إيميلي.. تعلمنا معنى الانتماء للهوية

بير رستم
2022 / 3 / 17

إيميلي طفلة أوكرانية عمرها بين السادسة والسابعة تقيم في سويسرا حيث لجأ والديها إلى هذا البلد قبل سنوات وليس مع هذه الأزمة الأوكرانية الأخيرة وربما تكون إيميلي لا تعرف شيئاً كبيراً عن بلدها ولا تحمل في ذاكرتها الكثير من القصص والحكايات التراثية عن شعبها وقد تكون زياراتها لبلدها لا تتعدى أصابع اليد الوحدة، أو أقل، وبالتأكيد لم تترك في ذاكرتها الكثير منها وذلك لصغر سنها، كما أسلفنا، لكن إيميلي علمتنا معنى التربية الوطنية والانتماء للهوية حيث تداوم في المدرسة التي تعمل بها زوجتي كمدربة مساعدة حيث ذكرت بأنها -أي زوجتي- تفاجأت بأن إيميلي أخذت الألوان في حصة الرسم وبدأت ترسم علماً وحينما سألتها ماذا ترسمين؟ أجابت بأنها ترسم علم بلادها، لكن المفاجأة الكبرى كانت قبل يومين حيث أخذت بعض قصاصات الورق وبدأت ترسم عليها أشكال وزهور، وحينما سألتها وزجتي ماذا تريدين أن تفعلي بكل هذه الزهور؟ أجابت بثقة وكبرياء؛ بأنها سوف تبيعهم في الشارع لكي ترسل تلك الأموال لأهلها في بلدها الذي يعاني من الحرب.

إن هذه الطفلة الأوكرانية والتي لا تتجاوز السابعة من عمرها تضرب لنا مثالاً ساطعاً في السلوك الأسري والتربية الوطنية لأبنائنا وكيف أن شعوب العالم تزرع تلك البذرة بالانتماء للهوية والثقافة واللغة والعلم منذ الطفولة حيث “العلم في الصغر كالنقش على الحجر”، بل تشجع هذه الحكومات الديمقراطية مثل سويسرا؛ بأن تكون لغة البيت مع الأطفال هي لغة الأم كي لا ينسوا تراثهم وثقافتهم الوطنية في حين حكوماتنا المستبدة الغاصبة كانت وما زالت تحاربنا وتعتقل أبناء شعبنا لمجرد الحديث أو الغناء في المدرسة باللغة الكردية مثالاً، بل وصل الأمر برئيس قسم الأحزاب في الأمن السياسي بحلب؛ العقيد “خليل المنلا”، بأن أتهمني بالعنصرية حين علم بأن أبنائي وأهلي لا يتكلمون بالبيت بغير اللغة الكردية -وهي حكاية أخرى وقفت عليها أكثر من مرة- رغم أن من الحق والسلوك الطبيعي أن تكون لغة المنزل هي لغة الأم وليس لغة أخرى وما يفرضونها علينا باإكراه هي العنصرية والحقد واغتصاب للهوية الوطنية.

لكن العلة ليست دائماً لدى الغاصب المعتدي، بل أولاً وأخيراً لدى تلك الشعوب المستلبة المستضعفة، بل المستعبدة من قبل حكومات ظالمة عنصرية حيث وللأسف الكثير من أبنائها ونتيجة لسياسات طويلة من حالة الاحتلال والاستعباد، جعلوا يتنكرون لهوياتهم وثقافاتهم ولغتهم ومنهم العديد من أبناء شعبنا الكردي، فمثلاً هنا في أوربا ترى العديد من الجاليات الكردية القادمة منذ سنوات طويلة من شمال كردستان (تركيا)، بأن أبنائهم يتكلمون التركية بدل الكردية، رغم أن لا وجود لذاك الخوف من الدركي التركي، كما كان الحال مع أجدادهم قبل أن يقدموا من تركيا! وكذلك كنا نرى تلك الحالة مع بعض كردنا الذين غادروا قرى عفرين، نتيجة الحاجة المادية، وسكنوا في أحياء الطوق والفقر حول مدينة حلب -أو ما يعرف بحزام الفقر- حيث كنت تجد، بعد أقل من ستة أشهر، بدؤوا يتحدثون بعربية مفشكلة مع أبنائهم حتى داخل بيوتهم وللأسف، لكن ها هي إيميلي الأوكرانية-السويسرية تصر أن ترسم علم بلدها، بل وترسم بعض الزهور لتبيعها وتدعم شعبها وتعطينا درساً كبيراً رغم صغر سنها في الهوية الوطنية.. وهذا هو الفرق بين الشعوب الحية والشعوب المندثرة، كحالنا نحن الكرد وللأسف.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار