احتداد الأزمات وتأخّر الثورات

عبد المجيد السخيري
2022 / 3 / 17

لو أن ما يجري اليوم من أحداث متسارعة على الرقعة الجيوسياسية الملتهبة بالبحر الأسود، وبالأخص بداخل الحدود التاريخية للإمبراطورية الروسية القيصرية ووريثها الاتحاد السوفياتي للجمهوريات الاشتراكية، أو ما يحتد من أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية في كل مكان تقريبا بأثر من تداعيات الجائحة الوبائية العالمية، أقول لو أن هذا وقع ذات زمن ثوري بعيد، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أو حدث في ثلاثينيات القرن الماضي أو على مشارف عقده السادس مثلا، هل كنا سنشهد انطلاقا مسلسل ثورات شعبية غير مسبوقة، ومواجهات ساخنة، قد تكون على شكل حروب طبقية بالداخل أو مواجهات وصدامات عسكرية خارجية بين دول أو أحلاف، مثلما شهد القرن الماضي ثورات عظمى أطاحت بأقوى النُظم الاستبدادية، وحربين عالميتين خلّفتا ملايين من الضحايا بين قتلى وجرحى، وخرابا واسعا في العمران والبنيات التحتية، أو كما أفرزت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة، التي ضربت معاقل وأطراف النظام الرأسمالي المتجبّر، سلسلة من الانتفاضات والحركات الثورية المسلحة في مواجهة قوى الرأسمال المتغوّل والمتوحش وأذرعه الأمنية وميليشياته اليمينية المتطرفة والفاشية، على امتداد العقود التالية للثورة البلشفية، بعضها نجح في تقويض الحركات الثورية وهزم منظماتها وسحق أعضائها وعضواتها وتعبيد الطريق إلى السلطة(الفاشية والنازية في أوروبا)، والبعض الآخر لعب دورا أساسيا في تعطيل المسار الثوري أو تحريفه عن أهدافه القريبة، على غرار ما حدث بأمريكا اللاتينية، أو ساعد على ظهور تناقضات داخلية وسط الحركات الثورية وإفساح المجال لأجنحة مهادنة واصلاحية انتهت إلى عقد تسويات مُخزية مع الأنظمة القمعية والبوليسية، بل وعمدت في بعض الأحيان إلى مقايضة تطلعات قياداتها إلى المشاركة في السلطة بتخريب المنظمات الثورية ومباركة تصفية كوادرها وقياداتها أو الزج بهم في السجون؟
إن ما يحدث اليوم يكاد يسير في اتجاهات متناقضة تماما مع سير الأحداث في مجريات التحول الثوري الذي شهده القرن الماضي عل امتداد سبعة عقود متواصلة أو أكثر بقليل. فلا "مناخ العصر" يشي بانطلاق مسلسل ثوري جديد يستنهض القوى الاجتماعية الأساسية من الشعب العامل وطبقاته الرئيسية( العمال والفلاحين الفقراء)، ولا الأزمات الاقتصادية والتدهور الكبير الذي طال الحقوق الاجتماعية والسياسية لأوسع الطبقات والفئات المحرومة والمفقّرة امتدتا بآثارهما إلى الوعي الطبقي، بشكليه العفوي(أو الاقتصادي) والسياسي، ليُسهم في دفع صيرورة الفرز والمخاض الثوريين إلى الأمام، وبالتالي تحصيل الشرط الذاتي لبدء عملية التنظيم والإعداد لمرحلة الجهوم الثوري على مراكز القوة والسلطة وتهديد مصالحها بشكل فعلي بما يسمح بتعبئة واسعة لقوى الثورة والتغيير الاجتماعي الجذري، وقبله بتحديد واضح لهوية الثورة وأهدافها وبرنامجها محليا ودوليا.
فما نشهده منذ انهيار الاشتراكيات الواقعية ،وتداعي أحزاب اليسار الشيوعي وتفسُّخ المنظمات العمالية الكبرى وترجع كبير في مستوى نشاط وفاعلية الحركات الاجتماعية الطلابية والنسائية والشبابية، لا يخرج عن نطاق تراكم الأحداث واحتداد الأزمات المتفاقمة لنظام رأسمالي يتجدّد كلما اعتقدنا أنه بلغ مرحلة الشيخوخة، وفي أحسن الأحوال نشهد على اندلاع هبّات ثورية قصيرة النفس، بلا استراتيجيات ثورية ولا خلفية طبقية واضحة، سرعان ما يتم سحقها بالقوة والعنف، أو الالتفاف على مطالبها بالتلاعب، أو إجهاض سيرورتها الثورية وتعطيل طاقاتها على التعبئة الشعبية باستعمال القوة الناعمة، سواء تمثّلت هذه القوة في لجوء الأنظمة إلى الضربات الإعلامية المركّزة والهجوم السياسي المنسق على أعلى مستويات الأجهزة الاستخباراتية، أو بتوجيه التناقضات الداخلية للحركات الشعبية نحو الانفجار والخروج عن السيطرة في غياب قيادات حازمة تمتلك رؤية واضحة في الصراع ولأفق التغيير. وبالتالي فما سنشهده في القادم من الأعوام لن يخرج ربما عن مزيد من تفاقم الأزمات بارتدادات سياسية ضعيفة، ومزيدا من الموجات الشعبوية في محاولة لاستنهاض القوى المدعوة للتغيير دون أن يكون هناك حقا أفق واضح لأي ثورات حقيقية في انتظار اختمار الشروط الذاتية التي تسمح بانبعاث المارد الثوري واطلاق سيرورات جديدة من النشاط الثوري، سواء بمقدمات كلاسيكية تستثمر تراث الحركات الثورية التاريخية ورصيدها المذهبي والإيديولوجي ومثلها العليا، أو بمقدمات جديدة لا تظهر حتى الآن ملامحها في التصورات الموجودة للصراع مع الرأسمالية المتقدمة، وفيما ينتجه كبار المثقفين في حقل النظريات السياسية أو التنظير الإيديولوجي، أو فيما يستهلكه "النشطاء" الميدانيون من أفكار وشعارات سياسية أغلبها مُغلّف بطابع ليبرالي شعبوي، إذا لم يكن مخاصما في بعض الحالات صراحة لميراث اليسار الثوري، تحت التأثير المدمر للآلة الاعلامية الرهيبة ودعايتها المعادية للشيوعية، ولأي تطلع للتغيير في أفق جذري يتقاطع مع ميراث الثورات العظيمة للقرن العشرين، بعدما نجحت على امتداد أزيد من عقدين في تشويهه وتجريمه.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا