إعترافات متأخرة لا قيمة لها

داخل حسن جريو
2022 / 3 / 21

تتداول وسائل التواصل الإجتماعي بين الحين والآخر مقاطع فيديوهات لبعض السياسيين ممن شغلوا مناصب قيادية في الدولة العراقية, من وزراء ورؤساء وزراء وقادة أحزاب سياسية ورجال أعلام وبعض من يوصفون بمفكرين ومثقفين, يعلنون فيها عن ندمهم ويطلبون الصفح عن ما إرتكبوه من فضاعات بحق الشعب العراقي , وهدرهم المال العام وتبديد ثروات العراق في شبهات فساد وغيرها, ناهيك عن إزهاق آلاف الأرواح البريئة التي ذهبت لبارئها, جراء عبث وظلم وتعسف هؤلاء الحكام الذين كان لا هم لهم سوى البطش والهيمنة على مقدرات البلاد والعباد , والإستئثار بثروات البلاد لهم ولحاشيتهم من الأقرباء والأتباع . ويا ليتهم كانوا صادقين حقا بهذه الإعترافات المتأخرة جدا , وأنها جاءت في صحوة ضمير إنتابتهم في ساعة هداية رحمانية لمراجعة سلوكياتهم السابقة المشينة , وبنية صادقة لسلوك طريق الحق والهداية والعدل والإنصاف , ليس من باب إنصاف المظلومين فحسب , بل وإنصاف الشعب العراقي برمته بإعادة امواله المنهوبة وممتلكاته التي إستولوا عليها بدون وجه حق,شعروا فيها بالندم للتكفير عن ذنوبهم التي سيحاسبهم عليها الله الواحد ألأحد الذي يمهل ولا يهمل, إن كانوا حقا يخشون مخافة الله كما يدعون ذلك في وسائل إعلامهم التي يكثرون الحديث فيها عن الدين والتدين, والحرص على الظهور بصورة الزهاد العابدين في الطقوس والمناسبات الدينية وإحياء شعائرها .
نقول لا يكفي طلب الصفح من الشعب بالأقوال فقط , ما لم يقترن ذلك بالأفعال الملموسة لتصحيح مسيرتهم على صعيد الواقع , بينما نرى أن سلوكهم في حقيقة الأمر ما زال على ما كان عليه سابقا , بل ربما أسوء مما كان عليه , التشبث بالسطة بكل الوسائل وعدم التخلي عن صفقات الفساد والكف عن نهب المال العام , وتصفية الخصوم بقوة السلاح ,والإصطفاف مع الدول الأخرى على حساب مصلحة العراق , الذي جعلوا منه دولة فاشلة بكل المقاييس , وهذا أمر لم يحدث في العراق منذ تأسيس دولته عام 1921 وحتى تسلطهم على مقاليد السلطة بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 ,حيث لم يعد بمقدور مجلس النواب تشكيل حكومته دون إستحصال توافقات دول إقليمية ودولية ذات نفوذ وسلطة واسعة على معظم القوى السياسية المتصدية للمشهد السياسي الراهن في العراق , أي بإختصار أن القرارات العراقية المصيرية باتت مرهونة بتوافقات خارجية لدول إقليمية ودولية تحت غطاء مهلهل من ديمقراطية توافقية زائفة قائمة على أساس المحاصصة الطائفية والأثنية المقيتة التي لم يجن منها العراق سوى الخراب والدمار, وكأن العراق مقاطعة من مقاطعات تلك الدول , وليس دولة ذات سيادة وذات حضارة عريقة في التاريخ الإنساني , إن لم تكن أعرقها عبر التاريخ.
ولعل أغرب هذه الإعترافات ما جاء على لسان الرئيس العراقي السابق صدام حسين في أحد لقاءاته مع أعضاء القيادية القطرية لحزب البعث العربي الإشتراكي القابض على السلطة في العراق يومذاك ,التي نقلها التلفزيون العراقي قبيل غزو العراق وإحتلاله بأشهر قليلة, كيف أنهم تجنوا على عبد الكريم قاسم ونظام حكمه الوطني , بعدم إعطائه الفرصة للمضي بتنفيذ سياسته الوطنية التحررية,إذ لم يمض على قيام الثورة سوى بضعة شهور ,ومؤامرات الإطاحة بالسلطة تجري في السر والعلن , وذلك بدفع وتحريض من الرئيس المصري يومذاك جمال عبد الناصر الذي وصفه صدام بهذا اللقاء وأيده الحاضرون بذلك بالمتجني على العراق والطامع بالسلطة وتوسيع النفوذ المصري , وإلى قلة خبرة قادة حزب البعث العربي الإشتراكي ومناصريهم من الأحزاب القومية التي تبنت بصورة مستعجلة مشروع الوحدة الإندماجية مع مصر وسورية في إطار ما كان يعرف بالجمهورية المتحدة , في وقت لم يعزز فيه النظام الجمهوري في العراق مرتكزاته الأساسية بعد . وقد عزى هذا الإندفاع لكون معظم هذه القيادات من العناصر الطلابية الشابة التي لم يستكمل معظمهم دراسته الجامعية ,ويكفي أن نشيرإلى أن أمين سر الحزب يومذاك فؤاد الركابي لم يتجاوز الثلاثين من عمره , الأمر الذي تسبب بصراعات دموية حادة بين القوى السياسية الوطنية والديمقراطية من جهة ,الداعية إلى التريث بموضوع الوحدة وتعزيز بناء الدولة العراقية الجديدة , وبين القوى القومية بصنوفها المختلفة وكل المناوئين لنهج ثورة الرابع عشر من تموز التحرري من جهة أخرى. ويذكر أن صدام حسين كان قد شارك بأول محاولة إغتيال لقائد سياسي في العراق في المحاولة الفاشلة التي إستهدفت حياة الزعيم عبد الكريم قاسم, الذي إعترف صدام حسين بعد مرور أربعين عاما بوطنيته في الوقت الضائع الذي لا جدوى فيه من هذا الإعتراف المتأخر ,سوى تثبيت بعض الحقائق التاريخية من بعض صناع القرار في زمانهم بعد فوات الأوان .
وللإنصاف نقول أن عبد الكريم قاسم كان أنزه وأشرف من حكم العراق حتى يومنا هذا , كان مخلصا لوطنه ومحبا لشعبه وساعيا لرقيه وتقدمه . أنجز في فترة حكمه القصيرة التي لم تتجاوز الأربعة سنوات ونصف الكثير الكثير من المشاريع لصالح العراقيين وبخاصة الفقراء منهم , يفوق ما أنجز قبله وبعده في مثل هذه المدة القصيرة . وهوكغيره من البشر له محاسنه ونقاط ضعفه يصيب ويخطأ ,وما كان ينبغي أن يعامله خصومه بهذه القسوة أبدا, دون محاكمة عادلة إن كانوا للحق هم ساعون .
وينطبق الشيئ نفسه على سيل الإعترافات والشهادات التي بات يدلوا بها الآن عبر وسائل التواصل الإجتماعي أو عبر نشر سيرهم ومذكراتهم الشخصية ,بعض صناع القرار والمفكرين والمثقفين الذين عاصروا حقبة نظام الحكم الملكي , ممن كانوا يكنوا له الحقد والعداء ويسعون بكل الوسائل للخلاص منه بوصفه نظاما فاسدا لا يلبي تطلعات الشعب العراقي نحو الحرية والتحرر والإستقلال , يشيدون الآن بمنجزات هذا النظام ويعدونه الأفضل من بين كل الأنظمة السياسية التي حكمت العراق حتى يومنا هذا. ويمتمنون لو أن نظام الحكم الملكي إستمر حتى يومنا هذا , لكان حال العراق غير حاله البائس الآن . فسبحان مغير الأحوال , بالأمس كان النظام الملكي كما يصفه الشاعر محمد مهدي الجواهري في أحد قصائده بأن من مكارم أهله السجن والتشريد والإعدام :
وأتى زمان من مكارم أهله السجن والتشريد والإعدام
نظام يتحكم فيه الإقطاعيون وكبار التجار والملاكين ورؤساء العشائر وينتشر فيه الفقر والجهل والأمية بمعدلات عالية , ومكبل بأحلاف عسكرية وتهيمن شركات النفط الأجنبية على ثروته النفطية إنتاجا وتسويقا مقابل نسبة طفيفة من مبيعاته لصالح الحكومة العراقية وغيرها الكثير الكثير . على اية حال لم يكن مقبول إنسانيا ما تعرضت له العائلة الملكية وبعض رموز النظام من تصفية جسدية بشعة تقشعر لها الإبدان , بصرف النظر عن المبررات التي يسوقها البعض أنها ضرورية لنجاح الثورة , وهي المبررات نفسها التي تكررت بتصفية زعيم الثورة عبد الكريم قاسم ورفاقه فيما بعد على ايدي جلاديه في إنقلاب الثامن من شباط عام 1963 , ونفسها التي أعتمدت بتصفية رئيس النظام السابق صدام حسين, على الرغم من دعاوى القائمين بها بأنهم يحضون بقبول شعبي واسع لانظمة حكمهم.
شهدت فترة حكم عبد الكريم قاسم على قصرها مصادمات مسلحة بين خصوم الثورة و القوى السياسية المناصرة لها وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي , تخللتها أعمال عنف بشعة تمثلت بسحل الخصوم أحياء في الشوراع حتى الموت ,والتمثيل بجثثهم , لدرجة أن حزبا جماهيرا كالحزب الشيوعي العراقي كان يشيد بها حيث إتخذته جماهيره شعارا لها تردده في مظاهراتها في المناسبات الوطنية , مما جر على الحزب لاحقا الكثير من الولايات والمصائب.
نقول ربما كان لهؤلاء المفكرين والمثقفين بعض الأعذار لتغير وجهة نظرهم بإعادة تقييم نظام الحكم الملكي بعد أن ذاق الشعب العراقي الآمرين على أيدي حكامه الذين تولوا السلطة في أعقاب سقوط نظام الحكم الملكي , من منطلق ما تعرف خيري إلاّ بعد أن تجرب غيري على رأي المثل العراقي الدارج بين أهلنا .
ويستمر مسلسل هذه الإعترافات الخائبة , إذ يشير نوري المالكي الذي شغل منصب رئيس الوزراء أكثر من مرة , إلى فشل الطبقة السياسية وهو من ضمنهم , التي تولت السلطة بعد غزو العراق وإحتلاله عام 2003 برمتها , وعدم صلاحيتهم للإستمرار في حكم العراق , وذلك في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه شبكة الإعلام العراقية قبل إجراء إنتخابات مجلس النواب الأخيرة , وبرغم ذلك ما زال متشبثا بالسلطة حتى يومنا هذا. وفعل ذلك الشيئ نفسه عدد غير قليل من رموز السلطة الحاكمة في العراق , حيث أعلنوا فشلهم الصريح بتحقيق أية إنجازات لخدمة الشعب العراقي الذي أوصلهم للسلطة, وطلبوا أن يصفح الشعب عما إرتكبوه بحقه من سوء إدارة وتردي خدمات صحية وتعليمية وفقدان الأمن والآمان. وذهب آخرون إلى أبعد من ذلك بإعترافهم الصريح أنهم عجزوا عن تحقيق ما أنجزه نظام الحكم السابق , لا بل أنهم لم يحافظوا على ما كان متحققا أصلا.
نقول ما فائدة هذه الإعترافات , ما لم تترجم إلى أفعال ويتنحى الفاشلون عن زمام السلطة على أقل تقدير , إذا لم تتم محاسبتهم وإحالتهم إلى القضاء العادل ليقول فيهم كلمة الحق , عليهم أن يفسحوا المجال لذوي الكفايات الحقيقية لتصحيح المسار, ووضع الخطط اللازمة والكفيلة بإجتثاث الفساد والفاسدين , وتوظيف ثروات العراق في مشاريع تنمية حقيقية شاملة ومستدامة في جميع مجالات الحياة.ولا نلمس أية مؤشرات حقيقية لإنتشال العراق من واقعه البائس المرير ولو بالنزر اليسير , إذ ما زال المشهد السياسي على ما هو عليه يتحكم فيه الدجالون والفاسدون والمشعوذون ممن لا يهمهم أمر الوطن والمواطن , بقدر ما تهمهم مصالحهم ومنافعهم الشخصية, وشراء الذمم والأتباع والطبالين والزمارين لترويج بضاعتهم الفاسدة في سوق النخاسة.

حوار مع فاطمة البلغيتي وعمر ازيكي - جمعية اطاك المغربية حول سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اجرت
حوار مع د. طلال الربيعي حول الطب النفسي واسباب الامراض النفسية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتحليلها، اجرت