الحرب الروسية - الأوكرانية.. ميلاد نظام عالمي متعدد الأقطاب

فهد المضحكي
2022 / 3 / 12

لا يمكن لأي فكر إنساني سليم، أن يؤيد الحروب بشكل عام، فضحايا الحروب بغض النظر عن مسبباتها، هي الشعوب، التي ستتضرر إما بالدماء أو باقتصادها الهش، وبتدمير نمط حياتها، ولو مرحليًا. ولكن السؤال الأساس، الذي يطرحه أغلب المحللين في الحالة القائمة، ما الذي قاد للحرب الروسية - الأوكرانية؟. في البدء يعتقد البعض، أن الحرب الروسية على أوكرانيا، ستشكل نقطة تحول في النظام العالمي القائم على أحادية القطبية منذ سقوط جدار برلين سنة 1987. ولعل تصرفات الولايات المتحدة كحاكم أوحد للعالم وتنصلها من التزاماتها وانسحابها من أتفاقيات دولية عديدة، وغزوها عسكريًا لدول خارج قرارات مجلس الأمن، أو حصار دول أخرى بنفس المنطق، عجَّل بتصاعد تبرم حلفائها وخصومها على حد سواء. وبحسب ما كتبه الباحث المغربي أحمد نور الدين في موقع «hespress»، فإن ما نشاهده في أوكرانيا اليوم هو نتيجة الإمعان في إهانة موسكو من خلال التنصل من كل التعهدات التي قطعها الغرب بعدم توسع حلف «الناتو» شرقًا، وعدم نشر منظومة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، بالإضافة إلى طرد روسيا من مجموعة 7G للدول الصناعية الكبرى، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وصولاً إلى ضم جمهوريات البلطيق سابقًا إلى الحلف الأطلسي. وبعد استيقاظ موسكو من غيبوبتها التي دامت عقدين من الزمن ما بعد الاتحاد السوفياتي، وبعد استعادتها بعضا من عافيتها الاقتصادية والدبلوماسية، تحركت لمنع ضم ما تبقى من الجمهوريات السوفيتية، فتدخلت عسكريا سنة 2008 على سبيل المثال في جورجيا ودعمت انفصال جمهورية أوسيتيا الجنوبية،ثم ضمت شبه جزيرة القرم سنة 2014، وبين هذا وذاك حاولت فتح جبهات جديدة لمواجهة الغرب في حرب غير تقليدية استخدمت فيها سلاح المرتزقة وأدوات الجيل الرابع من الحروب كشبكات التواصل الاجتماعي والهجمات الإلكترونية وقنوات التلفزيون الفضائية بكل اللغات، وغيرها، وكان من بين بؤر التوتر تلك الحروب أفريقيا الوسطى وسورية وليبيا وفنزويلا ومالي، وكان الهدف من وراء ذلك هو تملك أوراق للضغط على الغرب لإعادته إلى مائدة المفاوضات وتنفيذ التزاماته السابقة مع موسكو سنة 1997، والاعتراف لها بمنطقة نفوذ في محيطها المباشر. ولا شك أن أوكرانيا تحتل مكانة القلب في هذه الاستراتيجية الروسية لإعادة رسم مجالها الحيوي.

ولكن واشنطن استمرت في تجاهل مطالب روسيا ورفصت التعهد بعدم ضم أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، وهو المطلب الرئيس لروسيا في قائمة المطالب التي قدمت بشأنها ورقة من عدة نقاط في المفاوضات التي جرت في جنيف يناير 2022 مع الإدارة الأمريكية ولم تفض إلى نتيجة. وكان بإمكان الغرب أن يستجيب لطلب روسيا،. خاصة أن هناك سابقة مشابهة هي وضع فنلندا خلال الحرب الباردة، والذي لايزال مستمرًا إلى اليوم كبلدٍ أوروبي غير عضوٍ في حلف«الناتو». ودون الخوض في مواضيع الشرعية الدولية والسيادة الأوكرانية وحقها في الانضمام إلى الحلف من عدمه، فإن بوتين رأي في السلوك الأمريكي تجاه أوكرانيا تهديدًا استراتيجيًا غير مبرر لأمن روسيا القومي، ليس على الصعيد العسكري فحسب، بل حتى على الصعيدين الاقتصادي والثقافي نظرًا لخصوصية العلاقات التاريخية بين موسكو وكييف. وأكثر من ذلك اعتبر الرئيس الروسي تجاهل واشنطن لمطالبه إهانة شخصية له، واحتقارًا للوزن الاستراتيجي لروسيا، فكان الهجوم على أوكرانيا مصحوبًا بخطاب بوتين، بثه التلفزيون الرسمي صبيحة الهجوم، والذي توعد فيه بشكل واضح ومباشر الدول الأوروبية وأمريكا برد فوري وغير مسبوق في التاريخ إذا غامرت باعتراض طريقه. ولكن قبل ذلك الهجوم مر حدث دولي بارز دون إثارة الكثير من الضجيج، هو إعلان «الشراكة بلا حدود» بين الصين وروسيا، أثناء زيارة بوتين لبكين مطلع شهر فبراير الماضي، أي ثلاثة أسابيع قبل بدء الاجتياح، وقد صرح الرئيس الصيني في ذلك اللقاء بأنه يدعم مطالب روسيا بعدم ضم أوكرانيا لحلف«الناتو» وفي المقابل أعلن الرئيس بوتين اعترافه بسيادة الصين على دولة تايون.

وهنا مربط الفرس حول تداعيات اجتياح أوكرانيا على العلاقات الدولية والنظام العالمي، فهذا الإعلان بين الصين وروسيا يوحي بأن تفاهمات إستراتيجية قد تمت بين الصين التي تحاربها واشنطن في ميدان التكنولوجيا والاقتصاد، وبين روسيا التي تحاربها واشنطن في الساحة الطاقية والأمنية والاستراتيجية، وربما بوتين احاط علما زميله تشي جي بينغ قبل تحرك الجيش الروسي تجاه أوكرانيا. وفي المقابل حصلت الصين على اعتراف صريح من روسيا بسيادتها على تايون، وهو ما قد يمهد الطريق أمام التنين الأصفر للقيام بخطوة مماثلة لضم تايون في وقت لاحق بموافقة موسكو. وهذا سيحدث أكبر زلزال في العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية وتفكك الاتحاد السوفييتي. ومن شأن ذلك أن يعيد ترتيب أوراق العالم ويؤذن بميلاد نظام دولي على أنقاض النظام الحالي أحادي القطبية الذي عمر ثلاثة عقود، والذي يوصف في كثير من الأحيان، حتى من قبل مركز الدراسات الأوروبية، بنظام الإمبراطوربة الأمريكية. ولعل من أبرز ملامح هذا النظام الجديد تلك «الشراكة بلا حدود» بين الصين وروسيا، والتي تشمل عقودًا ضخمة لتوريد الغاز الروسي إلى الصين لضمان تدفق إمدادات الطاقة اليها، وهي نقطة الضعف الكبير بالنسبة للقوة الصينية الصاعدة التي تعتمد على استيراد المحروقات بشكل شبه كلي من الخارج.

كما أن هذا التحالف بلا حدود سيمتد إلى مجال الفضاء والمجال العسكري، وقد نظم البلدان أكبر مناورات عسكرية عرفها التاريخ سنة 2018. وفي الجانب الاقتصادي سيشكل التمدد الصيني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية «نهاية سيطرة الغرب على العالم» التي تحدث عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في خطاب له أمام السفراء عام 2019. وإذا كانت الصين قد تكفلت بانهاء تلك الهيمنة إقتصاديا، فإن روسيا شرعت في الإجهاز على الإرث الاستعماري من خلال دخولها بقوة إلى الساحل وافريقيا الوسطى، وقد تابعنا خروج القوات الفرنسية من مالي، وتعويضها بقوات روسية. نحن إذن، أمام نهاية تبعية المستعمرات السابقة للمتروبول، كما أن ذلك بداية للانكماش الاقتصادي والاستراتيجي لأوروبا. وإذا كان كما يقول الباحث غبار الحرب يحجب عنا الرؤية الآن لمعرفة من المستفيد أكثر ومن الخاسر الأكبر في هذه الحرب، فإن المؤكد هو أن النظام العالمي سيتغير، وأن قواعد اللعبة سيتم تحيينها، وعقارب الساعة سيتم ضبطها هذه المرة على توقيت بكين وموسكو وليس توقيت بروكسل وواشنطن.

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق