لماذا ينتظر التُجار والباعةُ في سورية شهر رمضان ومواسمُ الأعياد ليرفعوا الأسعار ويستغلوا الناس؟.

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 4 / 10

حديثي هذا هو عن التُجار والباعةُ في سورية، ولا أدري إن كان هناك أحدا يُشبِههم في الدول العربية والإسلامية الأخرى.. وحديثي هو عن المسلمين وليس عن العقيدة الإسلامية.. فهذهِ، وغيرها من العقائد الدينية، السماوية والوضعية، مُحترَمةٌ جميعها بالنسبة لي، أيٍّ تكُن، وكلٍّ حُرٍّ في عقيدتهِ ودينهِ وإيمانهِ(فهذه مسألة يُحاسِبُ عليها الله وحده في السماء، وهو وحدهُ من يُحدِّد صحّة هذا المُعتقد أو غيرهِ، وليس أي مخلوق على وجه الأرض)..
ولكن ليس كلٍّ حُرٍّ في استغلال الناس، واستغلالِ حاجياتهم الضرورية، لاسيما في شهرِ الصيام، أو أيام الأعياد، ورفعِ الأسعار بِما لا طاقة للغالبية العُظمى من الشراء..
كما عادة تُجار سورية دوما، ما إن يحِن شهرُ رمضان حتى تجنَّ الأسعار فوق ما هي بالأساس مجنونة.. وكأنّ هذا بات من فروض العبادات، دون وازعٍ من ضميرٍ ودينٍ وأخلاق وإنسانية.. وتتكرّرُ الصورة في كل رمضان..
بل، ذات الطريقة تُتّبَع في استغلال الناس ومصِّ دمائها، في كل سلعة أو مادّة أو حاجة يحتاجها الناس للضرورة، كما الأسعار الكاوية لبطاريات الكهرباء، والإنفرترات، والشواحن، ومواد الطاقة الشمسية.. الخ..
حتى في عِز مخاطر كورونا عام 2020، وحاجات الناس للوقاية، سارعَ التُجار والبَاعة إلى رفعِ أسعار كافة المواد الكيماوية التعقيمية وأسعار الكحول الطبي، وحتى أسعار الكمّامات التي كان سعر الواحدة منها خمسون ليرة سورية، فارتفعت إلى 300 أو 500 ليرة سورية حينها.. بل العديد من الصيدليات باتت تحتكر حتى الكحول الطبي، ولم يكتفوا بزيادة أسعاره..
**
هذه هي أخلاقُ تُجّارنا، أو ما يُعرفُ بالبورجوازية (الوطنية) التي لم تكُن في أي يوم وطنية إلا بالاسم والدعاية.. وشتّانَ بينها وبين البورجوازية الوطنية في الغرب..
ففي الغرب البورجوازية، المُحِبّة لأوطانها فعليا، هي من طوّرت بلدان الغرب ونقلت شعوبه إلى هذا المستوى الحضاري الراقي.. وحوّلتهُ من عصر القطار الذي كان يسير على الفحم الحجري إلى القطار الذي يسير بسرعة 200 كم في الساعة، والقطار الذي يسير على الديزل والكهرباء والهيدروجين، والقطارات المُعلقة..
بل في الولايات المتحدة اختبروا منذ العام 2015 القطار الأسرع من الصوت .. هذا فضلا عن وسائط النقل الجوية التي جعلت البشر يقطعون الأطلسي من أوروبا إلى أمريكا بخمسِ ساعات، بينما كانت تحتاج بالماضي إلى خمسة أشهر عبر السفن القديمة..
في مصانع ومعامل البورجوازية الغربية توجد مراكز البحوث التي ينفقون عليها المليارات كي يطوروا صناعاتهم ومخترعاتهم، ويُطورون أوطانهم ويخدمون شعوبهم، والبشرية.. إنهم يُحوِّلون الخيال العلمي إلى حقيقة .. وها نحن نرى الفضائيات، والانترنت، ووسائط التواصل الاجتماعي، والموبايلات، والكومبيوتر، وحتى البطاقة الذكية التي باتت جزءا من ثقافة السوريين في هذا الزمن.. كل ذلك من اختراعات مراكز البحوث التي تنفق عليها البورجوازية الغربية المليارات..
بورجوازية بلادنا، والبورجوازية العربية عموما، هي برجوازية طفيلية، غير مستعدة أن تخسر ألف دولار على البحوث العلمية.. إنها تكتفي بدور السمسار بين بورجوازية الغرب وبين شعوب بلدانها العربية..
**
فيما تقدّم من وصفٍ لاستغلال حاجات البشر في شهر الصيام وفي الأعياد، هنا تتجلّى معاني المُسلِم، في تطبيق القيم التي يتحدّثُ عنها على مدار الساعة، من أنّ الإسلام دينُ الرحمةِ والمحبةِ والتآزر والصدقِ والعدلِ وقولُ الحقِّ والوفاء بالعهدِ والبُعدِ عن الباطل.. إلى آخرِ هذه المعاني، التي تدعو إليها كافةُ الأديان، وكافةُ المجتمعات، ومنذُ خلقِ البشرية، وهي ليست ميِّزات خاصّة بهذا الدين أو ذاك..
ولكن أين هي أخلاقُ تُجارِ وباعةِ سورية من كل ذلك في شهرِ الصيام هذا؟. وماذا تعني العبادات الدينية، من صيامٍ وصلاةٍ، وغيرها، إن لم ترتبط بسلوكِ الإنسانِ في الحياة وطريقةُ تعامُلهِ مع أبناء جنسهِ من البشر، بل من المُسلمين أنفسهم؟.
**
الفصلُ بين العبادات، وبين السلوكيات، هو نفاقٌ على الله وعلى الإسلام.. ولا معنى للعبادات إن تمّ الفصلُ بينها وبين السلوكيات.. وإن تحولت إلى مجرّد واجباتٍ روتينيةٍ يوميةٍ نؤديها أمام أعينِ بعضنا بعضا، دون أن تردعنا عن فاحشةٍ أو مُنكرٍ أو معصيةٍ، في حياتنا العملية..
يُميِّزُ مشايخُ المسلمين بين معاني الفواحش والمُنكرَات والمعصيات والإثمِ والذنوب.. الخ.. بل منهم من يبحثُ عن تفسيراتٍ لا علاقة لها بالعقل والمنطق كي يُبرِّر أفعالِ هذا وذاك، وخاصّة إن كان الأمرُ يتعلّقُ بالحُكام أو ما يصفونهُ بأولياء الأمر.. فيقولون لك لا يجوزُ مُعارضَة أولياء الأمور حتى لو كانوا ظالمين، وإنما تنفيذُ توجيهاتهم وأوامرهم درءا للفِتن.. وهذا يعني ببساطة أنّ الإمام الحسين ما كان يجوزُ أن يثور على يزيد، مهما كانت التُّهم.. بل ما كان يجوز أن تقوم الثورة الإسلامية في إيران..
ولو أخذنا بهذا المنطق لَمَا كانت قامت ثورة في التاريخ ضد الظُلم.. وهذا يُخالفُ أيضا الحديث المروي عن الرسول(ص) : (من رأى منكم مُنكَرا فليُغيِّرهُ بيدهِ، فإن لم يستطِع فبلسانهِ، فإن لم يستطع فبقلبهِ، وذلك أضعفُ الإيمان).. أي يجبُ الوقوف بوجهِ المُنكَرِ بقدرِ المقدرة على ذلك، ولكن بكل الأحوال لا يجوزُ السكوت والرضوخ والاستسلام له..
**
بكُلِّ الأحوال، ومهما كانت التفسيرات لمعاني الفواحش والمُنكرات والمعصيات والإثم والذنوب..الخ، فجميعها ينطبقُ عليها مفهومُ (العمل القبيح سواءٌ في القولِ أو الفعل) ..
فالغشُّ في المُنتجات هو عملٌ قبيحٌ.. واحتكارُ الحاجيات وبيعها بأسعارٍ كاويةٍ هو عملٌ قبيح.. واستغلالُ حاجات الناس في رمضان والأعياد للمكاسبِ والربحِ، هو عملٌ قبيح.. وتزويرُ تاريخ الصلاحية لمادّةٍ غذائيةٍ ما، هو عملٌ قبيح.. والكذبُ هو عملٌ قبيح.. وشعار: التجِارة شطارة، هو عملٌ قبيح.. وسرقةُ جيوب الناس باسم "التجارة شطارة" هو عملٌ قبيح.. وشعار كل شي لحالو(أي الفصل بين الأخلاق التي دعت إليها الأديان والشرائع السماوية والأرضية وبين كل ما ذُكِرَ آنفا) هو عملٌ قبيح.. وبيعُ المواد القديمة بأسعار المواد الجديدة، بعد أن يرتفع سعرها، هو عملٌ قبيح..
وكلُ عملٍ قبيحٍ هو بعيدٌ عن الأخلاق والضمير والإنسانية..
هذا مع إدراكنا أن مفاهيم الأخلاق ليست واحدة في كل المجتمعات.. وليست مُقتصِرةٌ على الأديان.. وهي نسبيةٌ من مُجتمعٍ لآخرٍ، فمفاهيم الأخلاق في الغرب ليست ذاتها في الشرق الذي حصرَ كل الأخلاق في الأعضاء التناسلية للمرأة، وفي شعرِ رأسها، ولكن هناك على مدى تاريخ البشرية قيمٌ أخلاقيةٌ جامعة موجودةٌ في كافة المجتمعات، كما الصدق والأمانة والمحبة والعدالة والرأفة وحبِّ العمل والإخلاص والتعاون، ورفض الكذب والغش والخداع والجريمة.. إلى آخر هذه المعاني..
**
ومن هنا كان كلامُ مفتي الديار المصرية سابقا الشيخ (محمد عبده) حينما زار أوروبا عام 1881 ثُمّ عاد إلى بلادهِ فقالَ مقولتهِ الشهيرة: ( رأيتُ في أوروبا إسلاما بِلا مُسلمين، وأرى في بلادي مُسلمين بلا إسلام)..
وهذا يعني أن الشيخ محمد عبدهُ كان يعتقدُ متوهما أن الأخلاق توجدُ فقط في ديار المُسلمين، فاكتشفَ أن أبعد الناس عنها هُم المسلمون، وأقربهم للأخلاق هُم الأوروبيون.. إذا ما اعتبرنا أن الأخلاق هي التعامُل بصدقٍ وأمانةٍ وصراحةٍ ووضوحٍ وتواضعٍ واحترامٍ وتضامنٍ وتعاونٍ وبُعدٍ عن الغش والكذب والخداع والنصب والاحتيال وعدم اعتداء أحدٍ على راحةِ الآخر أو حريتهِ الخاصة، وبُعدٍ عن الحقد والكراهية، والعملُ بتفانٍ وإخلاصٍ، وحرصُ الدولة ومسؤوليها على المواطنين وعلى حقوقهم كبشرٍ يسمُون فوق كل شيء، وحفظها لثروات الأوطان كونها ثروات الشعوب، ورعايتها لهم من الولادة وحتى الممات، وتطبيقٍ للقوانين بشكلٍ أوتوماتيكيٍ وعفويٍ على الجميع ودون تمييز، فالقوانين مُقدّسة، وخرقها جريمة .. الخ.. وليست الأخلاقُ مُجرّد قطعةُ قماشٍ على الرأس، أو غطاءٍ على الوجه، ثمَ نبتعد عن كل ما وردَ آنفا..
**
لا يَخفَى أن الشيخ محمد عبده، تعرض إلى هجومٍ عنيفٍ من كثيرٍ من الإسلاميين لأنهُ نطق بالحقيقة، واعتبروا كلامهُ ترويجا للثقافة والتربية الاجتماعية الأوروبية على حساب الإسلامية، وهذا لا يجوزُ حسب قناعتهم، وهنا تكمنُ عقدة التخلف والتعصب عند أولئك، فهم يعتقدون، ويريدون دوما أن يوهموا مجتمعاتهم، أنها الأرقى خُلُقا ودِينا وعقيدة وعادات وتقاليد.. الخ.. ثمّ بعدها يُركِّزون فقط على مظاهر الشذوذ في تلك المُجتمعات الغربية، والتي هي مرفوضة من قِبَل تلك المجتمعات ذاتها، ويُنظَرُ لأصحابها أنهم مرضى لا أكثر.. أو يختزلون كل المجتمعات الغربية بمظاهر الشذوذ تلك.. ولا يسألون أنفسهم لماذا باتَ الفارق بين مجتمعاتنا الشرقية ومجتمعاتهم، ألفُ عام.. بل لماذا أولئك أنفسهم يهربون من بُلدانهم ليعيشوا في تلك البُلدان.. ولماذا شعوبهم تهجرُ بُلدانها الإسلامية لتعيش في تلك البلدان.. ولماذا لا يحصلُ العكس؟.
وفوق استقبال تلك البُلدان لهم، ومدِّ يد العون والمُساعدة لهم، ومنحهم الإقامات والجنسيات، والحياة الكريمة التي يفتقدونها في بلدانهم، واحترام أديانهم، وبناء المساجد لهم، تراهُم يريدون فرْضَ عاداتهم وقناعاتهم وتقاليدهم وعقائدهم على تلك البُلدان، ولا يحترمون قوانينها وثقافاتها ومفاهيمها.. إذا لماذا ذهبتم للغرب؟. عودوا إلى بُلدانِكم، لا أحدا مُتمسِّكٌ بكم..
**
لم أرى التجارُ والباعةُ في الغرب يستغلون حاجات الناس في أيام الصيام، ويرفعون الأسعار، ولا في أيام الأعياد، وإنما العكس تماما، كنتُ أرى التنزيلات على المواد الغذائية، وعلى الألبسة، وبشكلٍ كبيرٍ يُمكِّنُ الجميع من الشراء..
لم أراهُم يضعون خضارا وفاكهة مهترئة غير صالحة حتى للحيوانات، للبيع أمام المحلات بدلا من رميها في حاويات القُمامة، وللأسف ترى من يُقبِلُ عليها بسبب الفقر..
لا ينتظرون حتى تهترئ الفاكهة أو الخُضار ثُمّ يُخفِّضون أسعارها، وإنما تُخفّضُ الأسعار وهي جديدة وبكامل نضارتها..
لا ينتظرون حتى يقترب انتهاء صلاحية مادة غذائية ثم يُخفِّضون أسعارها، بل تُخفّضُ وهي جديدة..
هذا هو الفرقُ بالأخلاق بين تجارنا وباعتنا، وتجارهم وباعتهم..
فمن هُم أهل الإيمان، ومن هُم البعيدون عن الإيمان؟.
ولذلك، لا غرابةَ أن أطلق الشيخ محمد عبدو تلك المقولة الشهيرة..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق