لقاء الأجنة المهاجرة مع الأرحام

محمد حسين الداغستاني
2022 / 3 / 28

العودة الى الجذور

أينما يولد القفقاسي في أرجاء الأرض فإنه يفتح عينيه حاملاََ بين جنباته حباََ آسراََ لأرض اجداده في قفقاسيا، أولئك الذين هجّروا أو هاجروا منها مرغمين او طائعين، خلال الحروب الطاحنة ضد القياصرة على إمتداد القرن التاسع عشر الميلادي دفاعاََ عن الدين والحرية والكرامة، باحثين آنذاك عن ملاذ آمن يقيهم واجيالهم اللاحقة من الظلم والاستبداد والابادة.
لذلك ليس غريبا ان يجيبك طفل صغير اذا سألته عن هويته القومية فيرد عليك قائلاََ داغستاني أو شيشاني او شركسي مع أنه - وربما والده ايضاََ - لم يسبق لهم زيارة تلك البلاد البعيدة . فما سر هذا العشق المتوارث جيلاََ بعد جيل لتلك الجبال الشاهقة والمياه الهادرة والمراعي الخضراء الممتدة على مدى البصر، والتي تحرق القلب حنيناََ وإشياقاََ إليها ؟
أتذكر إني أحمل لقبي الداغستاني منذ أول دخولي الى المدرسة الابتدائية ، فلقد كان والدي (رحمه الله) والذي ولد ومات في البلاد التي اختارها له والده موطناََ له ولأولاده وأحفاده في بلاد الرافدين، يمضّه الشوق إليها، لكنه توفي بحسرة حرمانه من زيارة قرية اجداده طيلة حياته ، كان حريصا أن يكتب لقب العائلة وإنتمائه الجغرافي على صدر الصفحات الأولى من كتبي ودفاتري المدرسية ، وهذا ما فعلته مع اولادي وأحفادي مع التسليم التام لحقيقة ان هذه المشاعر لم ولن تحول اطلاقا بيننا وبين حبنا للبلاد التي نعيش على ارضها وننعم بخيراتها، فنبذل حياتنا فداءََ من اجل حمايتها وصون سيادتها والوفاء المطلق لها، ولنا في ذلك واينما نعيش ملاحماََ وشهداءََ ومبدعين وبناة حضارة ورقي.
ربما أكون من القلائل المحظوظين الذين أتيحت لهم زيارة موطن الاجداد في شمال القفقاس ، ففي يوم السابع عشر من شهر حزيران من العام ٢٠٠٦ حطت قدماي لأول مرة على تراب (مايكوب) عاصمة جمهورية الاديغي الشركسية بدعوة كريمة من حكومتها ضمن وفد رباعي لقفقاسي العراق تمثل ( جمعية التضامن الخيرية للشيشان والداغستان والشركس في العراق) والتي كنت أمينها العام . لقد كان استقبالنا هناك اسطوريا ، واندهشت لسيل العواطف الحارة التي يحملونها لأخوتهم في المهجروخاصة في العراق بعدما اكتشفوا للمرة الاولى بأن لهم اخوة قفقاس يعيشون هناك، آنذاك إكتشفت سر العشق الصوفي الذي يحمله القفقاسي المغترب بين جوانحه لتلك البلاد الساحرة، مما دفعني ذلك الى عقد وصلة من القماش بغصن شجرة في غابة على سفح جبل شاهق كان العشرات من العشاق والحالمين قد سبقوني إليها بقصد التمني وتحقيق المقاصد مثلما يفعل أهلنا على شبابيك مراقد الأولياء والصالحين ،. فكانت أمنيتي ان يقّرب الله بيني وبين زيارة موطن اجدادي في داغستان. وهذا ما حصل فعلاََ،
فمن التقاليد الرائعة مبادرة عدد من جمهوريات شمال القفقاس ضمن الاتحاد الروسي ( ومنها جمهورية داغستان) إلى توجيه دعوات وتنظيم مهرجانات ولقاءات وزيارات دورية لأحفاد مواطنيها في المهجر بقصد إعادة اللحمة فيما بينهم وتمتين الصلة ببلدان الأجداد وأهلهم فيها، وقد حصلت المعجزة بالنسبة لي إذ تلقيت دعوة شخصية لحضور (منتدى داغستان) في العاصمة محج قلعة وذلك في اليوم الرابع عشر من شهر ايلول (سبتمبر) من العام ٢٠١٧ حيث ألقيت في افتتاحيته كلمة نيابة عن داغستان العراق قوطعت مرارا وتكراراََ بالدموع والتصفيق الحار من قبل المشاركين من انحاء العالم بحضور السيد رئيس الجمهورية وعدد من السادة المسؤولين في الجمهورية.
في رحلتي الثانية الى داغستان التي صادفت اليوم الرابع والعشرين من شهر ايلول من العام ٢٠١٩ م دعيت للمشاركة في منتدى شباب داغستان العالمي وكان يرافقني افراد اسرتي، هيأت لنا الحكومة مشكورة فرصة فريدة لزيارة (غيمري) قرية أجدادي ، وكنا مبهورين بلقاء أقرباء لنا لم نلتقيهم طيلة حياتنا. هناك وحالما دخلت القرية حرصت على زيارة المقبرة القديمة وقرأت فيها بعض سور القران الكريم وإهداء الفاتحة على ارواح اجدادنا الشجعان الذين نجحوا في زرع حب داغستان في أفئدتنا رغم مضي أكثر من ثلاثة قرون على هجرتهم منها .
في ساحة جامع القرية كان لي لقاء ذو شجون مع شيوخ وشباب القرية بحضورإمام الجامع الوقور ورئيس البلدية (الذي أكد بعد استعراض اسماء أجدادنا بأننا أبناء عمومة) . وكانت الدهشة قد عقدت لساني فأمامي رجال من عشيرتنا الآفار فيهم من يشبه والدي في كل تفاصيل وجهه وكأنه عاد حياََ من قبره ، وبصعوبة بالغة حبست دموعي.
مثلي ومثل الملايين في العالم نذكر قرية (غيمري) بقدسية وفخر، فهي مسقط رأس أسد القفقاس وصقر الجبال الإمام شامل الداغستاني (1797 - 1871 م) الذي قاد المقاومة ضد القياصرة خلال حرب القوقاز وهو ثالث أئمة الشيشان والداغستان من 1834 إلى 1859 م وقد توفي في المدينة المنورة اثناء أداءه فريضة الحج ودفن في البقيع. لكن غيمري إضافة لذلك اصبحت لي ولعشيرتي رمزاََ ومأوى بعدما علمنا أنها الارض التي تضم رفات اجدادنا.
كيف اكتشفنا صلة ( غيمري) بنا ؟
إختار جدي (علي) في السنة الاخيرة من عمره وهو مريض وراقد في الفراش، العيش في دار إحدى بناته الاثيرة لديه في محافظة اربيل، وقد كان قد اختار العودة الى اربيل والاستقرار فيها، مما جعلنا لا نلتقيه لسنوات طويلة . ومن حسن الحظ أن يهتم إبنها البكر (وهو قائد عسكري برتبة لواء) بشؤون الأنساب والعشائر فسأله عن عشيرته واقربائه في داغستان فأجابه إنه من أقرباء الامام شامل وان جده وجد الامام أبناء عمومة، وهذا يعني أنه من الآوار ومن غيمري. وهكذا إضافت لنا هذه المعلومة رصيدا مهما الى خزيننا الوجداني والروحي، قمتُ بترجمته الى فعل ميداني تمثل بزيارتي واسرتي الى غيمري والالتقاء بأهلنا هناك. وأنا أغبط نفسي وفي منتهى السعادة عندما أقارن ذاتي بالآف الداغستانيين في المهجر وهم لا يعرفون شيئاَ عن اجدادهم والعشائر التي ينتسبون إليها وهذا مبعث حزن كبير لهم للأسف الشديد.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت