دفاعا عن الحلم

شريف حتاتة
2022 / 4 / 9

--------------------------
منذ أيام كنت فى مدينة " زيورخ " ، وصلتنى دعوة من مؤسسة اسمها " روج فابريك " ، أى المصنع الأحمر فظننت أنها مؤسسة يسارية .. ترددت فى قبول الدعوة أول الأمر .. أصبحت لا أميل إلى السفر الكثير بعد أن كبرت .
ثم قلت لنفسى .. أما زال يوجد فى العالم أناس مستعدون لتسمية مؤسستهم بمثل هذا الأسم ؟ .. لا شك أنهم نوع خاص من الناس ، كاد أن ينقرض من على ظهر الأرض .. فماذا لا أزروهم ، وأتعرف عليهم قبل أن يختفوا إلى الأبد ؟.
ولكنى فوجئت عندما وصلت ، أن الأسم لا علاقة له باتجاه سياسى معين ، وان الدعوة جاءتنى من مؤسسة ثقافية لبلدية زوريخ . أما الاسم فسببه أن القائمين عليها حصلوا على مقر فى مصنع قديم لصناعة آلات الطبع ، وان هذا المصنع الذى يوجد إلى جوار النهر مبنى بالطوب الأحمر .
طلبوا منى أن أحضر معى بعض ما كتبت .. نظموا عدة اجتماعات لأقرأ فقرأت من رواياتى ، ثم ليدور بعدها نقاش . كان ملفتا للنظر أن المنظمين والمنظمات وكذلك الجمهور الغفير الذى حضر واجتمع فى إحدى صالات المصنع ، كان مكونا فى أغلبيته من النساء والشباب .. جمهور متقدم فى الفكر ، ولكنه مستقل عن كل الأحزاب .. وهذه ظاهرة لاحظت انتشارها فى كثير من البلاد .. فالنساء قد أصبحن أكثر نشاطا فى كل المجالات وعلى الأخص فى مجال الثقافة .. وكذلك الشباب .
كنا نتناول طعامنا فى مطعم أو كافتيريا خاصة يسمونها " كوليكتيف " ، أى منشأة تدار بطريقة جماعية ، وتقدم أطعمة ومشروبات جيدة ومنخفضة السعر ، وسط جو ملىء بروح الشباب ، والمرح ، والموسيقى ، وصخب الحياة .
جلس إلى جوارى فى تلك الليلة شاب فى وجهه جمال ، وبراءة الأطفال . وفى عينيه ، وهو يحدثنى ، إعجاب .. وحيث أننى فى بلادى نادراً ما أحاط بالإعجاب ، كنت فى حالة من الشنوة النادرة .. أضاف إليها الجو ، والطعام والشراب ، والدفء .. بينما فى الخارج كان الثلج الأبيض يغطى كل الأشياء .
اكتشفت أنه يعمل فى مطبخ الكافتيريا ، أى أنه طباخ .. وفوجئت بأنه يسألنى عن روايتى " الشبكة " التى قرأها بالإنجليزية ، وعن أعمال زوجتى " نوال السعداوى " التى قرأها أيضا . فتعجبت .. طباخ و يقرأ روايات ؟ ! . تذكرت ما كتبه " لينين " الذى نلعنه الآن صباح مساء :
" الاشتراكية هى يوم أن نساهم كل خادمة تعمل فى المطبخ فى إدارة شئون البلاد ". قلت لنفسى أكان حالما أم مجنونا ، هو وأمثاله من الناس ؟ . هل ضاعت كل الأشياء ؟ . وهل صحيح أننا نرى الاشتراكية وهى تدفن إلى الأبد ؟ .
هذا السؤال يتردد فى كل مكان .. كنت جالسا مع السينارست " عاصم توفيق " فى أحد المقاهى .. دار بيننا حديث طويل فهو فنان ، وإنسان رقيق يتساءل عن الكثير فى الحياة . قال : " ما رأيك فيما حدث من انهيار فى البلاد الاشتراكية ؟ " . وبالأمس جاءنى أحد الصحفيين فى جريدة لبنانية اسمها " لواء لبنان " ليجرى معى حديثا .. كان محور الحديث ما أطلق عليه هو بنهاية الأدب الماركسى .. لم أفهم سؤاله . فهل هناك نهاية للأشياء ؟ . أليس صحيحا ، أن التاريخ والحياة ، مثل سباق للتتابع يسلم فيه المشعل من يد إلى يد ، أن لا شىء يموت ؟؟. لم أفهم كذلك ما قصده بالأدب الماركسى فهو اصطلاح غريب علىً .. فأجبته بما استطعت .. ولكن الحديث معه ومع الشاب فى
مطعم " زيورخ " ، ومع " عاصم توفيق " ، جدد فى ذهنى التساؤلات التى تلح على عدد متزيد من الناس فى مختلف أنحاء العالم ، لأنها تتعلق بمصير الإنسانية فى هذا العصر المفعم بالاحتمالات .
لم تكن الرأسمالية بالنسبة إلىً ، ولا هى بالنسبة لمئات الملايين من الناس حلم البشرية . لقد أضافت الكثير إلى مسار الإنسان .. إلى الحضارة والتقدم العلمى والتكنولوجى .. إلى الإنتاج ، والفكر ، والمعرفة والآداب . ومع ذلك ظلت أقرب ما تكون إلى الكابوس بسبب الاستعمار ، والاستغلال والحروب ، والقهر الذى فرضته على الأغلبية الساحقة من سكان الأرض .
والآن أصبح الكابوس أفظع مما كان ، فنحن نشهد التسلط الواضح للمؤسسة الصناعية العسكرية فى أمريكا ، وهيمنة القطب الأمريكى فى الشئون الدولية . وهذا التسلط مقترن بأزمة اقتصادية طاحنة تنقل أثقالها إلى البلدان النامية فى العالم الثالث ، ليسود التضخم المتزايد والارتفاع الجنونى للأسعار ، ويحدث تدهور فى الخدمات ، وبطالة ، ومجاعات ، وإهدار للحريات وللحقوق القومية ، وتفاقم فى الصراعات القومية ، والدينية وتعصب وهجوم على حريات الإنسان وعلى الأخص النساء والشباب .. إن السماء ملبدة بالسحب الرمادية الكثيفة تكاد تخنق فينا الحياة .
قال لى " والتر " الشاب الطباخ وهو جالس إلى جوارى على العشاء : " غدا سنذهب نحن الشباب فى رحلة إلى الجبال . أتاتى معنا ؟ ". فذهبت ..
سار بنا الأتوبيس فوق الطرق الدائرية صاعدا فوق الصخور السوداء وسفوح الجبال لمغطاة بالتلج ، وأشجار الصنوبر ترتفع كآلاف الرايات البيضاء الساكنة التى لا تحركها الرياح .. مساحات واسعة صامتة .. على فروع الشجر العارية كالدانتيلا المشغولة على صفحة السماء .. أطل من النافذة على بحيرة تبدو كالفص الأخضر ، سقط وحيدا وسط بياض الجبال . ثم فجأة خرجنا من تحت السحب إلى الزرقة النقية تمتد فوق رؤوسنا . الشمس تجتاز زجاح النوافذ ، وتسقط على جسمى لتبث فيه دفئا لذيذا .
جاءنى فى تلك اللحظة ، إحساس بأن ما يحدث فى العالم الآن ، هو مثل غطاء من السحب الرمادية الثقيلة تخنق الأنفاس . عادت الرأسمالية لتسيطر على البلاد التى كانت تسمى اشتراكية ، وراح الحلم الذى كان يرى إمكانية إقامة مجتمع خال من الاستغلال . لكننا سنخترق هذا السياج ، مثلما صعدنا فى الأتوبيس فوق السحب لنطل على المساحات النقية الزرقاء ، على آفاق جديدة لم نرها من قبل . فما حدث من انهيار فى النظم الاشتراكية فيه تحرير لعقل الإنسان. فيه اختراق للسقف يمنح الطريق للفكر والإبداع .. منذ الآن سيصعد الفكر الاشتراكى الجديد ..سيخرج من تحت السحب الرمادية الكثيفة ليشق طريقه بالتدريج نحو المساحات الزرقاء . سيتخلص خطوة وراء خطوة من جو الزيف والقهر ، والكذب الذى رقد فوقه سنين طويلة وقيده بالأثقال . أعتقد أنه بداية جديدة للاشتراكية .
اننى أرى بداية الاشتراكية وليس نهايتها .. سينشا فكر اشتراكى متقدم ، وإنسانى ، وأخلاقى قادر على الاستجابة لتغييرات العصر ومواجهة مشاكله .. وسندرك مع الأيام أن التجربة التى فشلت ، بكل سلبياتها ، وجرائمها ، ومنجزاتها ، وأفكارها ، هى جزء من التراث ، والتاريخ الإنسانى .. لقد أضافت إلى الفكر ، والوعى والخبرة ، والإبداع .. نبهتنا إلى أشياء لم نكن نعرفها ، إلى ما يجب أن تتفاداه شعوب العالم فى مسستقبل الأيام .. أن القيود على الفكر ، والجهد الإنسانى ، وعلى آفاق الخيال ، تقود إلى الخراب .
وغدا بعد أن نذوق مرارة الرأسمالية حتى الثمالة .. وعندما تهدأ الأصوات الهيستيرية التى تحيى الانتصار الإمبريالى باسم الديموقراطية ، ستصعد من جديد القوى التى تسعى إلى العدالة والحرية ، والتى تدرك أن النظام الرأسمالى عاجز عن حل مشاكل العالم .. وستعمل منذ الآن من داخله على إعادة البناء والحد من أضراره وفساده .. على تعميق الديمقراطية لتشمل كل الناس .. على التمهيد لنظام ديموقراطى اشتراكى يلغى استغلال الإنسان .
إننا فى حاجة إلى بوصلة الفكر الديموقراطى الاشتراكى الجديد ، لشحذ وتعميق جهود الشعب فى كل مكان ، ولرسم طريق واضح المعالم نحو الغد .
كان الفكر الاشتراكى ، ولازال جزءا من سعى الإنسان لتحقيق العدالة الاجتماعية ، والتخلص من القهر .. وبين سكان الأرض رجال ونساء ، لن يكفوا عن محاولاتهم للتخلص من الظلم ، وإزالة العقبات التى تحول دون تحقيق نظام اجتماعى عادل ، يفتح آفاق التقدم دون استغلال من أى نوع .
سيظل هذا الفكر حيا رغم الأخطاء ، والجرائم التى ارتكبت باسمه ، لأنه يخاطب دوافع بشرية عميقة للغاية .. دوافع لم تنته ، أو تمت فى أية مرحلة من المراحل .. قد يتغير مضمونه .. وتتبدل اصطلاحاته وتسمياته .. ولكن سيبقى الهدف الأساسى قائما فى عقول وقلوب الناس .
من كتاب " فى الأصل كانت الذاكرة " 2002
----------------------------------------------

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان