الأزمة الأوكرانية والتهديدات الأمريكية للصين!

فهد المضحكي
2022 / 4 / 2

توجيه الولايات المتحدة تهديدات مباشرة للصين بشأن أي مساعدة تقدمها بكين لموسكو للتعايش مع العقوبات الغربية يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة إدارة بايدن على ردع بكين فعلا إذا ما قررت مساعدة موسكو. ثمة آراء مصدرها «arabicpost» تعتقد أن مع دخول الهجوم الروسي على أوكرانيا أسبوعه السادس، أصبح واضحًا أن الحرب ستكون أطول مما توقع الكرملين، وهو ما يعني أن تداعيات العقوبات قد يكون لها تأثير أقوى مما مكان متوقعًا في البداية، وهنا تأتي خشية الولايات المتحدة من أن تتدخل الصين لإنقاذ الاقتصاد الروسي من الانهيار. تعرضت روسيا لأكبر حملة عقوبات فرضها الغرب منذ بدء الاجتياح الروسي لأوكرانيا، وطالت العقوبات الثروات الشخصية لبوتن ودائرته المقربة من رجال الأعمال. ثمة سؤال وهو ما الذي دفع الأمريكيين لتهديد الصين؟. ليس سرًا أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة تسير من سيء إلى أسوأ خلال السنوات الأخيرة، ثم كان ظهور وتفشي فيروس كورونا مطلع العام قبل الماضي وإطلاق الرئيس السابق دونالد ترامب عليه وصف «الفيروس الصيني» وتبادل واشنطن وبكين الاتهامات بشأن منشأ الفيروس وطبيعته، فصلاً آخر في تدهور تلك العلاقات. ومع وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض، أصبحت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين أمرا واقعا بالفعل، وتزامن ذلك مع تقارب متسارع بين بكين وموسكو، لدرجة أن بايدن عندما عقد قمته الأولى مع بوتن في جنيف في يونيو2021 كانت«الصين» الحاضر الغائب في تلك القمة، مع سعي الرئيس الأمريكي لإقناع نظيره الروسي - بشكل غير مباشر - بألا يرفع من درجة تعاونه مع الصين، بحسب ما رشح من تقارير أمريكية وقتها.

لكن كل ذلك يبدو الآن من الماضي، إذ أدى الهجوم الروسي على أوكرانيا إلى تكريس واقع عالمي جديد يضع موسكو وبكين في جبهة وواشنطن وحلفائها في جبهة أخرى، وإن كانت الصين لا تزال تمسك العصا من المنتصف كما يقال. نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرًا قالت فيه إن الصين كانت على علم مسبق بذلك التحرك العسكري، بل إن بكين هي من طلبت من موسكو تأجيل بدء الهجوم إلى ما بعد أولمبياد بكين الشتوية. ذكرت صحيفتا فايننشال تايمز وواشنطن بوست نقلاً عن مسؤولين أمريكيين أن روسيا طلبت من الصين عتادًا عسكريًا منذ بداية ما وصفته واشنطن بالغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير. وردت الصين في بيان: «الوضع الحالي في أوكرانيا مثير للقلق حقا»، وأضاف: «الأولوية القصوى الآن هي منع تصعيد الموقف المتوتر عن السيطرة»، بحسب «رويتر». وفي لهجة أكثر حدة،رفضت الصين التقارير الأمريكة، إذا وصفت تلك التقارير بأنها «أخبار كاذبة مصدرها الولايات المتحدة»، وأضافت أن تلك الأكاذيب تأتي في إطار «المؤامرة الأمريكية الهادفة إلى خلق ظروف مواتية للمواجهة مع الصين». وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، سعى مسؤولون من الولايات المتحدة ودول أخرى إلى التوضيح للصين بأن وقوفها مع روسيا قد تكون له عواقب على التدفق التجاري وتطوير تكنولوجيات جديدة وقد يعرضها لعقوبات.

تطرح هذه التجاذبات بين واشنطن وبكين تساؤلات خطيرة بشأن ما قد يؤدي إليه مواصلة هذا التصعيد بين الجانبين، خصوصًا أن الاقتصاد العالمي يعاني بالفعل من التضخم، ليس فقط بسبب العقوبات التي تم فرضها على روسيا بسبب الهجوم على أوكرانيا، ولكن أيضا بفعل تداعيات جائحة كورونا التي لم يتعافَ منها الاقتصاد العالمي بعد. فالصين هي أكبر مصدر وأكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي وأكبر مورد أجنبي للبضائع للولايات المتحدة. ومن شأن أي ضغط على التجارة الصينية أن تكون له تأثيرات اقتصادية غير مباشرة على الولايات المتحدة وحلفائها. وحتى الآن يمكن القول إن الصين اختارت رسميا الحياد في الأزمة الروسية الأوكرانية، وإن كانت من الناحية الاستراتيجية تقف في نفس الخندق مع موسكو في مواجهة المعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. فبكين لم تنضم إلى القائمة الطويلة من الدول التي أدانت الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا، ناهيك عن فرض عقوبات على موسكو، بل القت اللوم على الولايات المتحدة في إثارة الأزمة وتصعيدها. وفي اليوم الذي بدأ الهجوم الروسي لأوكرانيا، اتهمت الخارجية الصينية، واشنطن بأنها «أججت التوترات وأشعلت تهديدات الحرب في أوكرانيا»، ورفصت استخدام مصطلح «غزو» لتوصيف الحرب في أوكرانيا. غير أن الموقف الصيني لم يذهب بعيدًا في دعم روسيا، لأنه مكبل بمبدأ «احترام أرضي الدول وسيادتها» بما فيها أوكرانيا، وهو ذات الموقف الذي تبنته بكين عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم. ناهيك أن الدعم الصيني لروسيا، من شأنه أن يورط الصين في صراع أكبر مع الغرب، في قضية لا تعنيها بشكل مباشر. فالوضع في الأزمة الروسية الأوكرانية متداخل بشكل عميق بالنسبة للصين، بين ما هو استراتيجي. وما هو مبدئي، دون نسيان عامل ثالث متعلق بالمصالح الاقتصادية والتجارية المتشابكة مع هذا الطرف أو ذاك. ولذلك فالحياد المحسوب، تراهن عليه الصين، وتجلى ذلك من خلال امتناعها عن التصويت حول إدانة الهجوم الروسي على أوكرانيا، سواء في مجلس الأمن الدولي، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة. وهذا ما عبر عنه المتحدث باسم الخارجية الصينية تشاو لي جيان بقوله: «إن الولايات المتحدة تنتقد الموقف الصيني بشأن أوكرانيا، للبحث عن مجال لمؤامرة القمع المتزامن ضد الصين وروسيا»، بحسب ما نقلته وكالة «تشينخوا» الصينية.

تعد الصين بالنسبة لروسيا أكبر شريك اقتصادي، حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 140 مليار دولار في 2021، الصين تستورد أمرين أساسيين من روسيا، المحروقات (نفط وغاز) والسلاح، بينما تصدر لها كل شيء تقريبًا، وهذا ما يجعل الاقتصادين متكاملين، رغم أن الاقتصاد الصيني أكبر بكثير من نظيره الروسي. فالناتج الداخلي الإجمالي لروسيا يبلغ نحو 1.5 تريليون دولار. في حين أن الناتج الداخلي الإجمالي للصين يبلغ 18 تريليون دولار. ويمثل الاقتصاد الصيني الضخم المنقذ للاقتصاد الروسي بعد تشديد العقوبات الغربية، خاصة ما يتعلق باستمرار تصدير النفط والغاز إلى السوق الصينية. وكذلك بالنسبة للواردات الروسية من الدول الغربية، التي يمكن لموسكو استبدالها بأخرى صينية، ما يخفف من وطأة العقوبات. ويمنع الاقتصاد الروسي من الجثو على ركبتيه، خاصة أن الطرفين يتعاملان بالروبل الروسي واليوان الصيني، ما يسمح لروسيا بالالتفاف حول العقوبات الأمريكية والأوروبية. ولا تنتظر الصين أن ينهار الاقتصاد الروسي، لأن ذلك سيدفع واشنطن لتركيز جهودها لإضعاف الاقتصاد الصيني الصاعد بقوة، والذي تجاوز ناتجه الداخلي الخام المعادل للقدرة الشرائية (24.2 تريليون دولار) نظيره الأمريكي (20.8 تريليون دولار). وتمثل هذه المعطيات مؤشرًا على أن مهمة بايدن في ردع الصين عن مساعدة روسيا قد لا تكون ميسورة أو حتى واردة، ليس فقط بسبب الحسابات الجيوسياسية ولكن أيضًا بسبب الحسابات الاقتصادية. فالصين لا تثق بالغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصا، وبالتالي فإن رضوخ الصين للتهديدات الأمريكية أمر مستبعد، بحسب أغلب المحللين.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق