الحرب الروسية - الأوكرانية مرة أخرى

فهد المضحكي
2022 / 3 / 26

يسود العالم بأسره استقطاب حاد حول ما يجري في أوكرانيا. وهذا أمر طبيعي ومتوقع، لما للحدث من تأثيرات أكيدة - وايا تكن نتائجه النهائية - على مجمل التطور العالمي. ومع ذلك، فإن الأكثر أهمية من مجرد إعطاء موقف بسيط من الحدث، تاييدًا أو معارضة، هو محاولة فهمه بعمق، وفهم مٱلاته المحتملة، في روسيا نفسها وفي أوروبا والولايات المتحدة، ومنطقتنا والعالم ككل، ومن ثم الحكم عليه بناء على هذا الفهم. وتجدر الإشارة أن نشير الى ما خلص اليه موقع جريدة «قاسيون» السورية من رأي أن اول ما ينبغي الوقوف عنده، هي المعطيات الفعلية للمعركة، ليس بمعناها العسكري الميداني فقط، بل وأهم من ذلك بمقدمتها واسبابها. ضمن هذا الإطار، يمكن تثبيت مسألتين أساسيتبن على الأقل: اولاً: سعى الغرب باتجاه تطويق روسيا وصولاً إلى إنهائها، ليس أمرًا مستجدًا، بل هو تاريخي يتعزز كلما تعززت الأزمات الاقتصادية للغرب، وبوصفه مخرجا نظريًا مؤقتًا من تلك الأزمات.. كذلك كان الأمر في الحرب العالمية الثانية، وكذلك هو الآن. ثانيًا: التحضيرات الغربية للمعركة ضد روسيا، انطلاقًا من توسيع الناتو ليمتد إلى 14 دولة إضافية ابتداء من 1997، وانطلاقًا من أوكرانيا نفسها، بات أمرًا مثبتًا. وقد اعترف به كثيرون، ومن بينهم رئيس الوزراء الأوكراني السابق الذي تحدث بشكل تفصيلي عن تلك التحضيرات: ضمنا إقامة الأمريكان لمخابر جرثومية في أوكرانيا، ربما تتجاوز بخطرها حتى السلاح النووي، وكذا التجهيز لقنابل نووية باستخدام النفايات النووية في تشرنوبل وغيرها، ومرورا بالتسليح الكثيف والتدريب، ووصولاً إلى تحديد موعد لانطلاق الحرب ضد روسيا هو يوم 25 من فبراير الماضي، أي بعد يوم واحد من انطلاق عملية روسيا العسكرية في أوكرانيا! أي إن العملية العسكرية الروسية بهذا المعنى، يمكن أن تفهم بوصفها خطوة دفاعية استباقية من وجهة الأمن القومي الروسي، أكثر بكثير من أن تفهم كحرب هجومية...

تتجه تيارات عديدة في قراءتها للحدث للقول: إنه مجرد صراع غرضه اقتسام أوروبا، وتاليًا: اقتسام حصص السيطرة بالمعنى العالمي، وخاصة الاقتصادية، ويتجاهل أصحاب هذا الرأي بشكل كامل ما ذكر اعلاه، والذي يشكل بالنسبة لروسيا كدولة وكشعب مسألة حياة أو موت، ليس ضمن منطق «الدفاع عن الوطن» كذريعة لحرب التقاسم، بل بالضبط ضمن المنطق الفعلي المعاصر للدفاع عن الوطن في إطار التحرر من الاستعمار، خاصة الاستعمار بشكله المعاصر الاقتصادي. قراءة الأمور بناء على فكرة التقاسم وإعادة الحصص، وكأن العالم اليوم هو نفسه عالم ما قبل الحرب العالمية الأولى، هي قراءة مبتسرة وبعيدة عن الواقع.. ومع ذلك، فإنه لا يمكن الحسم فيها بشكل استباقي وكامل دون توضح المٱلات التي ستنتهي إليها المعركة، في الداخل الروسي. بكلام ٱخر، فإن ما يحدد المٱلات النهائية لهذه المواجهة المفتوحة، هو كيف ستتطور الأمور في الداخل الروسي نفسه من وجهة نظر نمط توزيع الثروة، وضمنا المسائل المتعلقة بالمنظومة المالية، وكذا دور البنك المركزي وطبيعة ذلك الدور، وأدوار الأوليغارشيا ووزنها. في أتون المعركة الجارية، وبتأثير العقوبات والحصار الغربي الذي يسعى لخنق روسيا، فإن الحاجة الموضوعية لإجراءات جذرية في عملية إعادة توزيع الثروة وتوسيع هامش الحريات والديمقراطية ستصبح أكثر إلحاحًا، وستصبح متطلبًا مباشرًا من متطلبات البقاء. وفقط على أساس التصرف إتجاه هذه النقطة بالتحديد، وعلى أساس التوازنات التي ستخلقها، سيتحدد المٱل الفعلي للمعركة، وكذا مٱلاتها العالمية والإقليمية والمحلية، والتي من شأنها أيًا تكن طبيعتها أن تعيد الى الصدارة مسألة البديل التاريخي عن الرأسمالية.

لكن ماذا عن الملامح الكبرى لعالم ما بعد أوكرانيا؟ لقد بدأت بالتوضح منذ الآن. أولاً: إنتهت الصلاحية التاريخية للنظام السياسي العالمي بشكله القائم، وممثلا في بالأمم المتحدة وبالمنظمات الدولية الأساسية جميعها، والتي ماتزال تعكس في تركيبتها وٱليات عملها توازنات دولية عفا عليها الزمن. إنتهاء الصلاحية هذا لا ينعكس في عدم قدرة هذه المؤسسات الدولية على حل المشكلات العالمية المختلفة فحسب، بل وأكثر من ذلك في كونها مسهما في تعقيدها وتعميقها واطالتها، إنطلاقًا من التلاعب الغربي ضمنها، ما يعني أن إعادة النظر في تركيبتها جذريا، وبما يتناسب توازنات القوى الواقعية، بات أمرًا ضروريًا وملحًا، وبشكل خاص ضرورة تمثيل دول وقارات ذات أوزان فعلية وبشرية كبرى في مجلس الأمن، «الهند وأفريقيا على سبيل المثال لا الحصر». ثانيًا: إذا كان التاريخ الحديث قد شهد حل حلف وارسو، فإن حلف الناتو استمر، وتمدد وتوسع محدثًا ومستجلبًا أزمات بعد أزمات، عالم ما بعد أوكرانيا ينبغي أن يكون خاليًا من الأحلاف العسكرية، ما يعني أن وقت حل الناتو قد حان.. وأما الأزمات الناشئة والتي يمكن أن تنشأ، فينبغي حلها عبر الأمم المتحدة «بعد إعادة تشكيلها»، وبالتوافق والتفاهم ضمن عالم أكثر توازنا وعدلاً.

ثالثًا: العقوبات الغربية على روسيا، خاصة فصل عدد كبير من بنوكها عن نظام التحويلات العالمي «سويفت»، وما سيتبع ذلك من تأثيرات على أسواق الطاقة والغذاء العالمية، ستسرع إلى الحدود القصوى، العمليات التي كانت جارية أساسا منذ ما يقارب العقدين؛ أي: أ- التراجع المطرد لقدرة النظام المالي العالمي القائم والمستند إلى سطوة الدولار. ب- تراجع إمكانات استمرار التبادل لا المتكافئ. ج - تطور العلاقات البينية بين الصين وروسيا، وكذلك بين روسيا والصين معا، مع دول أخرى حول العالم، ضمن منظومة بريكس وغيرها، وصولا إلى تحقيق الانقلاب الجيوسياسي في منظومة وخطوط التجارة الدولية، وفي تقسيم العمل الدولي. رابعًا: الازمات الاقتصادية والمالية، وعلى رأسها أزمات الطاقة والغذاء، ستبلغ خلال الأشهر القادمة ذروة ربما تكون غير مسبوقة. وعليه ينبغي أن نتوقع أن عمليات فرز عميق ستجري في كل الدول عبر العالم، وأن الموجة العالمية الجديدة من الحركات الشعبية ستشمل الكوكب بأكمله، وربما انطلاقا من أوروبا بالذات هذه المرة. خامسًا: كل الأزمات الإقليمية التي أسهم النظام العالمي غير المتوازن والمحكوم بسطوة النهب الأمريكي، في تعقيدها وإطالة أمدها، ستتسع إمكانات حلها في قادم الأيام، مع التهاوي الفعلي لهذا النظام.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق