التديُّن الاجتماعيّ/التديُّن التقليديّ : أحد أهمّ أسباب تخلّفنا.

ازهر عبدالله طوالبه
2022 / 3 / 17

هناكَ العديد مِن التأسيسات الخاطئة التي جعلَت الإنسان يعيش في حالةٍ مِن التّيهِ والحيرة. لكن، يبقى مِن أهمّ هذه التّأسيسات التي فتَّكت بهِ وجعلتهُ مُلقًا على أرصفةِ المُقدَّس "زورًا"، هو أنَّهُ لم يتمكَّن مِن الخُروجِ مِن دائرِة الجدَل التي تعلَّقت بمفهومي "الدين" و"التدين".

فمِن المؤكَّد الذي لا يحتَمل أيّ نوعٍ مِن أنواع الشَّك، أنَّهُ ثمةَ مسافة بينَ "الدّين" و "التديُّن"، وهذه المسافة تتَّسع وتضيق كُلّما طرأ/ كانَ هُناك اختلاف بظروفِ وأحوال الشُّعوبِ والأفراد.

ولِكن هذا التغيُّر لا يُمكِن أن يُعتَبَر بابًا للدُّخول إلى الدّين وتميعِ أو تسخيف ماهيته؛ فالدّين مُطلقٌ وثابتٌ في ذاتِه. أمَّا فيما يتعلَّق بالتديّن، فقد يفتَح لنا هذا التغيُّر الأبوابَ على مصرَعيها لندخُل في أعمقِ أعماق "التديُّن" ؛ وذلكَ لنفهمهُ، ولنعرفَ كيفَ أصبحَ هذا "التديُّن" متفوِّق على ذاته.

ومِن هنا نستطيع أن نُعرِّف التديُّن، بأنَّهُ: فهم الإنسان لدينهِ فهمًا ملبوسًا للظروفِ التي ورِثها عن مُجتمعهِ، وتطبيقه لهذا الفهم في حياته العمليّة ورؤيته لنفسهِ والوجود. مما يعني أنّ التديُّن لا يُمكن أن يكون ثابتًا على حال؛ حيث يتغيّر وفقًا لتغيُّر الظروف، و وفقًا للاختلافات العقليّة والسيكلوجيّة بين البشر، أفرادًا وشعوب.

وبالتالي، فإنَّهُ يُمكننا أن نقول بأنّ التديُّن سلوك، وهذا السّلوك قد يكون مطابقًا للدينِ، وقد يكون مخالفًا لهُ، بل قد يصِل إلى حدّ الإنحراف عن تعاليم الدّين.

وعلى مجالٍ أوسَع نستطيع أن نقولَ بأنَّ ل "التديُّن " أنواع كثيرة، لا يُمكِن أن تُحصَر في مجالٍ مُعيّن، وإذا أردنَا أن نبحثَ عن أخطر هذه الأنواع، لوجدنا أنَّ أخطرها "التديُّن الشّعبي" .
ولأنَّ هذا النَّوع مِن التديُّن لا يُمكِن أن يُغطيهِ مقالًا واحدًا، فيكفي في هذا المقال، أن نُشير إلى معنى هذا النّوع مِن التديُّن، وأن نُعرِّج على بعضِ تاثيراتهِ على الدّين، على أن نعودَ لباقي تفصيلاته وتأثيراته في مقالاتٍ قادِمة.

يقصَد بالتديُّن الشعبيّ، أو ما يجوز الإصطلاح على تسميتهِ ب"التديُّن التقليديّ"، بأنَّه الوجه الخفيّ للتديُّن الحقيقيّ. كما وقَد ينظُر لهُ البعض على أنَّهُ "الدّين المُعاش كما يُمارسه النَّاس وفقَ ظروفهم في حياتهم اليوميّة" . فالنّاس يؤسّسونَ أديانهم الشعبيّة بما تعارفوا عليه من مُمارساتٍ وتصوّراتٍ وأعراف وتقاليد أُلحِقَت بالدّين، وهي ليسَت منهُ . ولا أعتَقِد بأنَّ هناكَ ما هو أخطَر على الدّين مِن هذا الأمِر ؛ إذ أنَّه اليوم، بسببِ مَن يعتقدونَ بأنَّهم أصحاب الولاية والوصاية على الدّين، قد بدا متخلّخِلًا، ويسهُل العبثَ بهِ، وتجّريدهِ مِن شيءٍ قُدسيّتهِ التي كان سابقًا، مِن الصّعب الاقتراب مِنها.
ولكي لا يُفهَم مِن حديثي هُنا، بأنَّني أوجِّه النّقد للدّين/للنصّ الدينيّ بذاتهِ، ولكي لا يقوم البَعض بتأويلِ حديثيَ، وإنزالهِ في ساحة المقاصِد التي لَم أرم إلى الدّخول إليها في مقاليَ هذا، فإنّني أوضِّح قولي بما يلي:

نعم، جاءنا الدّين نقلًا، ولَم نك نعرِفهُ لولا الأقوام التي سبقتنا. لكن، هذا النّقل أو لنقُل التّناقل للدّين، لم يُحفَظ مِن الإضافات ؛ إذ وبسبب النّقل الغير مُتواتر، قَد حُمِّل ما لا يحتَمل، وأُدخلَ لهُ ما ليسَ منهُ، بل ما هو من الاستحالة أن يكون منهُ . كما أُدخلَ لهُ التّقليد والحِفظ للكثير مِن النصوص الغير دقيقة، والغير صحيحة، وكُلّ ذلكَ كانَ لمجرَّد تعظيمِ السلَف وأنَّ الخلَف لا يُمكِن إلّا أن يكونَ تابعًا لهذا السَّلف، بصرفِ النّظَر عن قوّة ما جاء به هذا السلف، وعمّا إذا كان يتماشى مع ظروف وأحوال الواقع الحاليّ.

ولهذا كُنّا ضُعفاء أمام ما يسمّى بالتديُّن الشعبيّ (التديُّن التقليديّ) . فقَد أخذنا بالنَّقل على إطلاقهِ، ولَم نجرؤ على أن نقفَ وقوفًا دقيقًا أمام هذا النَّقل ؛ وذلك بسبب ما سنتعرَّض لهُ مِن قبلِ مَن يقدّسونَ "السلف" وأقوالهم على حساب النّصوص الدينيّة الثابتة، بل وعلى حساب الدّين الثابِت بذاته.

وزيادة في الإيضاح، فإنّ ما أقصدهُ بالنقلِ هُنا، هو النَّقل المُتعلِّق ب "الموروث الدّينيّ" الذي أرى بأنَّهُ قد صنعَ حالةَ مِن الجُمود العقليّ في عقولِ معتنقي الدّين، ممّا يدفعني إلى القول، بأنَّ الخَراب الذي أحدَثهُ "الموروث الدينيّ" لا يُمكِن أن يُصلَح أو يُصلَّح إلّا بتدخُّل إلهيّ.

لقَد أثبتَ نقل "الموروث الدينيّ" بأنَّه أحد أسباب تخلُّفنا . فبتراكمهِ ورُكامهِ قد نجحَ في أن يُبرمِج الذهنيّة العامّة على أن تكونَ عقليّة تبعيّة رضوخيّة، لا يُمكِن لها أن تمتَلك خيارًا إلّا خيار الاتّباع، ولا أن تنتَهج نهجًا إلّا نهج التّسليمِ الأعمى بكلِّ ما تتضمّنهُ مقولات كهنَة القداسة وأكاذيب وأوهام وتجّهيلٍ مُقدَّس، وتجهيلٍ مؤسّس منافٍ لجوهرِ الدّين وأُصوله التي أرادها الله رحمةً للعالمينَ.

كما وأدّى "الموروث الدّينيّ" إلى خلق منهجٍ تجهيليٍّ مُمنهَج، ألّفهُ السَّلف، وقرَّر الخلَف، بسببِ القُدسيّة التي أُلبِست لكلِّ ما جاء بهِ السّلف، أن يسيرَ على رُكامِه، وأن يُصبحَ عضوًّا فعالًا في المنهَج التجهيليّ، دونَ أن يُحاول، ولو لمرّة، أن يّعرِّض هذا المنهَج للنّقد.

إنّ "التديُّن الشعبيّ" الذي أنتجَ منهجيَّة النَّقل التي اعتمَدت على الدّين التاريخيّ الاجتماعيّ، الذي سيطرَ وما زالَ يُسيطِر على الثقافة المُجتمعيّة السّائدة، لا يُمكِن أن يصنعَ إلّا العقليّة المُشتَّتة، المسكونة بأوهامِ الماضي، الرّافضة للخروجِ مِن زِقاقِ التّاريخ المُزوَّر والمُزيَّف..وإنَّهُ لمِن المُناسب القول، بأنَّ هذا التديُّن يعدُّ السبب الأوّل في إقصاء العقل النقديّ التّحليليّ المُحايِد، الذي "يقرأ ويُحلِّل الأشياء مِن خارِجها، ويرفُض أن يتحدَّث بإسمها ومِن داخلها " ويرى الحقيقة الحقيقة كما هي وليس كما تتمّ رؤيتها مِن قبل العقلِ النّاقِل، الذي كانَ في أغلبِ نقلهِ أسيرًا للعاطِفة.

حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت