ما هي الحقائق التي يخفيها أو يتجاهلها الاعلام المسيطر عن الحرب الروسية -الأوكرانية؟

عبد المجيد السخيري
2022 / 4 / 3

إذا كانت القومية الأوكرانية قديمة كشأن قوميات أخرى في أرجاء المعمورة، فإن تاريخ الدولة الأوكرانية حديث ولا يتعدى عقودا من الزمن. لذلك فإن بكاء البعض على انتهاك سيادتها وغزو أراضيها لا ينبغي أن يحجب عنا حقائق تاريخية لابد وأن تُأخذ بعين للاعتبار لفهم ما يجري الآن من أحداث على مسرحها السياسي أو العسكري، من ثم وضع الحرب الجارية في سياقها الحقيقي. فدموع التماسيح والعواطف الجيّاشة المصطنعة التي ينثرها هنا أو هناك سياسيون كذّابون وأشباه مثقفين وإعلاميين مُسخّرين، وحتى أشخاص عاديون من البلهاء سريعي الغضب والانقياد، لا يمكنها أن تحل مكان الحقائق والوقائع الجيوسياسية والتاريخية. وإن ما سنسترجعه منها في هذا المقام، وباختصار شديد، لا يُعد بأي حال من الأحوال تزكية للنظام الروسي الرأسمالي المهيمن، ولا مشاركة في تبييض صورته الملطخة داخليا، قبل أن يكون سيئ السمعة خارجيا على النحو الذي تسوقه أبواق الغرب الرأسمالي في كل مكان.
من هي أوكرانيا؟
قبل أن تطالب أوكرانيا باحترام وحدة أراضيها عليها أن تتذكر أنها فصّلت الجغرافيا حسبما اتفق وبنت كيانها في ظروف تاريخية انتهت، فإما أن تقبل بما يعتمل داخل حدودها المعترف بها دوليا من صراعات ومطالبات قومية، أو تعود إلى الوضع ما قبل السوفياتي، أي مجرد قومية تعيش على أرض بلا دولة. أما أن تنهج سياسة سحق القوميات غير الأوكرانية وتطالب في الوقت نفسه باحترام سيادتها في عصر التفتّت القومي، فهو عجرفة وتعصب يستحق أن يقابل بالقوة ويُعالج بما يناسب من الشدّة.
ظلت أوكرانيا الحالية إلى غاية منتصف القرن السابع عشر بلدا ذا كثافة سكانية منخفضة وكانت أراضيها محل تنازع بين بلدان مجاورة، وسيتم في سياق ذلك اقتسامها بين كل من بولندا والنمسا والمجر وروسيا مع بداية القرن الماضي. وبعد ثورة أكتوبر 1917، مُنحت بعض تلك الأراضي استقلالا مؤقتا إلى غاية 1922 حيث سيجري الانضمام إلى الكيان الجديد المنشأ عقب الثورة العظيمة، الإتحاد السوفيتي، لتصبح رسميا "جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفيتية"، ومن ثم تكتسب وضع الدولة. وبفضل ذلك انتقلت البلاد من الوضع الزراعي المتخلف إلى الدولة الصناعية بنقل مناطق صناعية روسية إليها عشية انتصار الثورة وبقرار من "لينين"، بما في ذلك المناطق التي تعرف اليوم صراعا محتدما حول الهوية القومية، أعني دونيتسك ولوغانسك، لأنها لم تكن أصلا أوكرانية. والحال أن منطقة "غاليسيا" غرب أوكرانيا كانت جزءا من بولندا ويعود الفضل للاتحاد السوفياتي بانتقالها إلى أراضي أوكرانيا، مثلما بفضله ازدهرت صناعات جديدة للطائرات والصواريخ والطاقة والبتروكيماويات وغيرها، وصارت أوكرانيا تتوفر على أربع محطات للطاقة النووية. وليس فقط استفاد الأوكرانيون اقتصاديا من وجودهم تحت ظلال الكيان السوفياتي، ما جعلهم بين الاقتصاديات العشر الأولى في أوروبا، وإنما هيمن قادتهم على مركز القرار السوفياتي الأعلى، بداية من خروتشوف، مرورا بالمعمر على رأس الاتحاد السوفياتي بريجنيف، ثم تشرنينكو وأخيرا غورباتشوف الذي انتهى في عهده الاتحاد وتفكّك، وخرجت منه أوكرانيا دولة مستقلة لأول مرة في تاريخها، على غرار الجمهوريات الاشتراكية الأخرى لتبدأ مسيرتها في التحول إلى الرأسمالية المتوحشة تحت الرقابة الأطلسية غير المباشرة، قبل أن تنتعش أحلام الأوليغارشيا الصاعدة بالانضمام إلى "الناتو" وفك أي ارتباط بالجار الروسي الذي استفادت منه طويلا، ما أدى بالطبع إلى تدهور التصنيع والمستوى المعيشي للسكان، وفقدان العديد من الامتيازات الاجتماعية التي تمتع بها هؤلاء في عهد الاتحاد السوفياتي. وبينما اغتنت الطبقة الجديدة وراكمت امتيازات خيالية بنهج الخصخصة وسياسة السوق الحرة، صارت البلاد أفقر تحت وطأة الفساد والتفاوت الاجتماعي والارتهان للديون الخارجية، وتدمير أهم الصناعات التحويلية، وتراجع مهول في مستوى تأهيل العنصر البشري.
لكن رغم التدهور المشار إليه أعلاه، فإن الاستياء الشعبي بأوكرانيا في الغالب لن يجد ترجمته السليمة والمنطقية في الاختيارات السياسية، بل ويتم التلاعب به لتعزيز موقع الأوليغارشيا في السلطة ومنحها التزكية الانتخابية لتظهر بوجه ديمقراطي مزيف، وكل ذلك كان يجري بتدخّل خفي أحيانا، وسافر أحيانا أخرى لحفائها في الغرب. وقد سبق لوزارة الخارجية الأمريكية أن كشفت عن استثمارها لخمس مليارات دولار لدعم الانقلاب على الحكومة المنتخبة سنة 2014.
ما طبيعة الدولة الأوكرانية؟
يحدد الشيوعيون الروس طبيعة الدولة الأوكرانية الحالية بأنها نتيجة لتحالف الرأسمال الكبير وبيروقراطية الدولة، المدعم بنشاط عناصر إجرامية وفاشية تعمل تحت الوصاية المباشرة للولايات المتحدة وسيطرتها السياسية والمالية الكاملة. فقد تحولت الدولة في أوكرانيا إلى رأسمالية تابعة يدير شؤونها النازيون الجدد الذين يتحدر أغلبهم من غرب البلاد، وتحديدا "غاليسيا" التي كانت دوما تحت الوصاية البولندية أو المجرية، وهم متشبعون بالتعصب القومي ومعاداة السامية والشيوعية وكراهية الروس. ففي هذه المنطقة بالذات تم استقبال القوات النازية بالزهور إبان غزو الاتحاد السوفياتي، وتشكلت فرق فاشية قاتلت ضد الجيش الأحمر. ويعد "ستيفان بانديرا"، المعجب بهتلر، قائدا معروفا للقوميين المحليين، وتعرف المجموعات النازية بأتباع بانديرا، تاريخهم الإجرامي معروف حتى أنه يُنسب لهم إبادة ما يناهز ربع ضحايا الهولوكوست من السكان اليهود بأوكرانيا، أجداد المهرج زلينسكي، علاوة على جرائم عنصرية أخرى، وأنشطة تخريبية قامت بها المجموعات "البانديرية" ضد الجيش السوفياتي، وعمليات قتل وحرف النساء والأطفال والرجال أحياء في قرى بيلاروسية |بان الحرب العالمية الثانية، دون نسيان الخدمات التي قدمها هؤلاء في معسكرات الاعتقال الألمانية في التعذيب والتنكيل بالمحتجزين. وقد تواصلت تلك الأنشطة في غرب أوكرانيا بعد عام 1945 بدعم أمريكي وبريطاني لترهيب السكان المدنيين، وتذكر بعض المصادر أن حوالي خمسين ألفا منهم تعرّضوا للقتل. ولعل الطبيعة الفاشية لورثتهم لا تخفى اليوم على أحد، سواء من خلال سجل الجرائم التي ترتكبها المجموعات المقاتلة في صف الجيش أو المليشيات في أوقات الحرب أو المنافسات الانتخابية، أو الحركات الاحتجاجية (فقد تم إحراق 42 من معارضي النازية أحياء في مبنى النقابات في أوديسا في شهر ماي 2014).
يعزز تحالف النازيين الجدد والرأسمال الأوليغارشي السيطرة الكاملة على مقاليد السلطة، بينما تظهر الأحداث أن الفاشيين من أحفاد "بانديرا" يمارسون الابتزاز على الدولة بالتهديد بالانقلابات للسماح لهم بنشر الإيديولوجيا النازية في البلاد، وهم تحقق لهم بالاعتراف بأجدادهم كأبطال وطنيين رسميا، أي أولئك المتعاونين مع النازية والغزو الألماني، في مقابل إلغاء الاحتفال بيوم النصر على الفاشية في 9 ماي من كل سنة، وتسمية الشوارع والميادين بأسماء الفاشيين وتنظيم المسيرات لتكريمهم، في مقابل تدمير النُصب التذكارية لأبطال الاتحاد السوفياتي وكل رموز ذاكرته، وحظر النشاط السياسي للشيوعيين واضطهادهم بصورة متصاعدة.
إن التوجه الخارجي للدولة في أوكرانيا تحت إدارة التحالف المشار إليه يصب في مصلحة السياسات الأطلسية الرامية إلى إضعاف روسيا ومنع أي تطلع لها لاستعادة مكانة الاتحاد السوفياتي في العلاقات الدولية وموازين القوة، وذلك ينسجم مع السياسات الداخلية القائمة على التحرش القومي والقمع القائم على الأساس الهوياتي، خاصة في المناطق ذات القومية الروسية، ومن ثم الاستفادة من الدعم الأمريكي والأوروبي لفرض الأمر الواقع، ما أدى منطقيا إلى نشوب الحرب. إذ ماذا كان يتوقع الأوكرانيون أن يحدث بعد تصاعد النشاط الفاشي للنازيين الجدد خلال السنوات الثمان الأخيرة من أعمال القتل وتشريد لأهالي دونيتسك ولوغانسك بتواطؤ دولي مكشوف، خاصة بعد تنصُّل النظام الحالي من اتفاقيات "مينسك" المبرمة في مارس 2015 بمشاركة ألمانية وفرنسية بشأن الوضع الخاص للمنطقتين؟ والأسوأ من كل ذلك أن النظام الحالي سمح للقوى المعادية لروسيا بإقامة صناعات حربية بأوكرانيا وتدريب جيشها فيما يشبه إعلان حرب وتهديد للأمن القومي الروسي، بل وقام بتعبئة آلاف من الجنود والكتائب النازية في "دونباس" لاستعادة السيطرة على المنطقة بعد إعلان استقلال جمهوريتي دونيتسك-لوغانسك من خلال استفتاء شعبي، واعتراف روسيا بالاستقلال المعلن.
ومن هو زيلينسكي؟
حتى وقت قريب لم يكن هذا الممثل الفاشل الجدير بصفة "المهرج"، الذي اصطادته الآلة الرأسمالية الذكية بتحالف مع العصابات النازية وجعلته رئيس دولة، معروفا إلا عند قلّة قليلة من عشاق الفن السابع أو المسلسلات التلفزيونية، وبالأحرى عند عدد محدود جدا من المطلعين على السياسة والعلاقات الدوليين بعد دخوله عالم السياسة. اليوم صار بوسع أي كان أن يدخل على الروابط المنتشرة على شبكة الأنترنيت للنبش في سيرته وقراءة العجب العُجاب عنه، بل ونرى منذ اندلاع الحرب تسابق الشركات ووسائل الاتصال على الفوز بالأعمال التي ظهر فيها لحصد المزيد من المشاهدات وجني المال، لوجود أسباب جديدة تدفع الناس لمعرفة ورؤية صورة مغايرة لهذا الرئيس الذي صار بطلا للقصص التي ينشرها ويذيعها الاعلام الغربي صباح مساء، سواء وهو يرتدي التي شورت الصيفي أو البزّة العسكرية، يطل على الجمهور من داخل غرف التسجيل عبر مقاطع فيديو يدعو من خلالها الجيش والمقاتلين للصمود والمقاومة، أو يتوسّل حلفائه، أو على الأصح عرّابيه في الحلف الأطلسي، للتدخّل لإنقاذه من الورطة، أو يطلب التفاوض مع "العدو" لوقف أعمال الحرب دون استسلام.
من كان سيصدق أن هذا "المهرج"، من أصل يهودي ليست اللغة الأوكرانية لغته الأولى بل الروسية، سيتحول إلى قائد حربي على الشاشة مرة أخرى، وتحت إدارة مُخرجين من نوع مختلف، وهو الذي لا يعرف شيئا لا عن السياسة ولا الاستراتيجية، ولا حتى القليل من الأدب الذي يُفترض أن تجمعه به صلة بحكم المهنة، بعدما مرّ بشكل سريع من ممثل مغمور اشتهر ببلاده بأداء دور رجل منهك بسبب الفساد السياسي الذي نخر بلاده، وذلك في سلسلة "خادمة الشعب" الذي أنتجها أستوديو Kvartal 95 الذي أسسه بنفسه، ليصير بقدرة قادر رئيس دولة بعدما تقدّم للانتخابات الرئاسية بلائحة تحمل اسم السلسلة التلفزية نفسها وليفوز بشكل أذهل الجميع من مراقبين ومنافسين، بينما وحدهم الحلفاء أو العرّابين من كانوا على يقين من فوز دُميتهم في لعبة محبوكة سبقتها استعدادات دامت لسنين، شملت سلسلة من الانقلابات الناعمة واختراقات واسعة للرأي العام، وتصعيد قومي شوفيني، واطلاق يد النازيين الجدد للعبث بالحياة العامة واستعراض القوة. الفكرة الجهنمية لتحويل ممثل السلسلة إلى مرشح رئاسي تفتّق عنها خيال رجل الأعمال القوي، الحامل لجوازات سفر أوكرانية وإسرائيلية وقبرصية، وأبرز وجوه الأوليغارشيا الفتاكة، إيغور كولومويسكيي Igor Kolomoyskyi، بعدما حصلت شركة زلينسكي المشار إليها أعلاه على تمويلات غير مسبوقة، بلغت بحسب بعض المصادر 40 مليون دولار مرّ جلُّها من جنّات ضريبية. والسيد كولومويسكيي ليس إلا مالك أحد أكبر بنوك أوكرانيا PrivatBank المتورطة في أنشطة بنكية احتيالية واستثمارات غير شرعية عديدة أزكمت رائحتها الأنوف في كل مكان، وهو أيضا الداعم الأساسي للجماعات شبه العسكرية للنازيين الجدد والقوميين المتطرفين التي قادت سنة 2014 الانقلاب الذي أطاح بحكومة الرئيس الشرعي المنتخب Janukovic، وتسبّبت أنشطتها الخطيرة في اضطرابات متواصلة لثمانية أعوام من الحرب الأهلية. وعندما وصل المهرج إلى سُدّة الحكم في أبريل 2019 عمد إلى توزيع أعضاء شركته على المناصب الحكومية في وقاحة لا مثيل لها، ومن ذلك تنصيب الرئيس المدير العام للشركة Ivan Bakanov رئيسا للمخابرات ونائب المدير Serhiy Shefir ناطقا رسميا باسم الرئيس. وحسب تقارير جادة نشرتها صحف دولية مرموقة فإن السيد الرئيس لديه أسهم في ثلاث شركات ما وراء البحار، وعلى صلة وثيقة بعدد كبير من الأوليغارشيين وكبار الأثرياء الذين يغدقون عليه بالتمويلات المشبوهة وعلى حلفائه النازيين الجدد.
لذلك لا ليس على الأوكرانيين سوى الصبر في انتظار أن يأتي الفرج على يد "ماما أمريكا".

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا