روسيا في مواجهة الغرب: ماذا يحدث بالضبط؟

عبد المجيد السخيري
2022 / 4 / 9

أتقاسم مع عدد مهم من مثقفي ومناضلي اليسار في العالم، ومن بينهم أصوات من اليسار الروسي، أفكارا قد تبدو لأول وهلة متناقضة، لكن بالتمعّن جيدا في تحليل الأوضاع وبناء التقديرات والمواقف الدولية، ومهما بدت أحيانا انفعالية وعاطفية، سيتّضح أن نقد التوجّه الرأسمالي لروسيا الاتحادية والطبيعة الأوليغارشية لسلطة الدولة، التي تماثل إلى حد بعيد نظيرتها في أوكرانيا، لا يُرتّبُ بالضرورة الانخراط الأعمى في جوقة الإدانات المشخصنة(لهذا رفضت لأول مرة مشاركة "آفاز " في حملاتها الراهنة وتوقيع العرائض ضد "بوتين" بسبب انسياق الخطابات المدبّجة بالعرائض مع موجة التهييج الغربي المشحونة بالنبرات العنصرية والاستعلائية العرقية المقرفة)، أو الانسياق إلى اجترار الروايات التي يبثها الاعلام الغربي، اليميني والرجعي، بشأن "الهمجية الروسية"، مقابل مديح "المقاومة الأوكرانية" الباسلة و"أخلاق الشعب الأوكراني الأوروبي جدا". والحال أن هذا الاعلام، وبعض أتباعه وضحاياه في بلداننا، لا يبالي بالتكتيكات النازية التي ينهجها النظام الحالي في أوكرانيا، ولا يُدين الاستعانة بالمرتزقة ذوي السجل الاجرامي الذين يتم حشدهم للقتال مع الجيش والمليشيات الفاشية الحليفة له، ولا أيضا يجرؤ على استنكار الدعوات الخطيرة لحشد السلاح والدفع بالجيوش الأطلسية للتعبئة على الحدود مع روسيا، وما يمكن أن ينجم عن ذلك من تسخين لأجواء الحرب، بينما المطلوب هو العمل على منع أي تحول دراماتيكي في مسارات الحرب الحالية، أو بالأحرى العمل على وقفها بدعم جهود قوى السلام، والبحث عن حلول منصفة وعادلة لأطراف الصراع التي باتت معروفة لدى الجميع، ولم يعد ممكنا تجاهلها كما تفعل أمريكا وحلفائها للاستفادة من دوام الحال على ما هو عليه، وكسب مزيد من الأرباح من تأزيم الأوضاع الاقتصادية والأمنية من خلال إنعاش تجارة السلاح وإجبار أوروبا على الرفع من قيمة تجارتها الخارجية مع الولايات المتحدة على حساب روسيا أو شركاء آخرين. ولا شك أن الحرب الحالية في أوكرانيا هي بمعنى من المعاني حرب أمريكية أخرى لإحكام السيطرة على العالم، وهي في شكلها المعلن حرب يخوضها الغرب الأوروبي ضد روسيا بالوكالة لفائدة دركي الرأسمال العالمي، لتحجيم طموح الروس لاستعادة مكانة الاتحاد السوفياتي وإعادة كتابة تاريخ العلاقات الدولية.

ماذا يحدث بالضبط ؟

ما يحدث في الواقع حرب ليس لها إلا هذا الاسم، ولا يمكننا أن نبتدع لها وصفا آخرا. بالطبع توجد أوصاف أخرى تعج بها خطابات السياسيين ووسائل الاعلام الغربي المصطفة وراء حلف الناتو، مثل الغزو الروسي لأوكرانيا، أو "صدام الأوليغارشيات"، كما في يعض توصيفات التحاليل التي قدمها بعض اليسار في العالم وروسيا أيضا. لا بأس. روسيا تغزو أوكرانيا، هذا واقع لا ينكره إلا أعمى أو أبله. "صدام الأوليغارشيات"، نعم، فيه شيء من الحقيقة. حسنا، لكن ذلك ليس إلا الجزء المملوء من الكأس، وهو لا يكفي لبناء موقف مستقل ونقدي من الأحداث واتجاهات تطورها، وممّا يمكن أن ينفرج عنها من تغييرات جيوسياسية واصطفافات جديدة للقوى والتحالفات الدولية. فالجزء الفارغ هو الأهم بالنسبة إلينا، يكافح الاعلام الغربي المنحاز لتركه كذلك ليتسنى له ملأه عند الحاجة بالأكاذيب والأخبار المفبركة لمزيد من التصعيد والتأليب، وهو ما تعمل الأجهزة الخفية على مراقبته بدقة، خاصة بالولايات المتحدة المستفيد الأكبر من الحرب الحالية لضرب عصفورين بحجر واحد: إنهاك وعزل روسيا من جهة، واضعاف الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وهو نفس التكتيك الذي نهجته لما دفعت بالناتو لأتون الحرب بيوغوسلافيا عام 1999 حيث تحقّق لها زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي وتكريس تبعيته العسكرية لها وفرض وصايتها الأمنية على دوله وشعوبه. واليوم تسير على نفس الخطى وتعمل بكل جهد من أجل عرقلة مفاوضات السلام وتأجيج نزعة الحرب لحشد مزيد من الحلفاء وإحكام القبضة على أوروبا. فالعقوبات التي تتشدّد اليوم في فرضها على روسيا، وتهدّد بفرضها على حلفائها، فضلا عن التلويح بخطابات بائدة للتهديد العسكري المبطن إزاء الصين والهند، لا تستهدف فقط تقويض القوة الروسية وقضم أساسها الاقتصادي فحسب، بل وتطال بشكل غير مباشر دول الاتحاد الأوربي، وفي مقدمتها قطب الرحى، ألمانيا، بمنع إمدادات الغاز الروسي عبر خط أنابيب السيل الشمالي-2 حتى يتنسى لها إجبار الدول الأوروبية على اقتناء الغاز المسال الأمريكي باهض الكلفة، وهو ما سيؤدي عمليا إلى إضعاف ألمانيا بالخصوص، وباقي دول الإتحاد الأوروبي الأخرى بشكل حاد، ويرهن مصيرها مرة أخرى لوجود العم سام. فلا يجب أن ننسى أن حجم التجارة بين روسيا والإتحاد الأوروبي بلغ 260 مليار دولار في السنة، بينما لا يتعدى مع الولايات المتحدة 23 مليار دولار أمريكي، أي عشر مرات أقل، وهذا وحده كاف بالنسبة لها لتعمل بكل قوة من أجل توريط أوروبا في حرب طويلة مع روسيا باستعمال كل الوسائل والتكتيكات لعرقلة مسارات التفاوض وامكانيات التوصل إلى اتفاقات ثنائية روسية-أوكرانية. الغريب في الأمر أن دول شرق أوروبا، والكيانات القزمية التي خرجت من رحم الاتحاد السوفياتي، ولم يكن لها وجود أصلا في التاريخ، هي الأكثر تشدّدا اليوم في المطالبة بسحق روسيا ومحقها، حتى أن اليمين المتطرف التبعي الذي يحكم اليوم ببولندا يزايد على ألمانيا وفرنسا في معاداة روسيا ويتهمها بالتساهل معها.
والحقيقة أن الصراع الروسي -الأوكراني في مظهره البسيط والأولي له جذور تاريخية لا يمكن القفز عليها وتجاهل تبعاتها على مدى زمني ليس القصير، وهذا ما يمكن التعرّف إليه بالعودة إلى وقائع التاريخ وقراءات المؤرخين، وأيضا عند "أهل مكة" من الموثوق في رواياتهم وسردهم للأحداث، وذلك لن يتأتى، بالنسبة لمن ليس دراية كافية بتاريخ العلاقات الدولية والتاريخ السياسي الحديث، إلا بالحذر من المواد والتحاليل التي يمررها الاعلام المسيطر يوميا عبر مختلف القنوات والمنصات، خاصة وأن سيرته السيئة في التزوير والتزييف وفبركة الصور والأكاذيب باتت مكشوفة منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا