مهمة روسيا في نظر الكسندر دوغين.

نورالدين علاك الاسفي
2022 / 4 / 1

مارسين سكلادانوفسكي(1)
Marcin Skladanowski

ترجمة: نورالدين علاك الأسفي. (2)
zawinour@gmail.com

الملخص.
يتناول هذا المقال الطريقة التي ينظر بها ألكسندر دوغين لإنجاز مهمة روسيا التاريخية في فضاء دول الاتحاد السوفيتي السابق، و إلى أسباب فشل وسقوط ذلك الاتحاد. في الجزء الأول منه؛ يظهر الاتحاد السوفيتي كمرحلة مهمة في مهمة روسيا التاريخية. و في الجزء الثاني يأتي على عرض العناصر الرئيسة في الأيديولوجية الماركسية المطبقة في روسيا ما بعد الثورة؛ التي تتعارض مع اللوغوس الروسي ، و بالمحصلة مع الرسالة الحضارية الروسية، وقد أشرت على الضعف الداخلي للماركسية كأساس أيديولوجي للاتحاد السوفيتي. أما الجزء الثالث فمكرس للاستنتاجات الأيديولوجية التي يجب أن تستخلصها سلطات الاتحاد الروسي بقيادة الرئيس بوتين من الضعف الأيديولوجي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية المتفكك؛ و العمل على تفادي تكرار المصير نفسه؛ وتمكين روسيا من لعب دور حاسم في العالم.

1* المقدمة
يدعم الفكر الإمبريالي الروسي الجديد و المعاصر سياسة الرئيس بوتين الداخلية والخارجية. و مع ذلك، فإنه يعتبر أن بعض جوانب هذه السياسة ليست جذرية بما يكفي وبطيئة للغاية في محاولة استعادة الموقف الصائب للقوة العظمى من قبل الاتحاد الروسي. و بشكل عام، يحتل التفكير في أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي مكانًا مهمًا في تيار الفكر هذا. فهو يطور رأي الرئيس بوتين نفسه بأن سقوط الاتحاد السوفيتي كان "أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين". إن الإمبريالية الروسية الجديدة، على الرغم من أنها لا تدعم الأيديولوجية الشيوعية؛ وتناشد عن طيب خاطر التراث الأرثوذكسي الروسي، تعتبر سقوط الاتحاد السوفييتي أمرًا مؤسفًا كواحدة من أخطر الأزمات في تاريخ روسيا. كما يشير إلى الآثار المدمرة لهذا الحدث في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية وكذلك الاجتماعية والثقافية. لكن في الوقت ذاته، استخلص العديد من ممثلي الفكر الإمبريالي الجديد الروسي؛ و تماشياً مع اقتراحات الرئيس بوتين؛ استنتاجات من سقوط الاتحاد السوفيتي؛ يمكن أن توجه التطور المستقبلي للاتحاد الروسي.
يتغيى هذا المقال تقديم الطريقة التي ينظر بها ألكسندر دوغين، كأحد أكثر المحافظين الروس إثارة للجدل. و بصفته مؤيدًا للأوراسية؛ التي ترى جذور روسيا في كل من الأرثوذكسية البيزنطية و كذلك في الثقافات الآسيوية، حيث يفترض أن روسيا قد أنشأت حضارتها المنفصلة الخاصة بها، و عليه، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعتبر دولة أوروبية. وبالتالي، لا ينبغي اعتبار الثقافة الروسية جزءًا من الثقافة الأوروبية. و تحدد القومية ومعاداة الغرب أيضًا تصوره للأسس الأيديولوجية للاتحاد السوفيتي والأسباب الكامنة وراء سقوطه. و بصرف النظر عن العوامل الواضحة مثل الضغط السياسي والاقتصادي من الغرب وسباق التسلح الذي خسره الاتحاد السوفيتي، يلفت دوغين انتباهنا إلى القضايا الأيديولوجية والثقافية، أو وفقًا لمصطلحاته الخاصة، القضايا "الحضارية".
2* مهمة الاتحاد السوفيتي و روسيا التاريخية.
على الرغم من ملاحظة الضعف الأيديولوجي للاتحاد السوفيتي-ستتم مناقشته أدناه- يعتبر دوغين الدولة التي أنشأها البلاشفة بعد ثورة أكتوبر جزءًا لا يتجزأ من تاريخ روسيا. في الوقت الحالي، و بالنظر للصراع الروسي الأوكراني، أثار الأوكرانيون بعض الشكوك حول ما إذا كان حصر الروس في روسيا والاعتراف بالأخيرة باعتبارها الاستمرارية الوحيدة للتقاليد القومية والدينية لروسيا وكييف؛ له ما يبرره. ومع ذلك، دوغين يرى أن تاريخ روسيا هو تيار مستمر من الأحداث التي تؤسس لمهمة روسيا التاريخية. حتى أنه يعتقد أن روسيا أنشأت "حضارتها الروسية" الخاصة بها. بمثل هذه الرؤية التأريخية، ليست روسيا الوريث الشرعي الوحيد لتقاليد كييف ـ روس فحسب، و لكن أمكن تحقيق مهمتها التاريخية أيضا في الاتحاد السوفيتي؛ على الرغم من الظروف الثورية لسقوط روسيا القيصرية.
2.1* الاتحاد السوفيتي كمرحلة تاريخية للدولة الروسية
على الرغم من أن الأيديولوجية السوفيتية رفضت الجغرافيا السياسية باعتبارها "علمًا برجوازيًا (زائفًا)" و عديم القيمة تمامًا، إلا أنه في الواقع، وفقًا لدوغين، كان الاتحاد السوفيتي في بعده الجيوسياسي أحد التجسيدات التاريخية لروسيا. كان الأمر كذلك على الرغم من الطابع المتعدد للإثنيات والأديان لهذه الدولة، والذي انعكس في هيكلها السياسي، القائم على الجمهوريات الفيدرالية؛ التي تتمتع رسميًا بمستوى كبير من الاستقلالية في السياسة الداخلية، وكذلك في هيكل متعدد الجوانب لأكبر جمهورية - جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية - والتي عكست أيضًا التنوع الثقافي والعرقي والديني لسكانها.
أثناء تحليل أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي، يجب التأكيد على دوره كمرحلة مهمة في تاريخ روسيا، ولكن لا ينبغي أن يقتصر على جوانبه السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية. في نهج دوغين، أحد الجوانب الأساسية للحضارة الروسية هو التوسع المستمر، ونشر تأثيرها على الأمم والثقافات الأخرى. هذا التوسع هو أحد السمات الهامة للروح الروسية - "اللوغوس الروسي". هذا التوسع متعدد الأبعاد أيضًا. أولاً، يعمل على توسيع نفوذ روسيا السياسي والعسكري بما في ذلك السيطرة العسكرية والسياسية المباشرة، وهو ما يعني أيضًا التدخلات العسكرية. وفقًا لدوغين، الحرب متأصلة بشكل دائم في التاريخ الروسي؛ ويجب أن يُنظر إليها على أنها ضرورة أو حتى هدف لروسيا . فعلى الرغم من كونه نموذجيًا لكل حرب عنف، إلا أنه يُنظر إليها من وجهة النظر هذه على أنها إيجابية بالتأكيد؛ فهي لا تعمل على الدفاع عن روسيا كفضاء سياسي وثقافي فحسب، بل إنها تعزز أيضا هويتها وطابعها الحضاري المنفصل عما يتعلق بالدول والثقافات المجاورة. هذا هو السبب الذي جعل دوغين يصرح مرارًا وتكرارًا أن الحرب عنصر طبيعي في تاريخ روسيا ويعتبرها جانبًا معتادًا من السياسة الوطنية. وبالمثل يعتبر في التبعية السياسية للدول الأخرى تعبيرا عن مهمة روسيا التاريخية. لقد ذهب إلى حد حرمان الدول التي ظهرت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي من الحق في الاستقلال الكامل ووصفها بأنها ناقصة أو معيبة. هذه سمة مهمة للفكر الإمبريالي الروسي الجديد ، لا سيما في سياق الحرب الأوكرانية .
لم يقتصر توسع "اللوغوس الروسي"، الذي أصبح حقيقة واقعة في الاتحاد السوفيتي، في المجال السياسي أو العسكري أو الاقتصادي، ولكنه يشمل أيضًا قضايا الثقافة مع التركيز بشكل خاص على اللغة. اللغة ليست فقط حاملة معلومات، ولكنها تحتوي أيضا على رمز ثقافي راسخ، يتم تخريجه في طريقة تشكيل الأفكار وفي وسائل التعبير اللغوية التي تصل إلى جذور الوجود المستقل لمجموعة عرقية وثقافية معينة. ساهم اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية؛ الذي كان مكانًا لتوسع اللغة الروسية في كل من الجمهوريات الفيدرالية والدول التابعة في انتشار الثقافة الروسية. من المهم أن نلاحظ أنه في العديد من الحالات، اتخذ هذا الانتشار شكل الإدراج. فأصبحت الثقافة الروسية إلى جانب اللغة ثقافة العديد من المجموعات العرقية التي سمحت لها بالتطور وترك عزلتها القبلية. وبهذه الطريقة وسع " اللوغوس الروسي" نفوذه على تلك الجماعات العرقية والدينية التي اختلفت بشكل كبير في تقاليدها عن التقاليد السلافية لروس ـ كييف وروسيا. ترافق توسيع التأثيرات الثقافية الروسية زمن الاتحاد السوفيتي مع نمو النطاق الذي وصلت إليه قواعد الحياة والتنظيم الاجتماعي، فضلاً عن القيم النموذجية للتقاليد الروسية. ومع ذلك، يبدو أن هذا الجانب الأخير يمثل إشكالية بالنظر إلى الأيديولوجية الوطنية التي تم تبنيها غب الثورة البلشفية.
بوجه خاص، إن القواعد التي تميز روسيا عن الغرب، مثل أولوية المجتمع على الفرد، والتضحية بمصالح الفرد من أجل الصالح العام (المرتبط بالصالح الوطني)، وتقديس الدولة ومؤسساتها وزعيمها، لم يكن من الممكن تحقيقها بالكامل في الاتحاد السوفيتي؛ بالرغم من أن أيديولوجية الاتحاد السوفيتي حوت عناصر عبادة الشخصية وكذلك المسيحية العلمانية والغنوصية.
و نظرا لأن دوغين يعتبر أن لهذا التوسع جوانب متعددة مثل تحقيق المهمة التاريخية لروسيا، فإنه يحكم سلبا على النشطاء السياسيين السوفييت (ولاحقا الروس) الذين ساهموا في تقليص مجال النفوذ الروسي. فهو يحمل أقل قدر من الاحترام ل م. غورباتشوف/ M. S. Gorbachev و ب. يلتسين/ B.N. Yeltsin. لقد خانوا مبادئ مهمة روسيا من خلال السماح أولا بتطور الضعف الداخلي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ثم بالسماح باستقلال البلدان المنتمية إلى حلف وارسو. و أخيرا، سمحوا لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بالسقوط والجمهوريات الفيدرالية بتحقيق الدولة. وفي الوقت نفسه، فإن وجود دول مستقلة رسميا في فضاء ما بعد السوفيتي؛ تهدف إلى تقدير ثقافتها أو تقاليدها أو لغتها من خلال معارضة الثقافة واللغة الروسيين، يبدو أنه شكل من أشكال تدمير إنجازات الإمبراطورية الروسية والاتحاد السوفيتي؛ بقدر سيشعر معه نشر اللوغوس الروسي بالقلق. إنه ينبع من الفشل في فهم الطابع المنفصل للثقافة الروسية وكذلك من التبني الواعي للأنماط الغربية للتنظيم الاجتماعي والسياسي، حيث تسود الحقوق الفردية ويكون للمجتمع، بما في ذلك الدولة، قيمة نسبية.
2.2* التقييم المتناقض لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في إمبريالية دوغين الجديدة.
يكشف هذا التصور عن الاتحاد السوفيتي باعتباره مرحلة مهمة من تاريخ روسيا و رسالتها في السمات المميزة للإمبريالية الجديدة التي يمثلها دوغين وأنصاره. من ناحية؛ لا يوجد قبول قاطع للأيديولوجية الشيوعية. و من ناحية أخرى، يعتبر الاتحاد السوفيتي تجسيدًا تاريخيًا لروسيا كهيكل دولة، والأهم من ذلك أنه حامل لثقافة وتقاليد معينة، قادرة على نشرها، وإلى حد ما، الذود عنها من التأثيرات الأجنبية. و على الرغم من أن الأيديولوجية الشيوعية لم تكن نتيجة لتطور التقاليد الاجتماعية والثقافية لروسيا، إلا أنها كانت قوة مكنت الاتحاد السوفيتي من التأثير على مصير العالم.
يشير التاريخ الجامع لروسيا إلى أن كونها إمبراطورية هو حالتها الطبيعية والسليمة. "الحكم الإمبراطوري" الذي يشكل روسيا، و المعبر عنه في الاقتناع بعالمية الثقافة الروسية. حيث كان المفهوم الروسي للإنسان والتنظيم الاجتماعي أكثر أهمية بكثير من الوحدة العرقية أو الدينية. هذه القاعدة هي التي مكنت من توسع روسيا بغض النظر عن شكلها الحالي للحكم. هذا هو السبب الذي جعل دوغين يرى السياسة السوفيتية على أنها استمرار لتقاليد روس ـ كييف، والإمبراطورية الروسية، و روسيا. و يدعي أن التوسع الإقليمي والثقافي عنصران لا ينفصلان عن الهوية الروسية. و على الرغم من ملاحظة الجوانب السلبية في إنشاء وتنظيم وعمل الاتحاد السوفيتي، بأبعاده الجيوسياسية والتاريخية، فإن دوغين يعتقد أن الإمكانات الحضارية لروسيا قد تحققت في الدولة السوفيتية. و روسيا تستحق أن تحتل مكانة القوة العظمى؛ ليس فقط بسبب حجم أراضيها أو إمكاناتها العسكرية، ولكن أيضًا بسبب تراثها الثقافي الأوراسي الذي يمكن أن يغدو بمثابة أسس لمناهضة الغرب، الذي يحاول الهيمنة على بقية العالم.
و بالاعتراف بأهمية الاتحاد السوفيتي كمرحلة في مهمة روسيا في العالم، لاحظ دوغين الضعف في الدولة السوفيتية الذي ساهم في فشل المشروع البلشفي. هذا الوهن هو السبب الذي جعل الاتحاد السوفيتي غير قادر في النهاية على الدفاع عن نفسه ضد الضغط الغربي العسكري والسياسي والاقتصادي - والأهم من ذلك كله - الضغط الثقافي. يتجلى هذا الضعف أيضًا في حقيقة أن الاتحاد السوفيتي كان قائمًا على أيديولوجية غريبة عن "اللوغوس الروسي"، والتي كانت في الأساس غربية. هذه الأيديولوجية الغريبة دمرت الدولة والمجتمع السوفيتي من الداخل؛ مما تسبب في الأزمة الإيديولوجية في الثمانينيات، وأسهمت أخيرًا في السقوط والاستعمار الثقافي لروسيا ودول ما بعد الاتحاد السوفيتي الأخرى من قبل الغرب في التسعينيات .
2.3 * العوامل الأيديولوجية من بين أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي.
تحليل دوغين الوضع الدولي للاتحاد السوفيتي وسياسته الخارجية والداخلية وكذا أسسه الأيديولوجية؛ لا يستبعد قضية مسؤولية الغرب في سقوط الاتحاد السوفيتي، التي كثيرا ما يتم مناقشتها في الجدل الروسي المحافظ و المعاصر. من هذا المنظور، يُقال إن الدول الغربية (في فترة ما بين الحربين العالميتين؛ كانت بريطانيا العظمى وفرنسا، وبعد الحرب العالمية الثانية؛ غدت الولايات المتحدة وأعضاء آخرين في الناتو) تهدف إلى تدمير روسيا السوفيتية ثم الاتحاد السوفيتي لاحقًا منذ بداية الثورة البلشفية.
أشكال هذا النشاط كانت متعددة الاستخدامات وتعتمد على الظروف التاريخية. فبعد عدوان الرايخ الثالث على الاتحاد السوفيتي، طالبت المصلحة السياسية للغرب بتعليق الأعمال المناهضة للسوفييت لفترة قصيرة فقط، دعت فيها إلى تشكيل تحالف كبير مناهض للنازية. و على الرغم من تلك الفترات القصيرة من التعاون القسري أو على الأقل ذوبان الجليد في العلاقات المتبادلة، ظلت الأهداف الرئيسة للغرب دون تغيير. تم التعبير عنها في الحد من النفوذ السياسي لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية وممارسة الضغط العسكري. وبالتالي تكثيف سباق التسلح الذي أدى بدوره إلى تكثيف الاتحاد السوفيتي ودوله التابعة لجهودها الاقتصادية؛ وتجاوزت هذه الجهود قدراتها. إن شرح موقف الغرب تجاه الاتحاد السوفيتي، بناء على اتهام الولايات المتحدة بالتخطيط لتدمير الدولة السوفيتية، ليس مدخلا أصيلا لدوغين في التفكير في التاريخ الروسي المعاصر. و تماشيا مع بيان الرئيس بوتين المذكور أعلاه، فإن النهج المقدم للعلاقات بين الغرب والاتحاد السوفيتي هو المهيمن في الفكر الجيوسياسي الروسي الحالي. ومع ذلك، يوسع دوغين من تفسير أسباب سقوط الاتحاد السوفيتي والتأثير الغربي المعادي على الدولة السوفيتية من خلال لفت انتباهنا إلى العامل الأيديولوجي. حيث يشير إلى أنه بعد الثورة البلشفية تم تشكيل أسس الدولة السوفيتية بمساعدة الأيديولوجية الماركسية، التي كانت محصلة للمدرسة الغربية في الفكر؛ وترتبط ارتباطا وثيقا بممثل التحليل الاجتماعي والسياسي الغربي في القرن التاسع عشر/ 19م. كان الغرب في ذلك الوقت يمر بثورة صناعية، وبالتالي كان يعاني من العديد من المشاكل المتعلقة بها. هذا الانتقال للفكر الماركسي الغربي الأجنبي إلى روسيا، في وقت كانت تواجه السقوط السياسي للإمبراطورية الروسية مع المحاولات الخرقاء لإنشاء جمهورية في روسيا على غرار الجمهوريات الغربية في الفترة من فبراير إلى أكتوبر 1917، أضعف أسس المشروع البلشفي في البداية.
ما يمكن رؤيته هنا هو التناقضات الداخلية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. من ناحية، كما ذكر أعلاه، شكل الاتحاد السوفيتي كإمبراطورية مرحلة مهمة في إنجاز المهمة التاريخية لروسيا، والتي منحت "الحضارة الروسية" مكانتها الصحيحة في العلاقات الدولية . كما عبر الاتحاد السوفيتي عن طابع منفصل لهذه الثقافة من خلال كونه بلدًا يمتد عبر قارتين، وبالتالي غير قادر على التصنيف على أنه إما حضارة أوروبية أو إحدى الحضارات الآسيوية. ولكن من خلال إنشاء حضارته الفريدة، والتي كان جوهرها هو الحضارة الروسية. مهمة تاريخية. من ناحية أخرى، فإن اختيار الماركسية، التي كانت غريبة على الروح الروسية وفرضها العالم الغربي على الروس والجماعات العرقية الأخرى في الدولة السوفيتية، حرم الاتحاد السوفيتي من الأساس الأيديولوجي الراسخ - البديهية بشكل أساسي -. كل شيء يثبت استدامة روسيا كوحدة ثقافية وحضارية كان موضع تساؤل: "تحمل الله"، و "الفكرة الروسية"، و "اللوغوس الروسي"، والظروف السياسية الفريدة للأرثوذكسية الروسية إلى جانب الثقافة القائمة عليها.
ما يمكن رؤيته هنا هو التناقضات الداخلية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. من ناحية، كما ذكر أعلاه، شكل الاتحاد السوفيتي كإمبراطورية مرحلة مهمة في إنجاز المهمة التاريخية لروسيا، والتي منحت الحضارة الروسية مكانها الصحيح في العلاقات الدولية.
كما عبر الاتحاد السوفيتي عن شخصية منفصلة لهذه الثقافة من خلال كونه دولة امتدت عبر قارتين، وبالتالي، غير قادرة على تصنيفها على أنها إما أوروبية أو واحدة من الحضارات الآسيوية، ولكن من خلال خلق حضارتها الفريدة، التي كان جوهرها مهمة روسيا التاريخية . من ناحية أخرى، فإن اختيار الماركسية؛ التي كانت غريبة عن الروح الروسية؛ وفرضت على الروس والمجموعات العرقية الأخرى في الدولة السوفيتية من قبل العالم الغربي، حرم الاتحاد السوفيتي من الأساس الأيديولوجي القوي – بشكل أساسي–. فكل ما أثبت استدامة روسيا كوحدة ثقافية وحضارية كان موضع تساؤل: حمل الرب ، الفكرة الروسية ، اللوغوس الروسي ، والظروف السياسية الفريدة للأرثوذكسية الروسية؛ إلى جانب الثقافة القائمة عليها.
3.* الجوانب الرئيسة في الطابع الأجنبي للماركسية تجاه "اللوغوس الروسي".
يشير دوغين إلى ثلاثة عناصر رئيسية في الإيديولوجيا الماركسية، والتي تتعارض مع الهوية والرسالة الروسية، وقد ساهمت في فشل الاتحاد السوفيتي: مناهضة اللاهوت، المفهوم الغربي للإنسان، و عبادة التقدم.
3.1 * مناهضة اللاهوت مقابل حمل الرب
الماركسية، التي كانت من حيث المبدأ ملحدة وحتى معادية للدين، رفضت العنصر الديني كعامل إيجابي وخلاق يمكن أن يؤثر في مصير البشرية، و في جميع البلدان؛ على الخصوص منها، تلك البلدان القائمة على مجتمع ديني وفلسفة مرتبطة بالدين و القيم المشتركة. و مع ذلك؛ ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن روسيا؛ منذ أن عبر توسعها السياسي والثقافي حدود العالم السلافي الأرثوذكسي، توقفت بالتأكيد عن أن تكون عرقيًا ودينيًا موحدة.ومع ذلك، فعلى الرغم من التنوع الموجود، فقد حافظت على فكرة "حمل الرب" (3) (bogonosnost)، وهي سمة مميزة للأرثوذكسية الروسية.
ويعبر عن " حمل الرب"، من ناحية، في الاقتناع بالطابع المقدس للحياة الاجتماعية و السياسية، ومؤسسات الدولة، والقيادة على وجه الخصوص. مما يجعل الحد بشكل صارم من تقديس الفضاء المرتبط بالكنيسة أمرا مستحيلًا. وبالتالي، فإن الفكرة الغربية؛ فصل الكنيسة عن الدولة، الناشئة عن الإصلاح في القرن السادس عشر/16م؛ والتي عززتها ميول التنوير، غير مفهومة في التقاليد السياسية والدينية الروسية. ومع ذلك، فهذا يعني في الوقت ذاته أنه لا يمكن تمامًا حرمان الدولة من صلاحياتها في القضايا الدينية و صلتها بالكنيسة بشكل صارم. لأن الدولة نفسها ذات طابع مقدس. الجانب الآخر من "حمل الرب" الروسي هوهو حصر استعابه في التبشير. حيث يترتب على الاقتناع بالطابع المقدس للدولة أن هناك حاجة لمعارضة أي شكل من أشكال الضغط لجعل روسيا علمانية.
إن السعي إلى جعل روسيا واحدة من تلك البلدان التي يتم تنظيمها وفقا للحكم الغربي بواقعها العلماني والديني المستقل، والفصل بين الكنيسة والدولة يجب أن يعارض. يترتب على ذلك أن روسيا تعتبر فريدة من نوعها، وأنه تم اختيارها و لديها مهمة.
في سياق التقليد الديني الروسي النموذجي للمانوية، التي تعلن القتال بين الخير والشر، تصبح روسيا مركز الخير الإلهي، حيث ستقود روما الثالثة و الأخيرة المواجهة مع الشر الملحد/ الغرب . إن التعبير عن هذا الرأي حول مهمة روسيا هو مفهوم دوغين عن الكفاح الأبدي للأرض (عالم التقاليد والعدالة، المليء بنظام الإله، الذي تمثله روما في الماضي والآن روسيا) والبحر (عالم التقدم والظلم، المليء بالفوضى والهيمنة، الذي تمثله قرطاج في الماضي والآن الولايات المتحدة وحلفائها).
رفض الجانب الديني، وبالتالي، تقديس الدولة، الذي حدث في الماركسية، تم نقله ونسخه من قبل البلاشفة إلى روسيا. كان مصحوبا بتحول الأيديولوجية الماركسية مما يعني تفسيرها الصوفي أو شبه الديني، والذي ابتعد عن الفكر الأصلي الذي كان في الغالب موجها نحو الاقتصاد. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا التكيف، حرمت الماركسية مهمة روسيا التاريخية من أسسها ودمرت النظام الاجتماعي الديني المقدس السائد منذ قرون، والذي كان عاملا مساهما في استدامة روسيا وتطورها.
3.2 * الاشتراكية مقابل الشعور بالمجتمع.
صعوبة أخرى في الماركسية تتمثل في مفهوم الإنسان. على الرغم من أنه، من الناحية النظرية، يمكن للمرء أن يلاحظ أوجه تشابه كبيرة في هذا المجال بين الماركسية والتقاليد الاجتماعية الروسية كلاهما يؤكد على أسبقية المجتمع على الفرد، حتى فيما يتعلق بإنكار قيمة الفرد ما لم يكن من الممكن إثبات أنه مفيد للمجتمع. هذا المعنى عبر عنه المؤلف السوفييتي فلاديمير ف. ماجاكوفسكيج/Vladimir V. Majakovskij، الذي كتب في إحدى قصائده المكرسة للينين: "الفرد: من يحتاجه؟ […] الفرد هراء. الفرد لا شيء ”. بهذا المعنى، تتفق الأنثروبولوجيا الماركسية الجماعية مع المفهوم الأرثوذكسي للإنسان، والذي تم التأكيد عليه بشكل رئيسي في الأرثوذكسية الروسية، حيث قيمة الفرد لها جذورها في المجتمع. كما أنها تتفق مع أنثروبولوجيا دوغين التي ترى أن "الإنسان الحقيقي" هو المجتمع نفسه، وأي فردانية تؤكد على كرامة الفرد وحقوقه تعتبر تلوثًا غربيًا. ومع ذلك، على الرغم من أوجه التشابه هذه، التي ساهمت في التكيف السهل نسبيًا للماركسية في نسختها اللينينية مع الواقع الروسي، تظل الاختلافات الأنثروبولوجية مهمة.
بُنيت الاشتراكية الماركسية، التي طبقها البلاشفة، على مفهوم الصراع الطبقي، الذي يفترض بدوره تقسيم كل مجتمع إلى طبقات كأساس نظري له ويفسر الظواهر الاجتماعية بالإشارة إلى المصالح المتنافسة لكل مجموعة، دوغين،علاوة على ذلك، من خلال إجراء مثل هذا التحليل الاجتماعي للماركسية الطبقية لا يبقى محايدًا؛ إنه يقدم بوعي الطبقة العاملة كأفضل طبقة. في ظروف روسيا ما بعد الثورة، البلد الذي كان بالكاد صناعيًا ولم يكن لديه بالتالي بروليتاريا متطورة، كان لابد من تكييف الأفكار الماركسية بشكل كبير، مما يعني أن تم التأكيد على التحالف بين الطبقة العاملة والفلاحين. أثناء توسيع قاعدة الثورة في المجتمع السوفيتي بهذه الطريقة، لم تتم إزالة المشكلة الأساسية ـ من منظور الطابع الفريد للمجتمع الروسي. في هذا السياق، يبدو طرح دوغين التأريخي مثيرًا للاهتمام. إنه يعتقد أن انتصار الماركسية في روسيا الزراعية والتقليدية و الأوراسية، خلافًا لتوقعات ماركس نفسه، لا يمكن اعتباره مجرد صدفة تاريخية.
إن النموذج الروسي للمجتمع يجعل من المستحيل التمييز بين الطبقات المتنافسة المغلقة في الفهم الماركسي. على الرغم من وجود مجموعات اشتراكية في التقاليد الروسية، والتي يقارنها دوغين بالطوائف الهندوسية، فإن العلاقة بينهما لا تستند إلى الصراع، ولا يمكن اعتبارها مغلقة تمامًا أيضًا. علاوة على ذلك، فإن نقطة الارتكاز،و مصدر وحدة جميع الطبقات الاجتماعية في المجتمع الروسي التقليدي، هي القيادة التي تحمل سمات مقدسة، ولا سيما القادة أنفسهم. و في الوقت نفسه، فإن التقسيم الطبقي للمجتمع في الفهم الماركسي يتعدى إطار التقسيم القائم على الثروة المجمعة أو الأدوار الاجتماعية أو السلطة المفترضة أو نمط الحياة. كما أنه يمتلك محتوى أيديولوجيًا: تقييم الطبقات وإعطاء الأولوية الاجتماعية لأحدها، مما يؤدي إلى تقييد أو حتى القضاء على الآخرين (سواء بالمعنى السياسي والاقتصادي أو، في أكثر سنوات الاتحاد السوفيتي مأساوية، بمعنى إبادة جسدية.
يستبعد التحليل الماركسي إلى جانب السياسة الاجتماعية والاقتصادية مناقشة وحدة الأمة وهويتها ويجعل تقديس الدولة أمرًا مستحيلًا. وبالتالي، فإن البحث عن مهمة خاصة لشعب أمة معينة هو أمر عديم الهدف. بطريقة ما،لاحظت سلطات السوفيت هذه المشكلة وكيّفت الماركسية مع وضعها بالتخلي عن سياسة تروتسكي ومفهوم الثورة البروليتارية العالمية من أجل التأكيد على الدور الفريد الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد السوفيتي في الحرب ضد الرأسمالية العالمية والإمبريالية. ومع ذلك، لا يمكن القضاء على الصعوبات الناتجة عن التناقضات بين التحليل الاجتماعي الماركسي والتقاليد القومية والدولة الروسية، لأنها تنتمي إلى جوهر الأيديولوجية الماركسية.
3.3 * التقدم مقابل التقاليد
المجال الإشكالي الثالث، الذي يمكن فيه ملاحظة الطابع الغريب للماركسية فيما يتعلق بالتقاليد الاجتماعية و الثقافية الروسية، هو الصدام بين أيديولوجية التقدم الماركسية، التي لها جذورها في الفلسفة الهيغلية، وبالتالي تنبع من التقاليد الفكرية الغربية والتنوير الأوروبي، والتقليدانية الروسية، واضحة في المحافظة الاجتماعية أو الدينية أو الأخلاقية. هذه المسألة لها أهمية خاصة في تأريخ دوغين.
افترضت الماركسية حتمية التقدم، والتي لم تُفهم فقط على أنها تطور علمي وتقني ولكن أيضًا على أنها تغيير اجتماعي. ليس لمؤسسات وقواعد التنظيم الاجتماعي القائمة قيمة ثابتة ويجب رفض المحاولات المحافظة للحفاظ عليها، وأيضًا عن طريق التقديس الديني، باعتباره يتعارض مع روح التقدم. في ظروف الدولة السوفيتية، عبّرت عبادة التقدم الماركسية عن نفسها ليس فقط من خلال التصنيع، الذي يرغب دوغين في قبوله جزئيًا، ولكن أيضًا في التشكيك في أسلوب الحياة الروسي التقليدي والمعايير الأخلاقية؛ وهذا بدوره نتيجة للعدوان الثقافي الغربي على أسس الدولة والمجتمع الروسي.
نزعة التقدم، التي تم الترويج له في الاتحاد السوفيتي، عارضت النزعة المحافظة الروسية النموذجية التي تستند قواعد تنظيمها الاجتماعي إلى الإخلاص للنموذج الموروث عن الأجيال السابقة؛ و الذي يعتبر التغيير حقيقة سلبية، أو على الأقل غامضة. رفض "اللوغوس الروسي" التطلع الغربي للتغيير والإصلاح، لا سيما فيما يتعلق بالمجالات الحاسمة لهوية الأمة واستقرار الدولة، مثل الدين أو العادات أو القيم . هذا هو السبب في أن الإصلاحات التي أجراها بطرس الأكبر، والتي تهدف إلى جعل روسيا أوروبية (على وجه الدقة، كانت دوقية موسكو تسمى روسيا على عهد بطرس الأكبر)، يجب أن تُفرض بعنف من قبل القيصر وأنصاره،،كان لا بد من فرض تغييرات مماثلة بعد الثورة البلشفية في روسيا بالقوة لأنها وقفت في وجه كامل التقاليد الفكرية والروحية التي شكلت البلاد. كان رفض هذا التقليد، بما في ذلك "حمل الرب" المذكور أعلاه ووحدة المجتمع القومي، واضحًا في تعزيز الأممية، التي كان من المفترض، وفقًا للبلاشفة، أن تدمر الوحدة الثقافية الروسية القائمة على التراث الديني. من وجهة نظر دوغين، فإن محاولات بناء مجتمع جديد في الاتحاد السوفيتي على أسس الأيديولوجية الماركسية، و يتخلى تمامًا عن الأساليب القديمة باءت بالفشل. فخارج الواجهة الدعائية الماركسية، كانت الدولة والمجتمع في الغالب تقليديين للغاية.
في هذه الجوانب الثلاثة الآنفة الذكر يمكن للمرء أن يرى كيف ساهمت الأيديولوجية الماركسية، باعتبارها ثمرة الفكر الغربي، في تآكل المجتمع والدولة السوفيتية. حدث ذلك على الرغم من تكيفات الماركسية الآنفة الذكر مع الظروف الروسية، حيث أضعفت أفكارها الأكثر غرابةً من التقاليد الاجتماعية والثقافية الروسية. ساهم كل من الطابع الغريب للماركسية، وكذلك الفشل في تكييفها مع الظروف الروسية، في الأزمة الأيديولوجية للاتحاد السوفيتي، وتفكك المجتمع السوفيتي، وفي النهاية، في سقوط الدولة عينها.
4 * سقوط الاتحاد السوفيتي و أيديولوجية روسيا الاتحادية.
إن إشارة دوغين إلى تصريح الرئيس بوتين بشأن العواقب السلبية لسقوط الاتحاد السوفييتي، سواء بالنسبة للجمهوريات الفيدرالية، وكذلك نتائجه العالمية، و ستؤشر على ضعف الدولة السوفيتية. كما ستكشف عن العملية التي ستؤدي إلى تدمير تلك الدولة، و هي التي ستعمل كمؤشر على كيفية إنشاء الأسس الأيديولوجية لروسيا الاتحادية. يأتي تشجيع دوغين من سياسة الرئيس بوتين نفسه، و التي تهدف – كما تم التعليق عليها عديد المرات في المنشورات الصحفية والعلمية – إلى رفع روسيا من ركبتيها من خلال استعادة أهميتها السياسية وقوتها الاقتصادية والعسكرية، ولكن أكثر من ذلك من خلال توحيد روسيا أيديولوجيا في كيان متعدد الأعراق والأديان يتقاسم القيم الأخلاقية وكذلك وجهات النظر فيما يخص التنظيم الاجتماعي والدولة. و نظرًا لأن فشل الاتحاد السوفيتي في المواجهة مع الغرب؛ لم يكن له جوانب اقتصادية وسياسية فقط، ولكن أيضًا عواقب حضارية وثقافية أكبر بكثير. و سيتعين على الاتحاد الروسي، إذا كان يرغب في تحقيق المهمة الروسية في العالم، أن يتعلم درسًا من مصير الدولة السوفيتية. الذي هو أيضا درس إيديولوجي.
بناءً على التحليل الآنف للجوانب الأيديولوجية لسقوط الاتحاد السوفيتي، أثار دوغين ثلاثة مطالب رئيسية تتعلق بالإيديولوجية الوطنية للاتحاد الروسي.
أولاً، يجب رفض التأثيرات الثقافية والحضارية الأجنبية. هذا الرفض يجب أن يكون مصحوبًا بإخراج مؤيدي هذه التأثيرات من المجال العام. يصف دوغين مؤيديها بأنهم "كتاب الطابور الخامس" و "السادس" ." الطابور الخامس" الذي يفهمه على أنه المعارضة الحالية المؤيدة للغرب والمؤيدة للديمقراطية في روسيا والتي تعترض على نظام الحكومة ونظام العلاقات السياسية والتجارية، والتي تم إنشاؤها خلال فترة قيادة بوتين و ميدفيديف. ومع ذلك، تظل الحقيقة أنه في مواجهة الشعبية الهائلة للرئيس بوتين بين الروس، فإن هذه المعارضة ليس لها أي تأثير على الإطلاق في مستقبل الاتحاد الروسي، وبالتالي لا تشكل، من منظور دوغين، تهديدًا أيديولوجيًا. من ناحية أخرى، يعد " الطابور السادس" قضية أكثر خطورة بكثير بالنسبة لدوغين . يُفهم على أنه مجموعة من الأشخاص؛ يشغلون مناصب مهمة في هياكل السلطة في الاتحاد الروسي ويدعمون سياسة الرئيس بوتين. ومع ذلك، تأمل هذه المجموعة في تشكيل روسيا وفقًا للمعايير الغربية.
إذا كان دوغين يعتقد أن استخدام الفكر الغربي كأساس لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية كان سبب سقوطه، فإنه يعتقد أيضًا أن محاولات بناء الاتحاد الروسي على أساس الأنماط الغربية ستؤدي في النهاية إلى تدميره. ستفصل روسيا عن أسسها الثقافية، وفي البعد الداخلي ستؤدي إلى استعمار أيديولوجي غربي، بينما في البعد الدولي ستؤدي إلى تهميش روسيا .. لهذا السبب، فإن `` الطابور السادس وأنصار تحديث روسيا، والمشفرين من الغربيين، يشكلون بالخصوص خطرا على مهمة روسيا أو على وجودها حتى، وبالتالي، يجب محاربتهم بلا رحمة.
ثانيًا، يطالب دوغين بأن تستند الأيديولوجية الوطنية للاتحاد الروسي إلى الأنماط والقيم التي تحدد التقاليد الروسية، مما يجعلها فريدة بين الثقافات الأوروبية والآسيوية؛ إن هذا التفرد يبرر مفهوم "الحضارة الروسية" المنفصلة. كما يجب رفض المفهوم الغربي للإنسان، وخاصة حقوق الإنسان والعلاقة بين الفرد والمجتمع. من ناحية أخرى، يجب تعزيز الأخلاق و الأنثروبولوجيا القائمة على أولوية الشعب، المجتمع والدولة، والاعتراف بقيمة كل شخص اعتمادًا على الطريقة التي يساهم بها في تنمية المجتمع. لا ينبغي هنا تجاهل البعد المقدس للدولة، ولا سيما السلطات، لأنها نتيجة لتأثير الأرثوذكسية على التقاليد الاجتماعية السياسية الروسية. ومع ذلك، يلاحظ دوغين التنوع العرقي والديني لروسيا، وعلى الرغم من أنه مستوحى من الأرثوذكسية نفسه، إلا أنه لا يطرح مطلب فرضها كدين للدولة. بل إنه يعتبر أن المبالغة في تقدير أهمية الثقافة الأرثوذكسية والهوية العرقية الروسية يمكن أن يؤدي إلى سقوط الاتحاد الروسي بسبب الجماعات العرقية والدينية الفردية التي ترغب في التحرر. روسيا ليست دولة قومية بالمعنى الأوروبي للمصطلح، لكنها إمبراطورية تتعدى التنوع العرقي والديني ومع ذلك، يرى دوغين الأرثوذكسية كأساس لإيديولوجية الإمبراطورية في الدولة الروسية . هذه القناعة تثير المطالبة بأن الغرب، بصفته العدو الرئيسي والوجودي لروسيا، ينبغي اعتباره عنصرًا ثابتًا في نظام القيم الروسي، حيث يحدد تصرفات الدولة وكذلك طريقة تفكير كل مواطن. مناهضة الغرب هاته؛ يجب أن تصبح واحدة من أعمدة الأيديولوجية الروسية الجديدة للدولة .
ثالثا، وفقا لدوغين، يجب أن يكون الاستنتاج الضروري المستخلص من سقوط الاتحاد السوفيتي حتمية للاتحاد الروسي للتوسع. على عكس التوسع المشوه للغرب، والذي يعبر عنه بالعدوان الثقافي والسياسي والاقتصادي، الهادف إلى السيطرة على العالم من لدن الولايات المتحدة وحلفائها. توسع روسيا؛ يجب أن يكون من نوع مختلف، يتماشى مع تقاليد روسيا ورسالتها التاريخية. و فيما يتعلق بدول ما بعد الاتحاد السوفيتي وسكانها الناطقين بالروسية، يجب أن يركز هذا التوسع على الإجراءات التي تهدف إلى إعادة دمج منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي سياسيا وثقافيا واقتصاديا من أجل بناء الوحدة الاجتماعية والثقافية، والتي توصف في النقاش الروسي المعاصر بأنها العالم الروسي . و يرى دوغين أن استخدام وسائل الضغط العسكرية والاقتصادية في هذه المهمة له ما يبرره تماما، خاصة فيما يتعلق بتلك البلدان، مثل أوكرانيا ما بعد الميدان؛ و التي تريد قطع علاقاتها مع روسيا ورؤية مستقبلها مبنيا على النموذج الغربي. و من ناحية أخرى، عندما يتعلق الأمر بالدول التي لا تنتمي إلى الكتلة الغربية، يرى دوغين أن في توسع روسيا مهمة لتوحيدها حول فكرة عالم متعدد الأقطاب لمعارضة هيمنة الولايات المتحدة. يشكل دور روسيا كمركز للمقاومة العالمية ضد الغرب أحد العناصر الرئيسية لمهمتها التاريخية؛ المهمة التي تمتد إلى ما وراء حدود الاتحاد الروسي أو منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي.
5 * الاستنتاجات
على الرغم من حقيقة أن العديد من تصريحات دوغين مثيرة للجدل، يمكن للمرء أن يلاحظ أن تشخيصه للجوانب الأيديولوجية لسقوط الاتحاد السوفيتي دقيق في معظمه. إنه لا يتجاهل حقيقة أن الدولة السوفيتية كانت مزيجًا أيديولوجيًا بذلت فيه محاولات للجمع بين الرؤية التاريخية الماركسية والتحليل الاجتماعي مع الثقافة والتقاليد وأنماط التنظيم الاجتماعي الروسية. تبين أن هذه الفكرة كانت فاشلة: فقد سقط الاتحاد السوفيتي، وكان المجتمع الروسي يكافح منذ ذلك الحين أزمة أكسيولوجية - أو حتى هوية - كبيرة. يستخدم دوغين التفكير في فشل الاتحاد السوفيتي في الإشارة إلى العناصر الضرورية، في رأيه، لإيديولوجية الدولة في الاتحاد الروسي لإنجاز المهمة التاريخية لروسيا. على الرغم من أن الرئيس بوتين لا يشارك رسميًا وجهات النظر الأكثر راديكالية المعادية للغرب لدوغين ودوائره المقربة من الإمبرياليين الجدد، لا يسع المرء إلا أن يلاحظ أن بعض جوانب السياسة الرسمية للدولة تتفق مع آراء دوغين.
في سياق العلاقات المتوترة الحالية بين روسيا والغرب، هناك نقص في الفهم في الدول الغربية للإجراءات التي يقوم بها الاتحاد الروسي: معاداة الغرب، والإمبريالية، وإعادة التفسير الأداتي والزائف للحرب العالمية الثانية، و سهولة اتخاذ القرارات بشأن العدوان العسكري. غالبًا ما يُثار الجدل حول استحالة فهم روسيا في هذا السياق، وفقًا لتصريح فيودور تيوتشيف/Fyodor Tyutchev الشهير: "لا يمكن فهم روسيا بالعقل وحده". مثل هذا التفسير، مع ذلك، لن يكون صحيحا. يوضح فشل الاتحاد السوفيتي، الذي كان محاولة لتنفيذ الفكر السياسي والاقتصادي الغربي النموذجي الماركسي، أنه يمكن فهم روسيا تحت شرط واحد - لا ينبغي للمرء أن يحاول رؤيتها كدولة غربية أو كديمقراطية النموذج الغربي. فتحت واجهة الهياكل والآليات الديمقراطية، هناك المجتمع الذي شكله عاملان: الأرثوذكسية البيزنطية والثقافة الآسيوية. و القيم الغربية مثل كرامة الإنسان، والحق في تعريف الذات، وأهمية الفرد في المجتمع تعتبر هامشية أو غير ذات قيم حتى، في المجتمع الروسي.
تكشف مهمة الاتحاد السوفيتي وسقوطه في فكر دوغين عن تفرد روسيا، الذي يقوم على تفوق المجتمع (الدولة) على الفرد، وعلى إخضاع مصالح المواطنين لمصالح السلطات، وعلى عبادة التقاليد. بهذا المعنى، فإن تفكير دوغين، حتى في أكثر جوانبه إثارة للجدل، يبدو بالغ الأهمية لفهم الاتحاد الروسي المعاصر بشكل صحيح؛ وكذا أسباب ونتائج العلاقات المتوترة بين روسيا والغرب.
-----------------
(1) نص الدراسة في لغتها الأصلية بالرابط:
https://kirj.ee/public/trames_pdf/2019/issue_3/Trames-3-2019-309-322.pdf
(2) في البال: الترجمة رهن بغرض الإحاطة علما؛ لا بنية تبني الفحوى. المترجم.
(3) للتوسع في هذا المفهوم؛ المرجو تقصي هذا الرابط.
https://azbyka.ru/days/sv-ignatij-bogonosec

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر