الجدلُ الدولي حول التدخُّل العسكري الروسي في أوكرانيا وموقف سورية

عبد الحميد فجر سلوم
2022 / 3 / 31

ليس هدفُ هذا المقال هو النقد وإنما التحليل والمقارنَة والاستفسار..
هناك اليوم عملية عسكرية روسية في أوكرانيا اعتبرها الغرب، ومعهُ غالبية دول العالم، احتلالا، بينما تُجادِلُ موسكو أنّ هذا حقها الطبيعي، وتؤيِّدُ موقفها هذه بضعةُ دولٍ، وتستند في ذلك إلى ثلاثة عوامل:
الأول هو الحق التاريخي.. والثاني هو حماية المُكونات المنحدِرة من عروقٍ روسية.. والثالث هو الدفاع عن أمنها القومي..
**
بالنسبة للعامل الأول، هناك من يُجادلون أن هذا السبب قد يفتح الباب أمام العالم كلهُ للفوضى والصدام والحروب.. فبعد الحرب العالمية الثانية تشكلت في أوروبا حدودٌ بين الدول ومُعترفٌ بها دوليا، وإعادة تشكيل حدود هذه الدول مُجدّدا سينجمُ عنهُ كوارثٌ فظيعة من الحروب والنزوح واللجوء والموت والدمار..
وحتى في زمن الاتحاد السوفييتي كان لكلِّ جمهوريةٍ من دولهِ حدودها المعروفة داخل الاتحاد، وبعد التفكُّك بات كلٍّ منها دولة مستقلة ذات سيادة وعضوا في الأمم المتحدة، وحافظت على ذات الحدود..
هذا ليس فقط في القارة الأوروبية، بل في كل قارات العالم، هناك حدودٌ رُسِمت بعد مرحلة الاستعمار الغربي، في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، وإعادة فتحِ هذه الملفات يعني قيام حروبٍ في كل أرجاء العالم..
بل في بلاد الشام والعراق، تم تقسيم الأراضي ورسمِ الحدود بين الدول عام 1916 بالمسطَرَة على الورَق بين الفرنسي والبريطاني والروسي القيصري(أي في أيام روسيا القيصرية فقد كانت شريكة بالتقسيم) وإعادة فتحِ هذه الملف عن طريق استخدام القوة العسكرية، يعني الحروب التي لن تنتهي بين الدول..
في لبنان ثلاث محافظات تابعة لسورية ضمّتها فرنسا للبنان.. ورئيس العراق السابق ضمّ الكويت بالقوة تحت عنوان الحق التاريخي.. وإسرائيل احتلت كل فلسطين بذريعةِ الحق التاريخي..والمغرب يتحدّثُ عن الحق التاريخي في الصحراء الغربية مما أدّى إلى التوتر الشديد مع الجزائر..
فالحق التاريخي كلمة فضفاضة جدا، وكلٍّ يفسرها ويستخدمها حسبما تقتضي مصالحهِ..
في أفريقيا رُسِمت الحدود بالمسطرة أيضا بين الدول، وإعادةُ فتحِ هذا الموضوع يعني حروبٌ لا تنتهي في القارة.. ولذلك كان الاتفاق بينهم أن يعترف الجميع بالحدود الموروثة عن الاستعمار، ولا يدّعي أحدٌ الحق بأراضٍ في دولةٍ أخرى..
**
وأما بالنسبة لحماية المكونات المنتمية لقوميات أو أعراقٍ أخرى من طرفِ هذه الدولة أو تلك خارج بُلدانها، فهناك أيضا من يجادلون أن هذا أمرٌ يُثيرُ مشاكل كبيرة بين الدول ويُقوِّضُ استقلالها..
فتركيا احتلّت شمال قبرص تحت ذريعة حماية المُكوِّن التركي، وتقسّمت قبرص..
وكذلك تدخلت في سورية، وأعلنَ كِبار مسؤوليها أنّ من حقهم حماية المُكوِّن التركي في سورية، وأثارَت فيهم حكومة أردوغان العصبية القومية، وقامت في كانون أول 2012 بتأسيس المجلس التركماني لِتركمان سورية في مدينة اسطنبول بهدفِ خلْقِ جسم تنظيمي لهم وهيكلية تنظيمية.. وفي آذار 2013 أصبحَ اسمهُ ” المجلس التركماني السوري”، ولهم مناصب قيادية مهمة في هياكل المُعارَضَة، بدعمٍ من تركيا..
وفي تشرين أول 2019 نظَّم ” المجلس التركماني السوري” برعايةٍ تركيةٍ مباشرةٍ، مؤتمراً للتركمان في بلدة ” الراعي” الحدودية شمال حلبْ، بعد أن تغيّر اسمها العربي لِتِصبِح ” جوبان باي” .. وأطلقتْ تركيا على المؤتمر اسم ” مؤتمر الأمّة” .. وتمّ خلالهُ الاتفاق على اعتماد “عَلَمْ” واحد للمجلس التركماني السوري، الذي يضمُّ أحزابا متعددة..
إذاً بات للتركمان السوريين الموالين لتركيا علَمَهم الخاص، وباتوا يعتبِرون أنفسهم أمّة بحدِّ ذاتهم..فهل هذا من حقهم؟.
ولجأت تركيا إلى سياسة تتريك كل المناطق التي احتلتها، واتّخذت قرارات تمنعُ على أيِّ مُدرِّسٍ التدريس في الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس في مناطق الاحتلال التركي، ما لم يكُن مُتقِنا للغة التركية، كي يكون كلُّ شيءٍ تُركيا: التدريس، المناهج، المدارس، الجامعات، أسماء المُدُن والقُرى والشوارع والساحات، الثقافة، التاريخ، العُملة .. الخ.. ورفعِ العلَم التركي، ونشرِ بطاقات الهوية التركية بين السكان، ودفعِ الرواتب بالليرة التركية، وربطِ كل شيء بتركيا، حتى غدَت هذه المناطق تُعامَل كما أي منطقة أو ولاية بداخل تركيا.
بل الحكومة التركية تدّعي أن هناك العديد من المناطق والقُرى السورية في محافظتي حلب وإدلب تعود ملكيتها لعائلة السُلطان عبد الحميد الثاني، وهذا يعني أنها أراضٍ تركية، وفُرصَتها الذهبية اليوم بالسيطرة عليها، وضمِّها مع الزمن لتركيا، سواء بشكلٍ رسمي أو بِحُكم الأمر الواقع.. ولذلك لجأت إلى تحويل منزل في منطقة عفرين إلى متحف بحجّة أن مصطفى كمال أتاتورك استخدمهُ كقاعدة خلال الحرب العالمية الأولى..
**
وهناك من يُجادلُ أنه في الولايات المتحدة يبلغ عدد المهاجرين الصينيين أكثر من 4% من عدد المهاجرين في العالم، ويُقدَّر عددهم في ولاية كاليفورنيا بـ 490 ألف، وفي مدينة نيويورك بـ 340 ألف، وهذا حسبَ تقارير عام 2009 ..
وفي مدينة نيويورك هناكَ حيٌّ بالكامل يُسمّى "المدينة الصينية CHINA TOWN وفيهِ أرقى المطاعم وأشهى المأكولات الصينية، وهو مقصدُ الجميع في عطلة نهاية الأسبوع، وكنتُ شخصيا أهوى الطعام الصيني في تلك المطاعم.. فهل يحقُّ للصين الحديث عن حماية الصينيين المُنحدرين من أصولٍ صينيةٍ في الولايات المتحدة؟.
وهذا ينسحبُ على كافة الدول..
**
أما مسألة الحديث عن حماية الأمن القومي بالدخولِ لأراضي دولةٍ أخرى أو ممارسة العمليات العسكرية فوق أراضيها، فهذا ما تقومُ به إسرائيل في سورية.. وكذلك تركيا تتذرّع بحماية أمنها القومي في احتلالها للشمال السوري..
هذا إذا ما جادَلنا أنه في هذا الزمن فإن الصواريخ الباليستية يُمكن أن تهدد الأمن القومي لأيِّ بلدٍ على مسافات آلاف الكيلومترات.. وليس مئات فقط.. وهاهي صواريخُ الحوثيين في اليمن تُهدِّدُ أمنَ الإمارات على بعد حوالي ألف كيلو متر.. وتضرب صواريخهُ في السعودية على بُعدِ حوالي ألف كيلو متر أيضا..
والصواريخ الأمريكية في 2003 لدى غزو العراق، كانت تقصف من البحر الأحمر على مسافة ألف كيلو متر.. والصواريخ الروسية كانت تنطلقُ من البحر الأسود وتعبرُ الأجواء الإيرانية وتقصفُ أهدافا في سورية على بُعد ألف كيلو متر..
**
الموقف الرسمي في سورية جاء داعما بشكلٍ كبيرٍ للموقف الروسي، ومُتميِّزا عن كافة مواقف الدول الأخرى، إذا ما استثنينا بيلاروسيا، وأُطلِقَ تحت شعار(رد الجميل)وهنا يُمكنُ التوقف قليلا وطرحُ بعض الأسئلة ( وأكرِّر ليس من باب النقد وإنما من باب الاستفسار والتحليل) ..
هل يُمكن للاعتراف باستقلال إقليمي دونيتسك ولوغانسك عن أوكرانيا الأُم، أن يُعطي المُبرِّر لتركيا لتفعل ذات الأمر في شمال سورية؟. وهل يُمكن أن يُعطي المُبرِّر لمنطقة الحُكم الذاتي الكُردية بإعلان الاستقلال؟. أو أن يُعطي المُبرِر لأمريكا وغيرها بدعمِ هذا الاستقلال، إذا ما أُعلِن (والذي سيكون انفصال)؟.
وهل يمكنُ لهُ أيضا أن يُعطي المُبرِّر لدول العالم بالاعتراف لإسرائيل في ضمِّ الجولان؟.
**
أعتقدُ كل هذه الأسئلة مشروعٌ طرحها.. وأقترحُ إقامةُ ندوةٍ حواريةٍ كبيرةٍ مفتوحةٍ من النُخب الدبلوماسية والسياسية والقانونية والتاريخية، بحضور وزير الخارجية أو نائبهِ وكِبار مستشاري الدولة الإعلاميين والسياسيين، وعلى الهواء مباشرة، ومشاركة المُثقفين عبر الهاتف، وتتفرّعُ محاورها لتشمل:
أولا: التساؤلات الواردة أعلاهُ..
ثانيا: معنى الاحتلال بالقانون الدولي.. وكيف تمّ تعريفهُ في المادّة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 ؟.
ثالثا: الفرق بين الاحتلال والاستعمار والغزو والفتح والاجتياح والاغتصاب.. الخ..
ثالثا: أشكال الاستعمار في الماضي والحاضر..
رابعا: هل كان التواجُد العثماني في بلادنا 400 سنة هو استعمارٌ كما يُجادِلُ البعض(وأنا منهم) أم امتدادٌ للخلافات الإسلامية كما يجادلُ البعض الآخر؟.. وهل الفتوحات الإسلامية كانت تختلف عن الاحتلالات الأخرى؟..
مفيدٌ جدا نقاش كل هذه المحاوِر وتنوير الرأي العام، والإصغاء لكافة الآراء ووجهات النظر، والحديثُ بشفافيةٍ وصراحةٍ وموضوعيةٍ ومسؤوليةٍ وعقلانيةٍ ودون مُجاملاتٍ ودون تشكيكٍ بالنوايا، ويجبُ تقبُّل وجهات النظر الأخرى مهما كانت مُختلِفة، فالاختلاف بوجهات النظر طبيعي جدا طالما الجميع يتحدّثُ من دافع الغيرة والحرص الوطني.. لاسيما أن إسرائيل تحتلُّ جزءا من أراضينا.. وتركيا تحتلُّ جزءا أيضا..والولايات المتحدة تحتلُّ أجزاء وتقيم عليها القواعد العسكرية..
**
ونلحظُ اليوم تحركات أمريكية جديدةٍ في شمال شرق سورية ويُعتقَد أنها تأتي في إطار الصراع في أوكرانيا والمُكايدات لروسيا وداعميها، إذ قام وفدٌ أمريكيٌ كبيرٌ يوم 16 آذار 2022 بزيارةٍ لِما يُعرفُ بقائد قوات سورية الديمقراطية في مقرِّهِ بالقامشلي، وضمّ الوفد نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية إيثن غولدريتش، ونائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون العراق جينفير جافيتو، ومديرة ملف سوريا والعراق في مجلس الأمن القومي زهرة بيل، وممثل الخارجية الأمريكية في شمال وشرق سوريا ماثيو بيرل، وهذا تعزيزٌ للدعم الأمريكي لقوات سورية الديمقراطية..
ــ كما تردّدت تأكيدات كثيرة عن توجُّه واشنطن لِرفعِ عقوبات قانون قيصرعن منطقة الحكم الذاتي الكردية وتمكين الكيانات أو الشركات الأجنبية بالقيام بالنشاط والاستثمارات في تلك المناطق، لاسيما بالبنية التحتية..
ــ وفي مشروع الموازنة للعام 2023 الذي قدّمهُ الرئيس بايدن للكونغرس يوم الاثنين 28 آذار 2022 تمّ تخصيص مبلغ 542 مليون دولار من ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لبرنامج ( تدريب وتجهيز) الجيش العراقي، وقوات سورية الديمقراطية..
وكانت الإدارة الأميركية قد خصصت 500 مليون دولار لبرنامج التدريب والتجهيز هذا، في السنة المالية 2022، منها 177 مليون دولار لدعم قوات سورية الديمقراطية..
كل هذه مؤشرات غير مريحة لِما تُخطِّط له الولايات المتحدة في شمال شرق سورية ومُكايدةُ روسيا في سورية..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق