ما هو المجتمع المدني ولماذا؟

حسن الشامي
2022 / 4 / 7

مع مناخ السيولة السياسية التي يتمتع بها الشارع السياسي العربي الآن ومع خطوات الإصلاح السياسي التي تخطوها معظم النظم العربية الحاكمة سواء كانت استجابة لمطالب محلية ودولية – أصبح هناك سؤال ُملح أين مؤسسات المجتمع المدني....و دورها في التحول الديمقراطي؟

يقول "إيمانويل أوتولينجاي" المحاضر المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بجامعة "أكسفورد" : "عندما نظرنا إلي أوروبا الشرقية عشية سقوط حائط برلين، كان بإمكاننا أن نتنبأ في ذلك الوقت بالبلدان التي ستنتقل انتقالا سلسا إلي الديمقراطية، وتلك التي لن تقوم بذلك. فبولندا، والمجر، وجمهورية التشيك، ودول البلطيق، التي كان لديها تراث من المؤسسات الليبرالية، والأسواق الحرة التي كان قد تم كبتها علي أيدي الشيوعيين سرعان ما ازدهرت.. أما الدول الأخرى الواقعة شرق تلك الدول، والتي لم يكن لديها مثل ذلك التراث أو تلك المؤسسات في الماضي، وكانت تبدأ في ذلك الوقت من نقطة الصفر مثل بلغاريا، ورومانيا، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، فإنها ما زالت تكافح للوصول إلي ما وصلت إليه قريناتها منذ سقوط حائط برلين.

ما هو المجتمع المدني ولماذا؟
نشأ مفهوم المجتمع المدني لأول مرة في الفكر اليوناني الإغريقي حيث أشار إليه أرسطو باعتباره "مجموعة سياسية تخضع للقوانين" أي أنه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني، فالدولة في التفكير السياسي الأوروبي القديم يقصد بها مجتمع مدني يمثل تجمعا سياسيا أعضاؤه هم المواطنون الذين يعترفون بقوانين الدولة ويتصرفون وفقا لها. تطور المفهوم بعد ذلك في القرن الثامن عشر مع تبلور علاقات الإنتاج الرأسمالية حيي بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع المدني.. فطرحت قضية تمركز السلطة السياسية وأن الحركة المجتمعية هي النسق الأحق للدفاع ضد مخاطر الاستبداد السياسي.

وفي نهاية القرن الثامن عشر تأكد في الفكر السياسي الغربي ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذي يجب أن يدير بنفسه أموره الذاتية وأن لا يترك للحكومة إلا القليل.
وفي القرن التاسع عشر حدي التحول الثاني في مفهوم المجتمع المدني حيي اعتبر كارل ماركس أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي.

وفي القرن العشرين طرح جرامشي مسألة المجتمع المدني في إطار مفهوم جديد فكرته المركزية هي أن المجتمع المدني ليس ساحة للتنافس الاقتصادي بل ساحة للتنافس الإيديولوجي منطلقا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية. فمع نضج العلاقات الرأسمالية في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر وانقسام المجتمع إلي طبقات ذات مصالح متفاوتة أو متعارضة واحتدام الصراع الطبقي، كان لابد للرأسمالية (أي الطبقة السائدة) من بلورة آليات فعالة لإدارة هذا الصراع واحتوائه بما يضمن تحقيق مصالحها واستقرار المجتمع.

ونجحت الرأسمالية الأوروبية بالفعل في أن تحقق هذا الهدف من خلال آليتين : آلية السيطرة المباشرة بواسطة جهاز الدولة، وآلية الهيمنة الأيديولوجية والثقافية من خلال منظمات اجتماعية غير حكومية يمارس فيها الأفراد نشاطاً تطوعياً لحل مشاكلهم الفئوية والاجتماعية وتحسين أوضاعهم الثقافية والاقتصادية والمعيشية..
وتأتي أهمية الآلية الثانية من أنها تؤكد استجابة مختلف الفئات الاجتماعية بقيم النظام الرأسمالي وقبولها لها وممارستها نشاطها للدفاع عن مصالحها في إطارها، وبذلك تتأكد قدرة الطبقة السائدة (الرأسمالية) علي إدارة الصراع في المجتمع بما يدعم أسس النظام الرأسمالي وأيديولوجيته. ونتيجة لهذا التطور فنحن أمام ثلاثة مفاهيم مختلفة ولكنها في نفس الوقت متكاملة : المجتمع، المجتمع السياسي، المجتمع المدني.

أما المجتمع فهو الإطار الأشمل الذي يحتوي البشر وينظم العلاقة بينهم في إطار اقتصادي اجتماعي محدد ويتطور من خلال علاقة فئاته يبعضها وصراعاتها. في حين أن المجتمع السياسي هو مجتمع الدولة الذي يتكون من الدولة وأجهزتها والتنظيمات والأحزاب السياسية التي تسعي للسيطرة عليها أو الضغط عليها. والمجتمع المدني هو الأفراد والهيئات غير الرسمية بصفتها عناصر فاعلة في معظم المجالات التربوية والاقتصادية والعائلية والصحية والثقافية والخيرية وغيرها. ويتكون المجتمع المدني من الهيئات التي تسمي في علم الاجتماع بالمؤسسات الثانوية مثل الجمعيات الأهلية والنقابات العمالية والمهنية وشركات الأعمال والغرف التجارية والصناعية وما شابهها من المؤسسات التطوعية.

والمقصود بالدعوة للمجتمع المدني هو تمكين هذه المؤسسات الأهلية من تحمل مسئولية أكبر في إدارة شئون المجتمع كي يصبح مداراً ذاتياً إلي حد بعيد. وهكذا يستبعد من المفهوم المؤسسات الاجتماعية الأولية كالأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة الأثنية أو المذهبية أو الدينية.
كما يستبعد منه المؤسسات السياسية والحكومية، ويبقي بذلك في نطاق المجتمع المدني المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها علي العمل التطوعي.
ونستنتج من هذا التعريف أن التعارض مطلق بين المجتمع المدني والمجتمع الرسمي أو الدولة، فلا يمكن قيام مجتمع مدني قوي في ظل دولة ضعيفة بل هما مكونان متكاملاً يميز بينهما توزيع الأدوار وليس الانفصال الكامل.

كذلك فإن استبعاد الأحزاب السياسية من تعريف المجتمع المدني لا يعني أنها خارج الموضوع تماماً فالحقيقة أن الأحزاب باعتبارها طليعة لقوي اجتماعية تعبر عن مصالحها وتسعي للوصول إلي سلطة الدولة تهتم كثيراً بمؤسسات المجتمع المدني وتسعي للتجنيد من صفوفها، وبالتالي فإننا نلاحظ وجود مساحة مشتركة بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي تشغلها حركة الأحزاب السياسية. وتؤكد هذه الحقيقة أنه بالرغم من أن المجتمع المدني هو نتاج للتطور الرأسمالي إلا أنه ليس شأناً رأسمالياً بحتا بل يمكن أن تحقق من خلاله مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية مصالحها مثل النقابات العمالية واتحادات صغار المنتجين والمستهلكين.

والمجتمع المدني من حيث المبدأ هو نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهي علاقات تقوم علي تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسئوليات، ومحاسبة الدولة في كافة الأوقات التي يستدعي فيها الأمر محاسبتها.
وهذا النسيج من العلاقات يستدعي أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعددة تشكل في مجموعها القاعدة الأساسية التي ترتكز عليها مشروعية الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعي الأمر ذلك من جهة أخرى.

والمجتمع المدني هو مجتمع مستقل إلي حد كبير عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي، والحماسة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة، ورغم أنه يعلي من شأن الفرد إلا أنه ليس مجتمع الفردية بل علي العكس مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسسات.

تزداد أهمية المجتمع المدني ونضج مؤسساته لما يقوم به من دور في تنظيم وتفعيل مشاركة الناس في تقرير مصائرهم ومواجهة السياسات التي تؤثر في معيشتهم وتزيد من إفقارهم، وما يقوم به من دور في نشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية، ثقافة بناء المؤسسات، ثقافة الإعلاء من شأن المواطن، والتأكيد علي إرادة المواطنين في الفعل التاريخي وجذبهم إلي ساحة الفعل التاريخي والمساهمة بفعالية في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات حتي لا تترك حكرا علي النخب الحاكمة.
وفي هذا الإطار يري المفكر والمناضل الإيطالي انطونيو جرامشي أن المجتمع المدني ساحة للصراع داخل المؤسسات السياسية والنقابية والفكرية للمجتمع الرأسمالي، تمارس من خلاله الطبقة البورجوازية هيمنتها الثقافية أو تصعد من خلاله بشائر الهيمنة المضادة للطبقة العاملة.

مفهوم المجتمع المدني :
وبعرف علماء الاجتماع السياسي مفهوم المجتمع المدني بأنه "مجمل التنظيمات الاجتماعية التطوعية، وغير الإرثية وغير الحكومية التي ترعي الفرد وتعظم من قدراته علي المشاركة المجزية في الحياة العامة".. أي أن المجتمع المدني شكل تنظيمي وسيط بديل ومكمل يقع بين المؤسسات الإرثية من ناحية ومؤسسات الدولة من ناحية أخرى.

ويرتكز المجتمع المدني علي أربعة ركائز رئيسية :
الفعل الإرادي الحر.
التنظيم الجماعي.
قبول الاختلاف والتنوع بين أفراده.
أدارة الصراع بالوسائل السلمية وقيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس.

أهم مكونات المجتمع المدني :
النقابات المهنية
النقابات العمالية
الحركات الاجتماعية
الجمعيات التعاونية
الجمعيات الأهلية
نوادي هيئات التدريس بالجامعات
النوادي الرياضية والاجتماعية
مراكز الشباب والاتحادات الطلابية
الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال
المنظمات غير الحكومية الدفاعية والتنموية كمراكز حقوق الإنسان والمرأة والتنمية والبيئة.
الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر
مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية

وهناك من يضيف إلي هذه المنظمات هيئات تقليدية كالطرق الصوفية والأوقاف التي كانت بمثابة أساس المجتمع المدني في المجتمعات العربية منذ مئات السنين قبل ظهور المنظمات الحديث..

المجتمع المدني والتنمية الاقتصادية :
هناك علاقة وثيقة بين المجتمع المدني أو ما يسمي "رأس المال الاجتماعي" والتنمية الاقتصادية- وأنها علاقة طردية – فكلما كان هناك مجتمع مدني قوي كلما أنعكس ذلك ايجابياً علي معدلات التنمية الاقتصادية، فمنظمات المجتمع المدني تكسب أعضائها العديد من المهارات وشبكة واسعة من الاتصالات تتيح لهم فرصاً عديدة لبدء المشروعات الاقتصادية علي اختلاف مستوياتها.

المجتمع المدني التحول الديمقراطي :
ثبت من تجارب التحول الديمقراطي التي سبقتنا في المجتمعات المختلفة أنه عند امتلاك هذه المجتمعات مؤسسات مجتمع مدني قوية كلما كانت سلبيات التحول وتكلفته عند حدها الأدنى- وكذلك تحصن الدولة ضد الحركات المتطرفة والغوغائية التي قد تلجاً للعنف المنظم أو العشوائي – وكذلك حماية خطوات التحول الديمقراطي من الارتداد.
وقد أشارت العديد من الدراسات المقارنة بين تأثير المجتمع المدني في مجتمعات العالمين الأول والتالي أن هناك علاقة طردية بين حجم العضوية وحيوية المجتمع من خلال ارتفاع مستوي المشاركة السياسية وزيادة الحراك والارتقاء الاجتماعي وارتفاع في مستوي السلوك الايجابي وزيادة إنتاجية الفرد.

المجتمع المدني في الوطن العربي :
الوطن العربي زاخر بمنظمات المجتمع المدني، التي يتجاوز عدد المسجل منها رسمياً أكثر من 50 ألف في مصر وحدها منها 22 ألف غير نشط.
ولكن قياساً بحجم سكان الوطن العربي الذي يصل إلي حوالي 250 مليون نسمة، فأن ذلك يعني أن هناك منظمة مدنية واحدة لكل 50 ألف شخص مقارنة بمنظمة واحدة لكل ألف شخص تقريباً في دول الشمال، وواحدة لكل ثلاثة ألاف شخص في منطقة بلدان شرق آسيا.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر