ضرورة التوعية الجذرية بالديمقراطية

حسن الشامي
2022 / 4 / 6

تكاد تجمع التقارير علي ضعف بل وتواضع المشاركة الاجتماعية والسياسية للمصريين في عمومهم والقطاعات الشعبية الواسعة منهم خاصة لدي الشباب والنساء ,إذ تسجل عزوفهم عن التفاعل مع قضايا ومشكلات مجتمعهم , وإيثارهم لموقف الفرجة بما يفرضه عليهم من عجز وصمت.

وفي ضوء رصد وقراءات أولية لواقع المشاركة الاجتماعية والسياسية, إن حالة العزوف عن المشاركة يمكن ردها إلي مجموعة من المتغيرات والعوامل التي تتفاعل معا لتخلق وتكون هذه الكتل الخاملة من الجماهير التي آثرت البقاء في مقاعد المتفرجين تجاه ما يحدث علي ارض وطنهم, وما يحدث في شئون حياتهم.

إن أهم العوامل أو المتغيرات التي شكلت ورسخت ما يمكن أن نسميه بثقافة الرضا بالمقسوم والاستكانة والخضوع والطاعة والصبر علي المكروه والاستسلام للمشيئة أيا كان مصدرها هي العوامل التاريخية.. إنها ثقافة الصمت والفرجة والطاعة والامتثال التي سلبت المصريين قدرتهم علي الإبداع والفعل الخلاق, والمبادرة, أو عطلت هذه القدرات حال وجودها واستنفارها من اجل تجديد حياتهم وسعادتهم.

إن أصل الداء في الثقافة المصرية السائدة هو قيامها، في جانب منها، علي فكرة الاستبداد والتسلط، استبداد وتسلط القوي بالضعيف والذكر بالأنثى, والكبير بالصغير, والحاكم بالمحكومين , والسلطة بالناس، في سياق من علاقات القهر والتسلط والطغيان والاحتكار في مقابل الخضوع والاستسلام الذي حول الكثير من القطاعات الشعبية الواسعة من المصريين إلي كتل خاملة وخامدة تبدو وكأنها قد جبلت علي الاستبعاد علي النهوض بمسئولياتها تجاه صنع حياتهم وتجديدها.

وهذه الوضعية تطرح ضرورة إحداث تغيير جذري في التراث الثقافي المصري والمخزون المعرفي المتراكم في الشعور الجمعي لدي جموع المصريين والذي تم إدخاله خلال عمليات التنشئة والتطبيع الاجتماعي التي تعرضوا لها منذ ولادتهم وعلي امتداد حياتهم، وهو التراث الذي في إطاره يفهمون ويفسرون خبراتهم المعاصرة وسلوكهم وتصرفاتهم الآنية والمستقبلية، ويتحدد في ضوءه رؤيتهم للعالم المحيط بهم ولدورهم في هذا العالم, ولكل ما يحملونه من قيم عن الحرية والعدل, والخير والشر, والحلال والحرام، والصواب والخطأ.

إن مسألة بناء الديمقراطية ونشرها وترسيخها في المجتمع المصري ضرورة مهمة كثقافة مجتمعية بديلة لثقافة الاستبداد والتسلط والقهر والخضوع والاستسلام..

إن عملية بناء الديمقراطية وترسيخها في كل مجالات الحياة المجتمعية بالنظر إليها كثقافة مجتمعية تنتشر وتسود بحيث يستخدمها الأب مع أسرته والأم مع أبنائها, والرجل مع المرأة, وفي قطاعات الأعمال، وفي المؤسسات التعليمية, وفي تنظيمات المجتمع المدني.

وهذا الجانب الثقافي هو الأساس والقاعدة التي يقوم عليها وينطلق منها الجانب الإجرائي والعملي في بناء الديمقراطية من المدارس والجامعات.

ويتضمن الوجه الثقافي للديمقراطية ثلاثة أبعاد مهمة هي :
البعد الأول : البعد المعرفي الخاص بتكوين وعي الناس ونضج هذا الوعي بمفهوم الديمقراطية بكل عناصرها من كفالة حرية الفكر والاعتقاد والتعبير والتنظيم والمساواة القانونية وسيادة القانون واحترامه, واحترام وكفالة حقوق الإنسان, وحرية تكوين أحزاب سياسية في اطار تعددي حقيقي , والانتخابات الدورية كأساس للمشاركة الشعبية واستقلال القضاة، والتداول السلمي الحقيقي للسلطة في سياقات قوامها الحرية والعدل.

والبعد الثاني : البعد الوجداني المتعلق بالقيم والاتجاهات الموجهة والضابطة والمرتبطة بالديمقراطية. كالعقلانية والعلمية والتسامح والنسبية والتعدد التنوع , وقبول حق الاختلاف والتعايش معه , والحوار والسلام, ونبذ العنف والتطرف.. وهي القيم والاتجاهات التي تصبح طابعا مميزا للفكر وللأفعال السلوكية وعلي أساس المطابقة بين الفكر والعمل.

والبعد الثالث : البعد المتعلق بالجانب السلوكي وهو الجانب المرئي للديمقراطية والذي يتم تنميته من خلال التفاعلات المجتمعية والاجتماعية الجارية في المجتمع.

وهذه الإبعاد الثلاثة تؤكد أننا بصدد قواعد وقيم وسلوكيات يمكن تعلمها وتمثلها في كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية من الأسرة إلي المدرسة. في المؤسسات الدينية وفي مؤسسات العمل.وانه بتعلم هذه القواعد والقيم السلوكية وبتمثلها في كل مستويات وجودنا الفردية والاجتماعية سنكون مهيئين للمطالبة بالديمقراطية وممارستها في المجال السياسي وعلي مستوي الدولة وأجهزة الحكم.

وإذا كان هذا هو الهدف الاستراتيجي العام لمشروع التوعية الجذرية بالديمقراطية والذي يتحدد بضرورة إحداث تغيير جذري واسع النطاق في الثقافة السائدة والمزاج العام السائد لدي عموم المصريين لأجل انجاز إصلاح ديمقراطي حقيقي.

إن هذا الهدف الاستراتيجي يمكن تجسيده في مجموعة من الأهداف الإجرائية تتحدد فيما يلي :
ـ زيادة وعي القطاعات الشعبية المصرية وخاصة الشباب والنساء بمفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان من خلال نشر المعارف المتصلة بالمفاهيم والمبادئ الديمقراطية.
ـ تعبئة الفئات المستهدفة وتحفيزهم علي المشاركة والنهوض بمسئولياتهم تجاه صنع حياتهم وتجددها من خلال تشجيعهم وتدربيهم وحفزهم علي المشاركة في حوارات مفتوحة عن الديمقراطية والحرية.
ـ رفع الوعي والتنظيم لدى المواطنين بما يؤهلهم للتفاعل وتحمل مسئولية واجباتهم المدنية كمواطنين أحرار.
ـ نشر التسامح الديني والاحترام المتبادل لأصحاب العقائد المختلفة وقبول الحق في الاختلاف والتعايش معه.
ـ تشجيع ثقافة الحوار ونبذ التعصب والتطرف.
ـ زيادة الوعي بحقوق الإنسان ودعمها واحترامها والدفاع عنها.

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر