المناصرون لحزب الله والبحث عن بطل

محمد فُتوح
2022 / 3 / 31

-------------------------------------------------
مع بداية الحرب التى شنتها إسرائيل على لبنان ، طالعتنا الكثير من صحف المعارضة والعديد من الصحف الحكومية ، بعناوين تغدق فى المديح وتبالغ فى إضفاء صفات الشجاعة النادرة والقدرة على الاقتحام والمبادرة بالهجوم ، وتعلى من مكانة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ، فبعضها يصفه بجمال عبدالناصر الذى أيقظ الأمة فبدل حالها من حالة الثبات العميق بالاستسلام والخضوع ، إلى حالة المقاومة والتأر للكرامة العربية المهدرة.
وصحيفة أخرى تصفه بأنه " رجل فى زمن الأنوثة " ، وهو عنوان يعبر عن تغلغل وهيمنة الفكر الذكورى ، وسيادة وتمكن الازدواجية الفكرية والأخلاقية فى عقول أناس ، يفترض أنهم يناضلون من أجل خلق قيم تدعو إلى العدل والحرية والمساواة.
إن هذا العنوان يوحى بأن الأنوثة عار وخضوع واستسلام وانهزام . أما الرجولة فهى شجاعة ومبادرة وهجوم واقتحام . إن أغلب الشارع العربى يتبنى هذه الصفات وتلك الروح المساندة لحزب الله ، فتتعالى صيحات الغضب والسخط على إسرائيل ، بالصراخ فى أذن السيد حسن نصر الله " يا نصر الله يا حبيب ... اضرب اضرب فى تل أبيب ".
إن كثير من الأصوات المؤيدة والمساندة لخطوة حسن نصر الله فى أسر الجنديين الإسرائيليين ، وما تبع ذلك من طرق أبواب الحرب ، لا شك أن لديها إحساساً وطنياً ورغبة جارفة وتشوق وشغف ، للإمساك بلحظة تتوق فيها إلى لذة النصر ، بعد هذا العقم الذى طال مداه . إن حسن نصر الله يمثل لديهم المخلص من حالة الذل والاستكانة التى يتنفسها العرب من المحيط إلى الخليج مع كل صباح ومساء ، ومن هنا كان احتضانهم واحتفائهم به ، حيث يجسد لهم صورة البطل الذى يحلمون به بعد غياب.
إن حالة " اللافعل " التى يعيشها العرب ن قد صبغت هذه الأصوات بألوان من العجز والشلل، مما أصابها بالإحباطات المتتالية ، لما آلت إليه الأوضاع العربية من الضعف وعدم القدرة على امتلاك الأدوات الضاغطة على إسرائيل . بسبب تخاذل الحكومات العربية ، تحولت الشعوب العربية إلى أصفار لا قيمة لها ، فهى لا تملك من إرادتها شيئاً نظراً لسيادة المناخ غير الديمقراطى ، وتردى الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية وتراجع مناخ الحرية . ، هناك حالة تعطش إلى مخلص ومنقذ يخلعون عليه صفات البطولة والشجاعة والإقدام . لقد تلبستهم حالة ضاغطة من الاحتياج النفسى ، إلى بطل يأتى إليهم حتى ولو من زمان الأساطير لينقذهم ، ويعبر بهم تلك الهوة السحيقة بين الهزيمة والنصر، بين المهانة وطاطأة الرؤوس إلى الكرامة واستنهاض الشموخ .
وبالرغم مما نتج عن هذه الحرب من اشعا نار جهنم ، وإحراق وتدمير الممتلكات وحصد الأبرياء من البنانيين وتشريدهم ، والإتيان على الأخضر واليابس ، فلم ينظر هؤلاء المؤيدون لحسن نصر الله إلى هذه الخسائر، إلا على أنها الضريبة التى لابد من دفعها من أجل النضال والكفاح لتطهير الوطن من الطامعين . ، لقد أخذتهم نشوة التماهى فى شخصية البطل الذى مثله حسن نصر الله ، بغض النظر عن أى خسائر مادية أو بشرية .
لم يطرأ على أذهانهم المقارنة الفادحة بين خسائر كل من الطرفين ، أخذتهم فرحة العثور على بطل ، فنظروا إلى البلد الذى هدم فوق رؤوس أصحابه ، بأنه ثمن للشرف الذى ضاع ، وضريبة المقاومة التى لا مناص من دفعها.
إن بعض التيارات السياسية فى لبنان تعارض سياسة حزب الله ، وهى الآن فى مأزق حرج سببه لها حسن نصر الله ، الذى يشن الحرب بالوكالة مدفوعاً من إيران وسوريا ، أخذاً القرارات المصيرية بمفرده . إن هذه التيارات لا تعلن عن غضبها وسخطها مما فعله حزب الله درءاً للفتنة والاختلافات الطائفية ، وتنتظر انتهاء الحرب لكى تعبر عن رأيها الصريح حيث تأتى ساعة الحساب.
إن كثيرا من الأصوات المؤيدة لحزب الله ، تصف المعارضين لما فعله حسن نصر الله ، بالخيانة وعدم الوطنية والترويج للتطبيع مع إسرائيل.
لقد استنكرت بعض الحكومات العربية ما فعله حسن نصر الله ، فنعتتها هذه الأصوات بمساندة الهجوم الإسرائيلى على لبنان . لقد صرح مواطنون لبنانيون فى الأيام الأولى من الحرب ، أن نصر الله وسياسته سيتسببان فى دمار لبنان ، فهل هؤلاء خونة وغير وطنيين ؟؟.
نعم لقد ساهم من قبل حزب الله وأمينه العام فى انسحاب إسرائيل من لبنان ، وهذا يحسب له . ولكن ما أقدم عليه أخيراً من أسر الجنديين الإسرائيليين ، لم يكن أمرا مقبولا وموفقاً ، وخاصة من حيث التوقيت . فالنار كانت مشتعلة لأسر المقاومة الفلسطينية لأحد الجنود الإسرائيليين ، وكانت إسرائيل تشن هجوماً ضارباً على المقاومة ، وتتحفز لأى عمل عسكرى ضدها ، لقد سكب حسن نصر الله الزيت على النار، فى وقت كان فيه الموقف مشتعلاً وبحاجة إلى التهدئة وليس الى التصعيد.
لقد فعل نصر الله مثل قادة المقاومة الفلسطينية ، يطلقون صاروخاً فيقتل اثنين أو ثلاثة، فترد إسرائيل بقتل العشرات وتدمير مئات المنازل على رؤوس الأبرياء.
سيناريو مكرر لآلاف المرات ، وكل منهما لا يعى الدرس. ولكن الخسارة الفادحة فى كل مرة تكون من نصيب الفلسطينيين ، وهذه المرة كانت من نصيب شعب لبنان وعلى يد حسن نصر الله.
لابد من " عقلنة المقاومة " – إن صح هذا التعبير – فهناك فرق كبير بين الشجاعة والتهور ، وهذا ما أعتقد أن حسن نصر الله لم يضعه فى الحسبان ، وهذه كارثة وخطأ فادح . فأعمار الناس أطفال ونساء وشيوخ ومن كل الأعمار ، لا تروح هدرا هكذا بأفعال فردية متهورة ، وقرارات شخصية ، تلبس فى الظاهر – عن سلامة نية – ثوب المقاومة والجهاد وحماية اللبنانيين وتحرير الأسرى ، وفى الباطن يحمل الدمار والتشريد والقتال بالجملة.
ألم يعرف حسن نصر الله أن إسرائيل تتنمر لاغتنام أى فرصة للانقضاض على الفريسة ، وأنه قدم لها سبباً سحرياً لإشعال الحرب واغتيال وافتراس لبنان ؟. ، ألم يشاهد السيناريوهات المكررة لردود أفعال إسرائيل على المقاومة الفلسطنية ؟. هل كان نصر الله يعتقد أنه سيحقق نصراً مبيناً على إسرائيل ، التى تمتلك أقوى قوة ضاربة فى المنطقة العربية ؟. إن ميزان القوى يرجح كفة إسرائيل، لذا كان يجب التعامل مع هذه القوة بحذر ، هذا هو منطق العقل الذى يزن الأمور ولا ينساق وراء الدوافع العاطفية والوجدانية التى تعمى العقل وتغيبه.
إن أى قرار ناجح يحتاج إلى حسابات دقيقة وتقديرات محسوبة تتوقع المكسب وتتجنب الخسارة . فما بالنا بقرارات المقاومة أو الحرب والهجوم على العدو. إن فشل أى خطوة يتسبب فى تكبد خسائر بشرية ومادية ، تؤثر على قدرة المقاومة وفاعليتها. ولكى تنجح المقاومة لابد من أن يدرك قادتها متى تبادر بالهجوم ومتى تتوقف ، متى تحارب ومتى تتفاوض ، متى تشعل الأمور ومتى تهدئها .
إن الخطأ الجسيم الذى وقع فيه نصر الله ، هو أنه لم يدرك رد الفعل الكاسح والهمجى لإسرائيل والتى كان ثمنه تدمير لبنان. إن ما فعله حسن نصر الله لا يندرج تحت أى نوع من أنواع الشجاعة ن بل هو التهور بعينه . ودمار لبنان هو الشاهد الوحيد على هذا التهور. هذه هى الحقيقة دون تجميل أو مواربة.
ومع فداحة التدمير وعدم قدرة حزب الله على الوقوف أمام هذه القوة العاتية وخاصة إذا طال أمد الحرب ، فمازالت الصحف ومع كل صباح ، تطالعنا بأكليشيهات تخلع صفات البطولة والإقدام والشجاعة على حزب الله ، وأمينه العام السيد حسن نصر الله ، ومازال الأغلبية يرددون : " يا نصر الله يا حبيب اضرب اضرب فى تل أبيب ".
من كتاب " أمركة العالم .. أسلمة العالم منْ الضحية ؟ " 2007
----------------------------------

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار