هل يأتي تطور العلاقات التركية الإسرائيلية على حساب الفلسطينيين

سنية الحسيني
2022 / 4 / 7

تزايد الحديث في الأيام الأخيرة عن احتمال تبادل الزيارات الرسمية عالية المستوى بين تركيا وإسرائيل، في ظل توجه ورغبة تركية واضحة بتحقيق تطبيع العلاقات مع الدولة العبرية. ولا يعتبر ذلك التوجه التركي جديداً، فقد بدأ مع نهايات العام 2020، كما أن هناك العديد من الشواهد العملية التي تدعم تحقيق ذلك التوجه. ومن المعروف أن العلاقات التركية الإسرائيلية قد شهدت اضطرابات سياسية ودبلوماسية عميقة منذ العام 2008، كان سببها الأبرز الدعم التركي الواسع لفلسطين وشعبها. ورغم أنها ليست المحاولة الأولى التي تجري لتطبيع العلاقات بين البلدين، فقد شهد العام 2016 توقيع اتفاقية تطبيع لاعادة علاقات البلدين لطبيعتها، وتتشابه ظروف توقيعها مع الظروف الموجودة اليوم، الا أن فرص نجاح التطبيع اليوم تعد أكثر ملائمة لضمان استمرار التطبيع، إن نجح البلدان في تحقيقه. ولكن هل ستضحي أنقرة بالفلسطينيين ودعمها المطلق لقضيتهم، في ظل حاجتها الملحة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل اليوم؟

بدأ توجه الرئيس التركي رجب طيب أوردوغان لتحسين علاقاته مع إسرائيل منذ كانون الأول من العام 2020، عندما أبدى اهتمامه بتطوير علاقات بلاده مع إسرائيل، معتبرا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السبب الرئيس في توتر تلك العلاقات. وتصاعد هذا التوجه بشكل مطرد بعد ذلك خلال العام الماضي، إلى أن بلغ ذروته خلال الأيام القليلة الماضية. وكان اتصال أوردوغان الهاتفي لتهنئة يتسحاق هرتسوغ، الرئيس الإسرائيلي الجديد، في شهر يونيو من العام الماضي، إشارة مهمة على هذا التطور. وفي الشهر التالي عينت أنقرة ملحق ثقافي في سفارتها في تل أبيب لأول مرة منذ العام 2010. وتطورت تلك الاتصالات عملياً في شهر تشرين الثاني الماضي، عندما أفرجت أنقرة عن سائحين إسرائيليين اتهما بالتجسس بعد تسعة أيام فقط من توجيه هذا الاتهام، في ظل تبادل مكثف للاتصالات والتفاهمات، والتي انتهت باتصال جرى بين أوردوغان ونفتالي بينت رئيس وزراء إسرائيل اليميني المتطرف، بعد ساعات من افراج تركيا عنهما، والذي يعتبر الاتصال الأول من نوعه منذ عام 2013. واختتمت تلك التطورات بزيارة هرتسوغ الشهر الماضي إلى أنقرة، في أول زيارة من نوعها منذ سنوات عديدة، والتي تم التصريح بدعمها من قبل بينت وكذلك يائير لابيد وزير الخارجية الإسرائيلي.

ومن المعروف أن توتر العلاقات التركية الاسرائيلة بدأ عام 2008 عندما تفاجات تركيا بشن إسرائيل حربها على قطاع غزة، في حين كان ايهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارة لانقرة قبلها بخمسة أيام فقط، دون إبلاغ أوردوغان بذلك، وهو ما استهجنه الأخير بشدة. وشكل هجوم اوروغان على شمعون بيريس الرئيس الإسرائيلي في حينه في منتدى دافوس عام 2009، عندما وصفه بقاتل الأطفال، منعطفاً أخر في هذه العلاقة. الا أن التوتر الحقيقي والذي أنتج قطيعة سياسية ودبلوماسية رسمية جاء في ظل أحداث الاعتداء الإسرائيلي على "أسطول الحرية" الذي كان متجهاً لكسر الحصار عن غزة عام 2010، والذي قتل خلالها عشرة أتراك. ووقع البلدان اتفاق تطبيع عام 2016، بعد أن أرغمت الولايات المتحدة إسرائيل على الاعتذار ودفع تعويضات لضحايا حادث "اسطول الحرية" وعادت العلاقات الرسمية والدبلوماسية الطبيعية على مستوى السفراء، الا أن العلاقة فعلياً لم تعد كسابق عهدها، فاستمرت التوترات بين الفينة والأخرى بسبب انتقاد تركيا اللاذع لسياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين. في العام 2018 طردت تركيا السفير الإسرائيلي من أنقرة وسحبت سفيرها من تل أبيب وعادت القطيعة السياسية للعلاقات الرسمية بين البلدين، على خلفية رفض تركيا نقل الولايات المتحدة لسفارتها إلى مدينة القدس المحتلة، واستهداف دولة الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين العزل خلال مسيرات العودة السلمية على حدود قطاع غزة.

وعلى الرغم من توتر العلاقات التركية الإسرائيلية على المستوى السياسي والدبلوماسي والعسكري أيضاً الا أن ذلك لم يكن يعني انقطاع العلاقات تماماً بين البلدين، اذ بقيت العلاقات الاقتصادية تحديدا جيدة، وتطور مستوى التبادل التجاري طوال سنوات الاضطراب. كما تعمدت أنقرة تطوير علاقاتها الأمنية مع إسرائيل خصوصاً خلال العامين الماضيين، أي منذ توجهها لاعادة الانفتاح السياسي والدبلوماسي مع إسرائيل، فأعلنت أنقرة في شهر شباط من العام الماضي نجاحها في احباط عملية كانت ستستهدف رجل أعمال إسرائيلي في تركيا، كما كشفت صحيفة "يدعوت أحرنوت" الإسرائيلية أن جهاز الموساد ساعد في احباط 12 مخطط لشن هجمات على مواطنين إسرائيليين في تركيا خلال العامين الماضيين. ويأتي التوجه التركي بتطوير علاقاتها مع إسرائيل في إطار توجه أوسع يشمل مصر والمملكة السعودية ودولة الامارات العربية ودول أخرى من خارج المنطقة، في إطار تبنى تركيا نهج "تصفير المشكلات". وبادرت تركيا بالفعل بتطوير علاقاتها مع تلك الدول. ويبدو أن تركيا قد توجهت لتطوير سياستها تجاه دول المنطقة تحديداً ومنهم إسرائيل، بسبب فشل تعويلها على جماعة الاخوان للمسلمين خلال فترة الثورات العربية، واستقرار الأنظمة السياسية القائمة حاليا والتي باتت أمراً واقعاً، والتي تسببت بعزلها عن محيطها الشرق أوسطي. كما لحقت بتركيا كبوات اقتصادية متصاعدة، حيث فقدت الليرة التركية نصف قيمتها خلال العام الماضي وحده، وتعتبر سياستها الخارجية في السنوات الأخيرة أحد أسباب تلك الكبوات الاقتصادية، والتي فقدت تركيا بسببها الكثير من الشركاء والحلفاء. انتجت تلك التطورات تراجعاً ملحوظاً في شعبية أوردوغان وحزب العدالة والتنمية، والذي ترجم خلال انتخابات عام 2019، والخوف من تفاقم ذلك خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام القادم.

تتشابة الظروف التي قادت لتوقيع اتفاقية التطبيع بين تركيا وأسرائيل عام 2016 مع تلك التي نشهدها اليوم، ولكن يبدو أن المعطيات اليوم أكثر نضجاً لتحقيق ذلك الاتفاق مقارنة بالماضي. وتظهر رغبة واشنطن في المرحلتين بالتوصل لهذا الاتفاق، اذ تعتبر واشنطن أن بقاء تركيا في الحظيرة الغربية مصلحة أميركية خالصة، ويبدو ذلك ملحاً بدرجة كبيرة خلال هذه الأيام في ظل تفاقم الازمة الروسية الأوكرانية والحاجة للاحتفاظ بتركيا ضمن المعسكر الغربي. وتتقاطع أيضاً قضية عدم ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها سواء كانت إسرائيل أو الدول العربية أو تركيا خلال العهدين، الأمر الذي يعني حاجة تلك الدول إلى التفاهم وحل مشاكلها، دون الاعتماد على الحليف الأميركي. خلال عام 2016، تصاعد الحديث عن إمكانية انسحاب واشنطن من المنطقة، والتي وقعت بالفعل اتفاق نووي مع إيران على غير رغبة حلفائها، واليوم تقترب واشنطن أكثر من الانسحاب من المنطقة وتقترب من توقيع اتفاق نووي مع إيران شبيه بالسابق، الأمر الذي يفرض مزيداً من التفاهم والتعاون بين دول المنطقة لحل مشاكلها العالقة. وشكلت مشاريع نقل الطاقة أحد محفزات اتفاق التطبيع عام 2016، حيث تطلعت إسرائيل لامكانية تفعيل مشروع نقل الطاقة عبر تركيا إلى أوروبا، كما أعرب أوردوغان عن اهتمامه الخاص بهذا المشروع في الماضي واليوم، إذ بات اليوم أقرب إلى التحقق.

وكانت إسرائيل قد وطدت علاقتها باليونان وقبرص، بعد تدهور علاقاتها مع تركيا، في أعقاب حادثة "أسطول الحرية"، واتفقت مع البلدين، بتشجيع كبير من دونالد ترامب، الرئيس الأميركي السابق عام 2020 على تدشين مشروع "ايست ميد"، لنقل الغاز من سواحلها إلى أوروبا مروراً بموانئ قبرص واليونان، والذي يوفر 10 ٪ من امدادات أوروبا للغاز. ووقفت تركيا بقوة ضد هذا المشروع، وافتعلت العديد من المشكلات مع قبرص واليونان، ووقعت اتفاقية مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية، لتعطيل ذلك المشروع. اليوم تؤكد تركيا أن مشروع نقل الغاز من إسرائيل إلى أوروبا لابد أن يمر عبرها، اذ سيوفر ذلك إن تم حصولها على الغاز بأسعار مناسبه، وعدم ارتهانها للغاز الروسي والإيراني فقط، وتحصيل مكسب اقتصادي مغري كطرف ناقل، يساهم في حل أزماتها الاقتصادية، ويدعم مركزها الاستراتيجي في المنطقة. سحبت إدارة الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن الدعم عن مشروع خط أنابيب "ايست ميد"، شرق البحر المتوسط، مؤكدة عدم جدواه لارتفاع تكلفته، الأمر الذي جعل البعض يعتبر ذلك انتصار لأوردوغان. ويعتبر هذا التطور محفزاً مهماً لإسرائيل وتركيا للمضي قدماً في مشروع التطبيع، خصوصاً لأن تحقيق التعاون لنقل الغاز من الشرق الأوسط إلى أوروبا بات مطلباً غربياً ملحاً الان.

تعتبر تركيا من الدول الداعمة للفلسطينيين وقضيتهم، ووقف النظام الحاكم التركي بقوة طول العقدين الماضيين لانتقاد ممارسات إسرائيل الموجهة ضد الفلسطينيين، فرفضت تركيا حصار قطاع غزة، وتخطت مستوى انتقاده بمحاولاتها كسره، وساندت ودعمت الكثير من المشاريع في قطاع غزة لمساعدة الفلسطينيين، الأمر الذي ساهم في توتر علاقاتها مع إسرائيل. كما تتدخل أنقرة في القدس الشرقية، ليس فقط على المستوى السياسي برفض ممارسات إسرائيل لتهويد المدينة وقمع سكانها، بل أيضاً من خلال دعم مشاريع لصالح الوجود الفلسطيني في المدينة، كتجديد مواقع أثرية تاريخية ودينية، وتقديم منح لمؤسسات ثقافية، وهو الأمر الذي يثير حفيظة إسرائيل التي تعمل على تتبعها والتصدي لها بقوة. وتدعم تركيا القيادة الفلسطينية وتساندها في المحافل الدولية سياسياً، كما تدعم حركة حماس، باعتبارها حركة مقاومة فلسطينية، ناهيك عن التشابة الأيديولوجي بين الطرفين، فتعتبر أنقرة أحد مراكز نشاط الحركة في الخارج، وتستضيف العديد من قيادتها، كما استقبلت عشرة محررين من صفقة تحرير الاسرى مبادلة بالجندي الإسرائيلي "شليط"، تسعة منهم من حركة حماس. ويتعاطف الشعب التركي ذو الأغلبية المسلمة مع القضية الفلسطينية، ولم يتغير هذا الدعم رغم مرور الزمن، فرغم استقبال أنقرة نصف مليون سائح إسرائيلي بشكل سنوي ثابت تقريباً، قلة قليلة من الاتراك تزور إسرائيل، الأمر الذي يفسر استخدام أوردوغان وقيادة حزب العدالة والتنمية الشعارات المؤيدة لفلسطين والفلسطينيين. وقامت تركيا بسحب سفيرها من إسرائيل عام 1956، بعد العدوان على قناة السويس، وعام 1967 بعد الحرب، وبعد ذلك في ظل تطورات العدوان الإسرائيلي المتصاعد على الفلسطينيين منذ عام 2008، وهو الأمر الذي يجعل الطرف الإسرائيلي متشكك من مستقبل تطبيع العلاقات مع تركيا اليوم.

كشفت صحيفة "حوريت" التركية المقربة من الحكومة شهر شباط الماضي أن أنقرة أبلغت قادة حماس مؤخراً بعدم رغبتها بإبقاء عناصرها التابعين للجناح العسكري داخل أراضيها، بعد اتهامات إسرائيل لتركيا باستخدام أراضيها كقاعدة للتخطيط لشن هجمات ضدها. وجاء عن موقع "نيوز 24" الإسرائيلي أن أنقرة أبلغت حركة حماس بانها لن تقدم مساعدات عسكرية للحركة، وأنها ستسمح فقط باستمرار النشاط السياسي لحماس على أرضها. وأكدت مصادر عبرية أخرى أن من بين مطالب إسرائيل أيضاً ابعاد المحررين التسعة من الحركة في "صفقة شليط". عندما تم توقيع اتفاق التطبيع عام 2016، وضعت انقرة رفع الحصار عن غزة أحد شروطها، ورغم عدم تحقيقه، لم تنجح إسرائيل أيضاً في تحقيق مطالبها الخاصة بتسليم مفقوديها في غزة، واغلاق مكتب حركة حماس في اسطنبول. في ذلك الوقت نجحت أنقرة بالحصول على موافقة إسرائيلية بتوصيل مساعداتها لغزة عن طريق ميناء أسدود.

نعم هناك فرصة لتحقيق التطبيع بين تركيا وإسرائيل خلال الفترة القادمة، خصوصاً وأن هناك مكاسب سياسية واقتصادية سيجنيها الطرفان من ذلك، الا انه من غير المعتقد أن يكون ذلك على حساب الفلسطينيين، فعلاقة تركيا بالفلسطينيين مبنية على الأيديولوجيا والايمان العميق بالقضية الفلسطينية، ومؤسسة الجيش التي كانت تضغط على الحكومة لصالح الميل باتجاه إسرائيل لم تعد تملك تلك السلطة اليوم، لذلك ستبقى العلاقة مع الفلسطينيين خاضعة للمساومات، ما بين المصالح والايديولوجيا، وهو الامر الذي يفرض على الفلسطينيين متابعة وتواصل سياسي أكبر مع الحكومة التركية، للاحتفاظ بحليف مهم لفلسطين.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان