفها بالرفض التام للغرب. و مجملها يغطي كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والفردية. ويتجلى ذلك في تقييم دوغين للثقافة الغربية، والآراء والأخلاق الأنثروبولوجية، والمعتقدات الدينية، فضلاً عن النظام الاجتماعي والاقتصادي. وفقا لدوغين، إن أيديولوجية الغرب بأكملها تنهار إلى العلمانية والمادية والإلحاد و البراغماتية. و يصف العالم الغربي مرارا بأنه فاسد و متعفن. هذا هو سبب تسمية الفكرة الغربية للديمقراطية بـــ"مملكة المسيح الدجال"، وتعتبر الليبرالية السياسية والاقتصادية "شرا مطلقا". نقد دوغين موجه بشكل خاص إلى الولايات المتحدة، التي يسميها صراحة "بلد الشر المطلق" و "مركز محور الشر". هذا النوع من اللغة، الذي يكاد يكون مقبولا في المناقشات الأكاديمية الحديثة، يربط أفكار دوغين بتقاليد فكرية روسية ضاربة في الأمد، ولا يمكن فهمها بشكل صحيح إلا ضمن هذا التقليد. ومع ذلك، في الآن نفسه، فإن هذه اللغة ممكنة فقط ضمن التقاليد الأنثروبولوجية الروسية، حيث لا يوجد مجال لفهم الكرامة والحقوق الشخصية، وهي سمة من سمات الغرب، والتي بموجبها يؤدي المجتمع دورا تابعا مع احترام الفرد. و في التقاليد الروسية، يكتسب الشخص قيمته الحقيقية فقط عندما يخدم الجماعة؛ مجتمعا، كنيسة و دولة.

الجذور التاريخية.
دوغين ذاته يربط فكره بهذا الجانب من التقاليد الروسية التي أكدت المهمة الثقافية والسياسية لروسيا في العالم. هناك عنصران مهمان في هذا التقليد منذ فترة ما قبل الثورة في التاريخ الروسي يستحقان ذكرهما، لأنهما مهمين في أفكار دوغين.
أولاً، يجب أن نتذكر ما يسمى انشقاق المؤمنين القدامى (starovery) الذي نشأ نتيجة لرفض بعض الجماعات داخل الأرثوذكسية الروسية لإصلاحات البطريرك نيكون/ Nikonفي القرن السابع عشر/17م. فبالرغم من كونهم أقلية ومضطهدون من قبل الكنيسة الرسمية والدولة على حد سواء، فقد أثرت المفاهيم الدينية والمفاهيم الأخروية للمؤمنين القدامى بشكل كبير على الحياة الفكرية الروسية. ففي معتقداتهم، كان لروسيا (روسيا المقدسة) مهمة مقدسة خاصة في العالم؛ باعتبارها الإمبراطورية المسيحية الحقيقية الوحيدة (أي الأرثوذكسية) بعد سقوط القسطنطينية، والتي، حسب رأيهم، كانت بسبب اتحادها مع الغرب "المنشق". و بات يُعتقد أن موسكو، باعتبارها روما الثالثة والأخيرة، هي عاصمة مملكة الرب على الأرض، وهي علامة على الحرب الأخيرة بين الخير والشر. و منه، يجب اعتبار المعارضة القوية لأية محاولة لتحديث الحياة الدينية والاجتماعية الروسية تحقيقا لمهمة روسيا الأخروية في العالم. و على النقيض من ذلك، كان لابد من صد الثقافة الغربية، بأشكالها من حياة دينية، و قيم، ونظام اجتماعي، لاعتبارها بشكل أساسي غير متوافقة مع مهمة روسيا التي وهبها الرب.
العنصر الثاني الذي أثر في فكر دوغين هو الحركة المناهضة للغرب و المتعلقة بفترة النهضة الدينية والوطنية لروسيا في القرن التاسع عشر/19م. تميزت تلك الفترة في التقاليد الفكرية الروسية بالمحاولات الأولى، بعد الإصلاحات التغريبية لبطرس الأكبر، حيث استبدلت القيم الغربية و أشكال الحياة السياسية والدينية، و التي كانت تعتبر غريبة عن التقاليد الروسية، بالقيم الروسية التقليدية. أصبحت هذه الفكرة أكثر وضوحا بعد الانتصار على نابليون؛ حيث عزز الاقتناع بالمهمة الثقافية والدينية لروسيا.
السمتان المهمتان: مناهضة الفكر والتوجه نحو الشرق، اللتان ميزتا فترة النهضة الدينية والوطنية، أثرتا أيضا على فكر دوغين. ينبغي بالأحرى فهم مناهضة الفكر الروسي على أنه رفض لأساليب التفكير الغربية. هذه الفكرة مهمة لدوغين في تبرير معارضته لبعض المفاهيم الأنثروبولوجية الغربية الرئيسية، مثل حقوق الإنسان، وكرامة الفرد، أو الدور الفرعي للمجتمع فيما يتعلق بأعضائه. كان الانعطاف نحو الشرق يهدف إلى إيجاد مصادر بديلة للثقافة الروسية والتنظيم الاجتماعي. و على الرغم من أن الإحياء الفكري في القرن التاسع عشر كان مرتبطا بشكل أساسي بتجديد اللاهوت الأرثوذكسي الروسي وبداية حركة المنتصرين للنزعة السلافية، إلا أنه كان يميل إلى إظهار أن التقاليد الاجتماعية الروسية لم تتشكل من قبل المسيحية فقط، ولكن أيضا من خلال التأثير المستمر لثقافات الآسيويين، لا سيما في مجال الحياة الاجتماعية. يستخدم دوغين هذا الميل لتجذير آرائه الأنثروبولوجية في المفاهيم الشرقية للإنسان والبنية الاجتماعية، على الرغم من أنه لا ينأى بنفسه تماما عن الأنثروبولوجيا الغربية القائمة على فكرة الفرد.

وجهات النظر الأنثروبولوجية
يمكن فهم رفض دوغين للأنثروبولوجيا الغربية، مع صلاتها بالرؤية المسيحية الغربية للإنسان، و كنتيجة منطقية للعناصر المذكورة أعلاه للتقاليد الفكرية الروسية. و مع ذلك، دوغين لا يقتصر على النفي البسيط. إنه يقترح رؤية أنثروبولوجية مختلفة، يمكن وصفها بأنها "أنثروبولوجيا مناهضة للغرب" نظرا لتطورها في تناقض واضح مع المفاهيم الأنثروبولوجية والأخلاقية الأساسية مثل "الإنسان الفرد" أو "حقوق الإنسان".
أساس أنثروبولوجيا دوغين الموجهة جدليا هو انفتاحه على التعددية الثقافية والدينية؛ فبالرغم من أنه يصف نفسه بأنه مسيحي أرثوذكسي؛ وكإنسان متجذر بعمق في الثقافة الروسية. في رأيه، هذا لا يتعارض مع إمكانية الاعتراف بالحلول الأنثروبولوجية المختلفة على أنها مشروعة، كل واحدة في محيطها الثقافي والديني. لا يدعم دوغين أي تعايش بين الأنثروبولوجيا المختلفة في ثقافة معينة ولكنه يمنح كل ثقافة الحق في أن يكون لها أنثروبولوجيا، والتي يجب اعتبارها على نفس القدر من الأهمية والصدق. و من خلال ربط الأنثروبولوجيا بثقافة معينة، يرفض دوغين إمكانية وجود رؤية واحدة وملزمة عالميا للإنسان. هذا الاقتناع له نتيجة مهمة: لا يمكن مناقشة أنثروبولوجيا معينة إلا في محيطها الثقافي. و من وجهة النظر هذه، فإن أي محاولة لتقييم الرؤى المختلفة للحياة الفردية والاجتماعية؛ من المنظور الغربي فقط، يجب رفضها باعتبارها غير مبررة وغير مشروعة أو مجرد محاولة لفرض القيم والأفكار الغربية على الثقافات غير الغربية. لذلك، لا يمكن انتقاد اقتراح دوغين الأنثروبولوجي إلا من داخل التقاليد الفكرية والدينية الروسية. علاوة على ذلك، بالرغم من تطرفه، فهو متجذر بعمق في هذا التقليد. فالسمات الرئيسة لأنثروبولوجيا دوغين هي الراديكالية المناهضة للفردانية وسياقها الجغرافي والثقافي.
يمكن فهم معاداة دوغين للفردانية على أنها توليفة راديكالية لكل من الأنثروبولوجيا الأرثوذكسية المجتمعية والاشتراكية الشيوعية (السوفيتية). وفقا لسفيتلانا نيريتينا/Svetlana Neretina، يرتبط تقييد الحرية الفردية في الحياة العامة الروسية بالتركيز على التقاليد الوطنية. و "الإنسان هو مقياس كل شيء" هذا التصريح للفيلسوف اليوناني بروتاغوراس، يمكن اعتباره أساس الأنثروبولوجيا المركزية الغربية. و وفقا لدوغين هو "بدعة عالمية". إن مفهوم الكرامة الذي يمتلكه كل إنسان هو أساس الأنانية الغربية وشهوة السلطة. كما أنه يبرر عدم احترام الغرب للثقافات والحضارات الأخرى. من ناحية أخرى، يعتقد دوغين أن "الإنسان الحقيقي" هو الجنس البشري بأكمله. و يقترح مفهوم "الأنثروبولوجيا السياسية"؛ حيث "الإمبراطورية" فيها فقط؛ هي صاحبة حقوق الإنسان وكرامته: "الإمبراطورية إنسان عظيم". فالقيمة الحقيقية لكل شخص تعتمد على تمسكه بالإمبراطورية. ومن ثم، فإن النظام السياسي للإمبراطورية يحدد الحياة الفردية والسمات الشخصية لأعضائها. يعتقد دوغين أن النظام السياسي للإمبراطورية لديه إمكانات فكرية و مفاهيمية و تعليمية و قسرية يمكنها تشكيل مواطنيها بحرية. يسمح لنا هذا السياق إدراك أنثروبولوجيا دوغين كشكل من أشكال "ما بعد الإنسانية".
السمة الثانية لأنثروبولوجيا دوغين ترتبط ارتباطا وثيقا بنهج منطقته الأوراسية، والتي وفقا لها يجب أن تكتشف روسيا أصولها وهويتها الحقيقية في الثقافات الآسيوية. حيث "الحضارة الروسية" هي وحدة متماسكة ومتعددة الاستخدامات ولها جذور في كل من الأرثوذكسية البيزنطية والتقاليد الآسيوية. كما للحضارات الأخرى مصادر مختلفة من حياتها الاجتماعية وأنظمتها الأخلاقية ومجموعات قيمها. و إذ يعارض دوغين بشدة الهيمنة الثقافية للغرب، إذ أنها تتضمن فرض القيم الغربية والمبادئ الاجتماعية على الثقافات الأخرى غير الغربية، فعليه أن يعترف بإمكانية تطوير أنثروبولوجيا مختلفة، ولكنها صحيحة بشكل متساوٍ في سياقات ثقافية متباينة.. لكل أنثروبولوجيا محيطها الحضاري وهي مقبولة فقط في تلك البيئة. المفهوم الغربي للإنسان مفهوم فقط ضمن التقاليد الاجتماعية والدينية الغربية. و خارج هذه البيئة الثقافية (على سبيل المثال، في روسيا)، هذا المفهوم والقيم والمعايير ذات الصلة ليست فقط غير مفهومة ولكنها تشكل أيضا عنصرا غريبا ثقافيا يجب إزالته؛ لأنه يمثل تهديدا للهوية القومية أو الدينية. هذا هو سبب تأكيد دوغين على وحدة الأنثروبولوجيا والأرض، وهو أمر حيوي للتكامل الداخلي والثقافي لروسيا. فجميع الشعوب المختلفة التي شكلت اليوم سكان الاتحاد الروسي كانت تعتمد بشدة على أراضيها؛لم تكن بنية اجتماعية فحسب، بل كانت أيضا أكسيولوجيا، و مفهوما للكائن البشري نفسه الذي شكلته الأراضي الروسية. و من وجهة نظر دوغين، لا تتوافق البنى الاجتماعية الأخرى، أو البديهيات، أو مفاهيم الإنسان مع هذا التراث الروسي الأوراسي.
لكن دوغين يذهب إلى أبعد من ذلك. فهو يعتبر المفهوم الغربي للإنسان، القائم على كرامة الشخص وفهم حقوق الإنسان باعتبارها حقوقا فردية، غير ملائم أو "غريبا ثقافيا" بالنسبة لروسيا. في فكر دوغين، يمكن أن نرى بسهولة الرفض التام للقيم الغربية مثل الديمقراطية أو الحرية الفردية أو اقتصاد السوق الحرة. هذه القيم، و التي يعتبرها "ما يسمى بالقيم"، هي وسيلة لتدمير هذه المجتمعات التي فُرضت عليها. و من هنا جاءت فكرة دوغين عن التدهور الاجتماعي والثقافي والأخلاقي للغرب. هذه الفكرة لها أيضا بعد ديني لأنها مرتبطة برفض المسيحية الغربية، وخاصة البروتستانتية، كنوع من تجسد الروح والقيم الغربية.

معتقدات دوغين الدينية
تتأثر الطريقة التي يفسر بها دوغين بالتأريخ الديني للروس؛ و ما يستخدمه لتبرير مفاهيمه الجيوسياسية بتعريف تدينه. فتصريحاته الدينية غير واضحة إلى حد ما. فهو يعلن نفسه أنه مسيحي أرثوذكسي، و عضو في مجمع يدينوفيرتسي/ Yedinovertsy الذي يجتمع في كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل في الضواحي بالقرب من موسكو. في حالة دوغين، لا يعني الانتماء إلى جماعة يدينوفيرتسي فقط المحافظة و نهج التقليد في القضايا العقائدية أو الطقوسية. إذ يشير يشير في أعماله إلى أمور الآخرة لدى المؤمنين القدامى/ Eschatology. و بالنتيجة، يرفض أي شكل للتقدم الديني، و الذي أصبح أيضا سببا للانشقاق (raskol) (3) في الكنيسة الروسية، وأدى إلى رفض المؤمنين القدامى للكنيسة الرسمية. و بالرغم من أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لم تعلن رسميا موقفها من هذه المسألة، إلا أن العديد من المفكرين الأرثوذكس واللاهوتيين ينأون بأنفسهم عن موقف دوغين.
ومع ذلك، ينبغي للمرء أن يلاحظ أنه في السنوات الأخيرة، توقف دوغين عن نشر الأفكار غير المقبولة لعلماء اللاهوت الأرثوذكس. مثل التفسير الغامض للعمليات السياسية والثقافية. و التأكيد على المفاهيم الأنثروبولوجية الشرقية التي تشكك في وجود الروح البشرية والقناعة المسيحية بأن كل فرد مُقدّر للخلاص، أو على النقد الشديد للأرثوذكسية الروسية بعد إصلاحات البطريرك نيكون/ Nikon. ومع ذلك، في بداية القرن الحادي والعشرين، كانت هذه الأفكار تستخدم لوصف دوغين بأنه مهرطق بين الأوساط الأرثوذكسية.
لجعل هذه الصورة أكثر تعقيدا، فإن دوغين، و على الرغم من رفضه للإلحاد، لا يعتبر التوحيد ضروريا، وبالتالي فقضايا الطابع العالمي للمسيحية، تبعده عن الأرثوذكسية في أسسها العقائدية. و بالرغم من أن دوغين لم يرفض صراحة مطلقا تلك المفاهيم السابقة التي تعارض العقيدة الأرثوذكسية، إلا أنه بذل جهدا منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتقديم آرائه إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بطريقة أقل تصادمية. بهذه الطريقة، أصبح دوغين على نحو متزايد شخصية مهمة في التيار المحافظ للأرثوذكسية الروسية الرسمية. و في نفس الوقت، دوغين هو عضو في "نادي إيزبورسك"/ “Izborsk Club” إلى جنب؛ في هرمية من رؤساء أرثوذكس روسيين مؤثرين مثل: المتروبوليت تيخون (شيفكونوف)/ Tikhon (Shevkunov)، وهو أيضا من الدوائر المقربة لفلاديمير بوتين. إن مسيحية دوغين تتمتع بشخصية نسبية وانتقائية إلى حد ما، وهي تخدمه كأساس فكري لمفاهيمه المصاغة مسبقا. و كدليل يمكن أن يخدم دعم دوغين في دور خاص للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في كومنولث الدول المستقلة. هذه الكنيسة، التي لها صلات بموسكو، ستكون عاملاً موحدا في نطاق ما بعد الاتحاد السوفيتي حول روسيا.
مثل هذا المنظور الديني، إلى جانب الجذور التاريخية الآنفة الذكر لمفاهيم دوغين في تأريخ أرثوذكسية الروس؛ (بما في ذلك الأفكار الانشقاقية للمؤمنين القدامى)؛ و الأنثروبولوجيا الجماعية التي تميز التقليد الفكري الروسي بأكمله تقريبا؛ والتي تنبع من الأرثوذكسية المعدلة تحت التأثيرات الآسيوية، سيتخذ بالجملة شكل المفاهيم الدينية والتاريخية الثلاثة التالية. حيث يبرز دوغين الأفكار المعروفة في تقاليد الروس: المانوية/ Manichaeism، حمل الرب/Bogonosnost و الإيمان بالأخرة /Eschatologism، فعلى الرغم من أنها كانت دائما معادية للغرب بطبيعتها، إلا أن دوغين يؤكد على هذا الجانب فيها، والذي يلقي بظلاله على ديانتهم الأساسية و دلالتها الخلاصية.

المانوية
تفسر المانوية العالم على أنه ساحة معركة مستمرة بين الخير والشر، و بالرغم من رفضها كفكرة غير تقليدية من قبل العديد من الكنائس المسيحية ، فإنها قد طبعت بشكل دائم المسيحية؛ وكذلك الهياكل الاجتماعية والسياسية التي أنشأتها. قد تثير إحالة فكرة "المانوية" إلى التقليد الفكري الروسي اعتراضات لدى بعض العلماء، لأنهم قد يعتبرونها بمثابة إخراج هذا المفهوم من سياق تفسيره الصحيح. ومع ذلك، في البحث الروسي حول ثقافة الروس و روسيا، تم قبول مصطلح "المانوية" (و "الغنوصية") لوصف سمات معينة لهذه الثقافة. و يمكن أيضا الإشارة إلى هذا الفهم "للمانوية" على أنه "الثنائية الراديكالية"، مع الأخذ في الاعتبار أن مصطلح "المانوية" يحتوي على طبقة إضافية: لطالما امتلكت الثنائية الروسية جانبا صوفيا معينا، تنجيمي ونهاية العالم في بعض الأحيان. إنه يعبر عن إلقاء الفرد والأمة كلها في معركة أبدية بين قوى الخير والشر. و لقد ارتبط الأمر في تاريخ الروس و روسيا غالبا بالتعريف الذاتي لحكام موسكو في معارضة الدول الأوروبية والإمبراطورية البيزنطية، وكذلك مع إنشاء الأرثوذكسية الروسية المنفصلة عن الإمبراطورية البيزنطية.
تحولات مانوية الروس.
إن تفسير العالم من منظور العراك بين الخير والشر، حيث يقف الروس دائما إلى جانب الخير، أصبح سمة دائمة للتأريخ الروسي. إذ أنه تمكن من البقاء بالرغم من التحولات السياسية والاجتماعية. و يمكن العثور بسهولة على هذا النوع من التفسير للأحداث والعمليات التاريخية في التقاليد الدينية الروسية، لا سيما في توقعات المؤمنين القدامى حول نهاية العالم. و حتى في الأرثوذكسية الروسية السائدة، قبل إصلاحات بطرس الأكبر، الذي أخضع الكنيسة للدولة بإلغاء البطريركية لتغريب الإمبراطورية الروسية، كان هذا الموقف المانوي تجاه العالم منتشرا. و العالم غير الأرثوذكسي الذي أحاط بموسكو ثم روسيا، حيث الدولة الأرثوذكسية الوحيدة بعد سقوط القسطنطينية، كان يُنظر إليه على أنه مملكة الشر التي تحارب مملكة الخير، حيث حكمها ملك أرثوذكسي وأعلن الإيمان المسيحي الأرثوذكسي. . يمكن اعتبار هذه الفكرة مصدر مفهوم موسكو على أنها روما الثالثة (و الأخيرة).
المحاولات السطحية لتحديث الدولة والكنيسة والمجتمع الروسي، و التي بدأت مع إصلاحات بطرس الأكبر، لم تقتلع المانوية المعادية للغرب. فقد أعيد بعثها على وجه الخصوص في عهد نيكولاي الأول. و السياسة الرجعية للسلطات رافقتها صحوة فكرية وروحية للأرثوذكسية الروسية المرتبطة بنشاط ألكسي خومياكوف/ Aleksey Khomyakov، و من بينها أمور أخرى، والتي غالبا ما يشار إليها باسم "المنعطف الآبائي". أو الصحوة الآبائية لعلم اللاهوت الروسي. هذا المنعطف يعني رفض اللاهوت السكولائي، الذي، في نسخته الأرثوذكسية، تم تبنيه أيضا في المدارس والأوساط الأكاديمية الروسية في القرنين السابع عشر والثامن عشر. و قد بدأ يعتبر الأسلوب السكولائي في التفكير اللاهوتي ملوثا بسبب أصوله في الغرب. و لم يكن بالتالي مناسبا للأرثوذكسية الروحية. وقد أدى التحول الآبائي، الذي كان يعني، وفقا لخومياكوف/ Khomyakov، إعادة اكتشاف الفكر الثري لآباء الكنيسة اليونانيين،و إلى رفض طريقة التفكير المسيحية الغربية و التحدث عن الرب والدولة والشخص البشري. و ليس مصادفة أن خومياكوف ذاته؛ يُعتبر أحد الشخصيات الرئيسة في حركة المنتصرين للسلافية، التي هدفت في القرن التاسع عشر إلى توحيد جميع السلاف داخل الإمبراطورية الروسية، الدولة السلافية الوحيدة في ذلك الوقت و مرساة الأرثوذكسية.
في سياق النهضة الفكرية الروسية في القرن التاسع عشر، فقد مثل هذا الموقف المانوي تجاه العالم إحساسه الديني السائد.حيث أن كلا من الحركة السلافية و الأوراسية المبكرة ،التي اكتشفت المصادر الآسيوية للثقافة الروسية؛ شكلتا المانوية التي يتبناها المحافظون الجدد الروس المعاصرون.جوهرها هو رفض أي شكل من أشكال التأثير الثقافي الغربي، لأن الغرب يشتبه في أنه يحاول تدمير روسيا أو على الأقل يريد إخضاعها.
و يمكن ملاحظة المزيد من العلمنة لنفس المفهوم في الاتحاد السوفيتي. خاصة بعد هزيمة فكرة تروتسكي عن ثورة بروليتارية دائمة، تتجاوز حدود الدول والأمم، و بعد انتصار المفهوم الجيوسياسي والأيديولوجي لستالين، الهادف إلى التأسيس لدولة شيوعية مثالية. فـــ"الستار الحديدي" الذي فصل بلدان الكتلة الشرقية عن الديمقراطيات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، و بالرغم من أن له طابعا سياسيا وعسكريا متميزا؛ كان قائما أيضا على الأيديولوجية العلمانية المانوية، والتي بموجبها كان الغرب مكانا للانحلال الأخلاقي، و سقوط الإنسانية والاستعباد والظلم. و من ناحية أخرى، وضع الشرق الأسس لتطور البشرية وتحرير المظلومين والتقدم الاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي الدائم.

التقسيم المانوي للعالم حسب دوغين.
هذه الأشكال؛ المتنوعة من مناهضة الغرب و المانوية الروسية، وإن كانت مختلطة وأحيانا خارج سياقها التاريخي والسياسي والديني الصحيح، تنعكس في فكر دوغين. و يمكن ملاحظتها بين طيات أعماله الجيوسياسية الرئيسة. يعبر دوغين عن هذه الآراء ضمن مفهومه عن القتال القديم بين "الأرض" و "البحر". الاتحاد الروسي (وجميع أسلافه: روسيا، وموسكوف، والإمبراطورية الروسية، والاتحاد السوفيتي) ينتمي إلى الأول. و تشير الأرض إلى تلك الثقافات والبلدان المرتبطة بتقاليدها، والتي تشكك بشدة في التقدم الاجتماعي والديني، وتريد الحفاظ على النظام الاجتماعي التقليدي القائم على تبعية الفرد للمجتمع. كان هذا الموقف يميز المجتمعات اليونانية والرومانية القديمة. في الطرف الآخر يوجد البحر، الذي يمكن العثور على تجسده التاريخي في قرطاج القديمة. تضم هذه المجموعة دولاً غربية بزعامة الولايات المتحدة.
و على النقيض من الأرض؛ يتميز البحر بالسعي لتحقيق التقدم والتوسع العالمي والفردية كمبدأ للتنظيم الاجتماعي. يمكن تفسير هذا النموذج النظري، وهو أحد أكثر الجوانب المعروفة لفكر دوغين الجيوسياسي، على أنه نسخة جديدة من المانوية الروسية الطويلة الأمد بسبب بُعدها الأخلاقي. و لا يقتصر الأمر على الوصف النظري؛ ولكنه يتضمن أيضا تقييما أخلاقيا. و قد تردد صدى هذا الفكر مرات عديدة في أعمال دوغين المختلفة.
وبحسب دوغين، فإن المعركة بين البر والبحر هي معركة حتى الموت تدافع فيها روسيا عن نفسها ضد عدوان الغرب. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يمثلون الشر المطلق. هذه هي الأسباب التي تجعله يعتقد أن الحرب ضد الغرب يجب أن تقودها روسيا. و يجب أن يكون لهذه المعركة طبيعة الحملة الصليبية العالمية لتدمير الولايات المتحدة وحلفائها. و في الأخير كذلك لاقتلاع الليبرالية كإيديولوجية شكلت الغرب ومعادية للقيم التقليدية التي تدافع عنها روسيا.
كما يجب أن تشمل هذه المعركة أيضا الكشف عن جميع الدوائر وجماعات الضغط التي تهدف إلى دمج روسيا في الغرب. والتي تجد القيم الديمقراطية الغربية مقبولة، والعمل على إقصائها من الحياة العامة الروسية. يسمي دوغين هذه الدوائر بـ "الطابور الخامس". إنه برفضه التام للغرب، واستخفافه بالقيم وأنماط الحياة الغربية (على الأقل لأغراض الدعاية)، وتصويره للدول الغربية على أنها تهدد باستمرار ليس فقط الحدود الروسية والتنمية ولكن أيضا وجود روسيا ذاته، يمكننا أن نرى توليف دوغين لمانوية الروس الدينية والعلمانية، والذي يهدف إلى عزل المجتمع الروسي عن التأثيرات الثقافية الغربية.

"حمل الرب". " (Bogonosnost ")
إن المفهوم الديني والتاريخي الذي ينبع مباشرة من مانوية الروس المناهضة الغرب هو "حمل الرب".
معاني وسياقات "حمل الرب".
تعني كلمة "حمل الرب" أن الله اختار الروس (موسكوف، روسيا) خصيصا لترسيخ مكانتها كمسيحية حقيقية في مواجهة الغرب، الذي تغمره الخطايا والبدع. سمعت هذه الفكرة أولاً بعد سقوط القسطنطينية، و غدت مرتبطة بالمفاوضات بين الإمبراطورية والبابا، أي الغرب الكاثوليكي. وسرعان ما تبع هذا المفهوم المتفرد والديني الصارم نظيره العلماني والسياسي في مفهوم موسكو على أنها روما الثالثة. على هذا النهج، لم يقتصر اختيار موسكو وبعد ذلك كل موسكوفي على الحقيقة العقائدية، بل كان من المفترض أن يتجلى في الهياكل الحكومية والاجتماعية التي أجازها الرب، بما في ذلك سلطة القيصر المقدسة، والتي ارتبطت ارتباطا وثيقا بصفته الحامي والمدافع عن المسيحية الحقة.
"حمل الرب" أيضا لها معنى آخر كونها نتيجة للأول. إذا كان الروس "يحملون الرب" في هياكلهم الدينية والسياسية والاجتماعية، بما في ذلك نماذج الحياة التقليدية وأنظمة القيم، فإن كل محاولة لتغيير هذه الهياكل تتعارض مع إرادة الرب و رسالة الروس التي أوكلها إليهم الرب. . إحدى الفترات التي كان فيها الرفض الجزئي لهذه المهمة هي محاولة تحديث روسيا التي قام بها بطرس الأكبر، والتي أوقفتها إلى حد كبير السياسة الرجعية والأرثوذكسية لنيكولاي الأول. يؤمن مؤيدو مفهوم "حمل الرب" أن التشكيك في التقاليد، خاصة من خلال قبول النماذج الغربية للحياة الاجتماعية والسياسية، سيؤدي إلى أزمة عميقة للدولة والشعب الروسي، لأنهم لن يعودوا حماة لرسالة الرب.
كان المظهر الأكثر دراماتيكية لمثل هذه الأزمة هو الثورة البلشفية، نتيجة لمحاولة فاشلة لتغريب روسيا بعد ثورة فبراير عام 1917.(من المفارقات أن توجد آثار معينة لمفهوم "حمل الرب" في الأيديولوجية السوفيتية ، خاصة في المحاولات التي استمرت حتى نهاية الاتحاد السوفيتي تقريبا لإثبات تفوق المثل الشيوعية على من سقطوا و انغمسوا في النزعة الاستهلاكية والأنانية للغرب).من ناحية أخرى، في الآونة الأخيرة، حدث وضع مماثل خلال الأزمة الاجتماعية في التسعينيات. و الملاحظ أن فلاديمير بوتين و دعاية حكومته يشيران إلى هذه الأزمة بانتظام لتحذير الروس من تقليد النماذج الغربية للحياة الاجتماعية ، بما في ذلك القيم التي تميز المجتمعات الديمقراطية. فعلى مدى قرون من تاريخ روسيا، برر مفهوم "حمل الرب" وجود علاقة قوية بين الدولة والكنيسة الأرثوذكسية. علاقة كانت أقوى بكثير مما قد يفترضه المرء بناءً على النظرية البيزنطية للسمفونيا، التي تشير إلى التعاون الضروري بين الاثنين من أجل خير الشعب المسيحي. استعاد هذا العنصر أهميته بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. و حتى أولئك المشاركين في السياسة الروسية؛ و الذين تربطهم صلات بالكنيسة؛ يلبون نداء تقليد الروس الأرثوذكس من أجل معارضة الغرب.
وبالمثل ، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ولا سيما بقيادة البطريرك كيريل/Patriarch Kirill، تجعل هذا المفهوم أساسها حتى تتمكن من تصوير نفسها على أنها ضامن للهوية الروسية وحامية للتقاليد، التي تتعرض للهجوم من الثقافة الغربية الليبرالية الساقطة.

علمانيو "حمل الرب" حسب دوغين
يمكن ملاحظة عواقب مفهوم "حمل الرب"، بعد أن أصبح أكثر علمانية بشكل ملحوظ في التقاليد الفكرية الروسية وتجاوز الدوائر الكنسية. و دوغين في عمله يرى أن روسيا هي أرض "مقدسة"، و هي تحت حماية الرب. و هذه الأرض تصلي من أجل شفاعة مريم والدة الرب (بوغوروديتسا/ Bogoroditsa). كما أن دوغين يلاحظ هذه القداسة بطريقة مذهلة في جغرافية روسيا. ويعتقد أن أقدم أيقونات الروس، المرتبطة ببلدات روسيا، تشكل صليبا عملاقا على خريطة الدولة، مما يقدس الأرض وسكانها. ومع ذلك، فإن قداسة أرض الروس لا تخضع للتفسير اللاهوتي ولكنها تشكل الأساس لخطاب دوغين المعادي للغرب، ولا سيما على المستوى الأكسيولوجي.
يبدأ دوغين ببيان أن روسيا الأرثوذكسية تعرضت لهجوم مستمر من الغرب، الذي يسيطر عليه الشر. يشكل هذا الرأي أساس إيمان دوغين بشأن الاختلاف الأكسيولوجي لروسيا عن الغرب غير الأرثوذكسي. وهذا هو السبب في أن انعزالية دوغين في طبقتها الأكسيولوجية مقصورة على رفض القيم وأنماط الحياة التي تقترحها الثقافة الغربية. ومع ذلك، يلاحظ دوغين وجود أوجه تشابه كبيرة بين الثقافة والقيم الروسية والحضارات الآسيوية لدرجة أنه يرى آسيا، وحتى التكامل الأوروبي الآسيوي (ليس فقط سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا، ولكن ثقافيا أيضا)، كمسار مناسب لتنمية روسيا. و يمكن للمرء أن يلاحظ في هذا الجانب واحدا من التناقضات العديدة في فكر دوغين. ففي سياق مستقبل روسيا الأوراسي، فهو يعتبر في الانعزالية والقومية أمرا خطيرا، على الرغم من أنه في العديد من التصريحات، لا سيما فيما يتعلق بالصراع في أوكرانيا، يقدم آراء قومية ومعادية للأجانب. يمكن تفسير هذا التناقض من خلال معاداة دوغين للغرب. إن كلاً من قوميته ومعارضته لها مقبولان طالما أنهما، في سياق معين، يلهمان الإجراءات التي تستهدف الغرب.
إن سعي دوغين لفصل روسيا على المستوى الأكسيولوجي مرتبط ارتباطا وثيقا بالتقليل الجذري لقيمة الثقافة الغربية مع التركيز بشكل خاص على تلك القيم التي تعتبرها المجتمعات الديمقراطية الغربية مرغوبة. و وفقا لدوغين، فإن الغرب قد شوهته الليبرالية، التي جوهرها العدمية والعدوان والعنصرية. من المفترض أن تتجلى العدمية في رفض التقاليد والقيم التقليدية والتشكيك في دور التراث الثقافي والديني. و العدوان هو نتيجة الداروينية الاجتماعية، والتي يمكن أن ترجع جذورها إلى الفردية المتطرفة وإنكار المجتمع والصالح العام. و من ناحية أخرى، تتجلى العنصرية في ازدراء الثقافات والحضارات الغربية وكذلك في محاولات فرض نماذج غربية للحياة الاجتماعية والسياسية عليها؛ أي أن تصير عالمية. تصبح هذه الأفكار تصريحات أكثر راديكالية وتعتبر غير ملائمة في النقاش الأكاديمي الغربي على الرغم من أنها مقبولة في دوائر اليمين المتطرف الروسية. ومن الأمثلة على هذه التصريحات المتطرفة، وصف دوغين دول أوروبا الشرقية، التي اختارت طريق الاندماج مع الغرب بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، بـ "حفرة أوروبا الغربية". و من ناحية أخرى، يصف النضال من أجل حق كل شخص في التعبير عن هويته وتشكيل حياته على أنه "أيديولوجية مصطنعة لحقوق الإنسان"، معربا عن عداء خاص تجاه حركة المثليين. إذ يرى دوغين في مظاهر المساواة بين المثليين والمثليات ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية (LGBT) رمزا للانحلال الأخلاقي للغرب ويعتقد أن على روسيا محاربته.
كما ذكرنا سالفا، المفهوم الروسي عن "حمل الله" هو مصدر تقدير التقاليد وكذلك التساؤل عن فكرة التقدم الاجتماعي أو السياسي أو الديني. في تفسير دوغين، يتم تعزيز هذه التقليدانية من خلال التقييم السلبي للثقافة الغربية وتأثيراتها على المجتمع الروسي. وهذا ما يجعله يؤكد حقيقة أن مهمة روسيا التاريخية تتمثل في معارضة أي عمليات تاريخية واجتماعية وسياسية من شأنها التشكيك في التقاليد الروسية. فالمجتمع الروسي هو مثال نموذجي للمجتمع التقليدي عند دوغين. من ناحية أخرى، يجب أن يصبح تقدير التقاليد عاملاً في خلق حاجز بين روسيا والغرب، وفي نفس الآن، جسرا بين روسيا والثقافات الآسيوية. في هذا السياق، يقترح دوغين قاعدتين للأوراسية: أولاً، الحاضر ليس أفضل من الماضي، وثانيا، الغرب ليس أفضل من الشرق. و وفقا لـدوغين، فإن قيمة التقاليد عظيمة لدرجة أنه يجب خوض الحروب للدفاع عنها. إن الاعتراف بأن الحروب التي تشنها روسيا لها جانبها الإيجابي يؤدي إلى العنصر الأخير في التأريخ الأرثوذكسي للروس، والذي تم تعديله في فكر دوغين.

الايمان بالآخرة
أثناء تجنيد هذه العناصر من تاريخ الروس؛ والتي أثرت على الثقافة الروسية، والآراء المتعلقة بالحياة الفردية والاجتماعية، وكذلك مفهوم الدولة التي تتعارض مع الغرب؛ لا يمكن للمرء أن يتجاهل الإيمان بالآخرة.
ثلاثة مفاهيم من الإيمان بالآخرة للروس.
المسيحية هي المسيحية الأخروية: فهي تعلن الطابع غير الدائم لجميع الهياكل والمؤسسات التي يصنعها الإنسان، والكمال النهائي للإنسان في الحياة الآخرة. ومع ذلك، فإن النزعة الأخروية لدى الروس، والتي يمكن العثور على شكلها الخاص في موقف المؤمنين القدامى، فريدة من نوعها ويمكن أن تتجلى في ثلاثة مفاهيم رئيسية.
أولاً، يؤدي انتظار السعادة في المستقبل، بعد نهاية العالم، إلى تقدير الموقف الذي هو مزيج من التواضع، والخضوع، وقبول مصير المرء، بما في ذلك الظلم والبؤس الدنيوي (لهذا السبب) المصطلح الروسي سميرياني/ smirieniye له معنى أوسع من المفهوم الغربي لـ "التواضع"). فقد أصدر البطريرك كيريل مناشدة للروس لتبني مثل هذا الموقف فيما تواجه روسيا صراعا اقتصاديا. مثل هذا الموقف، على عكس الأنانية الغربية، أكده أيضا فلاديمير بوتين، الذي يتحدث عن الطبيعة الخاصة للشعب الروسي الذي لا يركز على الكفاح من أجل ثروة الفرد ورفاهيته ولكن يفكر بشكل أساسي في أن تمسي الرفاهية من نصيب المجتمع.
ثانيا ، إن تفسير التاريخ البشري وتاريخ الفرد كطريق نحو الأبدية، من خلال البؤس والاضطهاد الذي يجب قبوله؛ ولكن لا يزال من الصعب تحمله، أدى إلى خلق الإيمان بالبطل، مسيح الرب، الذي منحه الرب للناس من أجل تخليصهم من بؤسهم الأرضي. على المستوى الديني، تجلت هذه الفكرة في عبادة القديسين الخاصة؛ الممثلة في أيقونات الروس، خاصة في عبادة والدة الرب، حامية الروس. و على المستوى الاجتماعي والسياسي في التقاليد الروسية المديدة؛ كان هذا البطل هو القيصر نفسه، على نقيض النبلاء الأشرار و المسؤولين الحكوميين. و في الحقبة السوفيتية، تحولت هذه الميزة في تاريخ روسيا، في شكلها الأكثر علمانية، إلى عبادة الشخصية، إذ أنها أشارت بشكل أساسي إلى لينين وستالين. و بدرجة أقل، وفي شكل أقل وضوحا، شملت أيضا قادة آخرين للحزب الشيوعي بالإضافة إلى "القديسين" السوفييت الجدد، أي أبطال الثورة والحرب الأهلية والحرب الوطنية العظمى أو الأودارنيك / udarniks.
ثالثا، إن توجيه الحياة البشرية أخروياً، وفقا لقناعة مسيحية مشتركة، مرتبط بالإيمان بالهزيمة النهائية والقضاء على كل الشرور التي يجب أن يختبرها الشخص في العالم. إذ أن النزعة الأخروية تعزز الانقسام السالف الذكر بين الخير والشر، و الذي يعمل على تفسير العالم. في ضوء ذلك، فإن "الروس" الأرثوذكسية ليست مجرد أرض مقدسة محاطة بدول وأمم غير أرثوذكسية؛ شريرة ومعادية للرب. إنها أيضا أرض أخروية مقدر لها الفوز والانتصار في نهاية العالم ويوم الحساب. لهذا المفهوم الديني انعكاسات اجتماعية وسياسية؛ حيث من المفترض أن يستمر وجود الروس دون تغيير بأي ثمن من أجل المشاركة في الانتصار النهائي. هذا هو السبب في أن الحرب دفاعا عن التقاليد والعادات المقدسة القديمة والنظام الاجتماعي والسياسي الراسخ أصبحت ضرورة حيوية بالنسبة للروس. و غالبا ما يتم تصوير الحروب التي تشنها روسيا المعاصرة باستخدام هذا النمط على وجه التحديد: كسعي للاحتفاظ بالهوية الروسية، و لمقاومة العدوان الغربي، والدفاع عن التقاليد. و هكذا تصبح الحرب مهمة روسيا، ومصدر مجدها إلى درجة أن القسوة المرتبطة بها وطابعها المدمر مفقودان من اللغة الرسمية عند مناقشتها.

إعادة تفسير دوغين
أكثر افتراضات دوغين تطرفاً وعدوانية وصعوبة في الفهم هي، إلى حد كبير، تفسيره لأخروية الروس، التي تجعل كل البؤس البشري والظلم والعنف نسبيا بإحالته إلى مصير الإنسان في الحياة الآخرة وكذلك المصير المختار من الرب لكل الأمة. يبدو أن دوغين نفسه يدعم مثل هذا الادعاء عندما يناشد توقعات المؤمنين القدامى الأخروية. المؤمنون القدامى الذين عانوا من الاضطهاد من قبل السلطات الروسية والكنيسة الرسمية، و حيث أن النهاية القادمة للأزمان؛ يمكن أن تبرر تحملهم للمعاناة المستمرة. طبقا لدوغين، فإن مثل هذه التأريخية لرسكول/ raskol جعلت من المؤمنين القدامى مجموعة شديدة الإصرار على الرغم من اضطهادهم، ونتيجة لذلك، أضحت مصدر إلهام لروسيا المعاصرة في مواجهتها الغرب؛الذي يعتبره دوغين مصدرا ينطلق منه الشر المطلق، وهو انتشار الليبرالية. لقد أدرك الغرب بهذه الطريقة أنه من المفترض أن يحارب الرب والتقاليد باسم الليبرالية. إن الوعي فيما يتعلق بالمصير النهائي للفرد وضرورة البقاء وفيا لجذور المرء يبرر، بالتالي، رفض المفهوم الغربي للتقدم، بما في ذلك التشوهات العقلانية والليبرالية المميزة للمسيحية الغربية غير الأرثوذكسية التي تبرر هذا المفهوم.
يقود هذا الموقف دوغين إلى صياغة مطالب دقيقة وبعيدة المدى للحكومة والمجتمع الروسيين. يعتقد أن العمليات التاريخية يمكن عكسها. وهذا يعني أيضا أن الهيمنة العالمية للثقافة الليبرالية الغربية، بما في ذلك تأثيرها على الثقافة الروسية، لا يمكن اعتبارها ظاهرة دائمة ولا يمكن التغلب عليها. على العكس من ذلك، فإن مهمة الشرق، التي تضم روسيا وحلفائها الآسيويين، هي العودة إلى جذورها، والتي يمكن تحقيقها برفض جميع التأثيرات الغربية.
هذا هو الموضع الذي تتخذ فيه معاداة دوغين للغرب أحد أشد أشكالها. إن دوغين مقتنع بأن عودة روسيا إلى جذورها ورفض الغرب يمكن وينبغي أن تتحقق من خلال الحرب. وهو يعتقد أن الحرب عنصر دائم في مهمة روسيا التاريخية وثقافتها وهويتها الوطنية. حتى أنه يعتقد أن "الروس يعيشون بالحرب". الحرب وسيلة شائعة ومبررة تماما لاستعادة الهوية الروسية الصحيحة، التي شوهتها التأثيرات الغربية. لا يمكن لأي من ضروب الحرب وخسائرها ودمارها؛ والتي هي بالنتيجة عواقبها الحتمية؛ من شأنه تغيير طبيعتها الإيجابية، طالما أنها حرب يتم شنها لإعادة بناء الإمبراطورية الروسية العظيمة المقدسة. و بالرغم من أن دوغين وصف الحروب التي شنها الغرب بأنها غير عادلة وعدوانية ودموية، فإن الحروب الروسية لها سبب "مقدس". بهذا الخصوص، ينبغي للمرء أن يلاحظ مذكرات دوغين المكتوبة خلال المرحلة الأولى من العدوان الروسي على أوكرانيا.
هذا الجانب الدموي في أفكار دوغين الراديكالية للغاية، و المتجذرة بعمق في التأريخ الأخروي للروس، يمكن اعتباره راديكالية منعزلة؛ لولا حقيقة أنه يمكن سماعه، وإن كان في إصدارات مختلفة، في الحياة العامة الروسية. يبدو الخطاب المعادي للغرب من الرئيس بوتين ودائرته مجرد مناورة دعائية موجهة إلى الروس أنفسهم وتهدف إلى تفسير وضعهم الاقتصادي المتدهور. ومع ذلك، فإن مثل هذا الخطاب سيعتبر عبثيا وغير مقبول من قبل الروس أنفسهم في حال لم يكن متجذرا بعمق في الثقافة الدينية الروسية. دوغين يعبر، بشكل جذري ومبالغ فيه، عن الأفكار التي كانت موجودة في التقاليد الأرثوذكسية الروسية منذ عدة قرون. و هذا هو سبب تباين المجتمع الروسي تباينا جوهريا عن المجتمعات الديمقراطية الغربية، والأرثوذكسية الروسية عن المسيحية الغربية، بما في ذلك الأرثوذكسية غير الروسية. كالكنائس الموجودة في الدول الغربية
.
خاتمة
في ظروف المواجهة السياسية والاقتصادية المعاصرة بين روسيا والغرب، تم التأكيد بشدة على مناهضة الغرب. لقد أصبح أيضا عنصرا من عناصر الدعاية الروسية الرسمية على الرغم من أن تصرفات سلطات الاتحاد الروسي في السياسة الدولية، في الواقع، ليست مدفوعة بالقضايا الإيديولوجية بل بالبراغماتية السياسية. ومع ذلك، فإن الميول المعادية للغرب، على الرغم من عدم المبالغة في تقديرها أو استخدامها لرسم صورة نمطية لروسيا، متجذرة بعمق في التقاليد التاريخية الروسية، التي ترتبط في الغالب بالروس و أرثوذكسية روسيا. يستخدم هذا ألكسندر دوغين، الذي أعاد تفسير هذا التقليد؛ من أجل تبرير آرائه التاريخية و الجيوسياسية؛ و ذلك من خلال إظهارها على أنها استمرار في تطوير الفكر الديني والسياسي الروسي.
تؤدي المقارنة بين العناصر الرئيسة المترسخة عند الروس و في تاريخهم؛ مع تفسيراتها من قبل دوغين؛ إلى نتيجتين رئيسيتين.
أولاً، لا يمكن تفسير فكر دوغين نفسه بشكل صحيح دون مراعاة التقليد الروحي للروس. حتى أقواله الأكثر راديكالية وفظاعة؛ و التي تناولت الحضارة الغربية، وأنماط الحياة الاجتماعية الغربية، والقيم المرتبطة بها تتخذ منطقها الداخلي المميز داخل هذا التقليد الذي يحدد سياق تأويلها. في ضوء ذلك، أثبتت المقالة الحالية أن السياق التاريخي والديني لا غنى عنه لتفسير أفكار دوغين السياسية والأخلاقية والاجتماعية. يشير هذا البيان أيضا إلى العديد من ممثلي المحافظين الجدد والإمبريالية الجديدة في روسيا، حتى لو لم يشيروا مباشرة إلى الأرثوذكسية كأساس لآرائهم.
ثانيا، حتى لو كان وصف التقاليد الفكرية أو الدينية الروسية بأنها مناهضة للغرب يعتبر تبسيطا غير عادل، فبالنظر إلى المرآة المتطرفة لفكر دوغين، يُنظر إلى مناهضة الغرب على أنها عنصر مهم ودائم في هذا التقليد، إذ أنه يؤثر على شكل الثقافة و الهوية الروسيين.
إن صورة معاداة دوجين للغرب المقدمة في هذه المقالة، والتي تحتل مكانا مهما فيها من خلال إعادة تفسيره للتأريخ الديني للروس، لا تسمح لنا بالتقليل من شأن المسار الحالي المناهض للغرب في السياسة الروسية. فمن ناحية، هناك مناهضون حقيقيون للغرب في روسيا؛ يؤمنون بما يعظون به. حتى لو اعتبرت هذه الشخصيات، مثل دوغين، مثيرة للجدل وهامشية سياسيا، فإن أصواتهم مسموعة، وقد يكون من مصلحة السلطات الترويج، على الأقل إلى حد ما، لمثل هذه الآراء. من ناحية أخرى، ما نجده أكثر أهمية بكثير هو أن محاولات فرض أيديولوجية معادية للغرب على الروس في ظروف أزمة اجتماعية واقتصادية متطورة ستكون غير موثوقة و محكوم عليها بالفشل؛ إذا لم تكن هذه الأيديولوجية قد تمت بالفعل و متجذرة بعمق في التقاليد الروسية، و مستوحاة في الأساس من الدين. هذا ما يُظهره إعادة تفسير دوغين للزخارف المهمة للتاريخ الديني للروس. على الرغم من أن هذا التفسير لا يخلو من التناقضات الناتجة عن الخلط بين السياقات أو استقراء الأفكار الفردية التي تشكل جزءا من هذا النهج التأريخي لسياق تفسيرها، إلا أنه لا يزال قائما على المفاهيم الموجودة في التقاليد الروحية والفكرية للروس.
شكّلت المانوية الروسية، والشعور بـ "حمل الرب"، والتشدد الأخروي بطرق مختلفة؛ سواء أكانت دينية أم علمانية؛ الصورة الروحية لروسيا. مما يجعل من المستحيل على روسيا الانضمام إلى الدائرة الثقافية الغربية، فبالرغم من الروابط المهمة بين الروس والثقافات الأوروبية. فإن تحت الحدود المتطرفة التي يصعب قبولها في مفاهيم دوغين، قد تكون هناك بعض الحقيقة المخفية حول الاختلاف الذي لا يمكن التغلب عليه بين روسيا والغرب، والذي، في ظل ظروف معينة، يصبح حافزا للصراع.
----------------
(1) في البال: ترجمة الدراسة رهن بقصد الإحاطة علما؛ لا بنية تبني فحواها جملة أو تفصيلا. المترجم.
(2) نص الدراسة في لغتها الأصلية على الرابط:
http://scholarlypublishingcollective.org/msup/jsr/article-pdf/14/2/65/946130/jstudradi.14.2.0065.pdf
(3) انشقاق الكنيسة الروسية ، المعروف باسم راسكول (في الروسية بمعنى "انقسام" أو "انشقاق") ، هو انقسام الكنيسة الأرثوذكسية الروسية إلى كنيسة رسمية وحركة المؤمنين القدامى في منتصف القرن السابع عشر/17م.
https://en.wikipedia.org/wiki/Schism_of_the_Russian_Church

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر