اجتياح أوكرانيا.. الفصائل الفلسطينية ولعنة القياصرة الجدد!

تامر خرمه
2022 / 3 / 10


“النضال ضد الحرب ومصدرها الإجتماعي، الرأسمالي، يفترض دعما مباشرا وفعالا وصريحا لدعم شعوب المستعمرات المضطهدة في نضالها وحربها ضد الإمبريالية. إن الموقف المحايد مساوي لدعم الإمبريالية”. (ليون تروتسكي- قرار حول مؤتمر مناهضة الحرب، مكتب لندن، تموز 1936).
الحرية، بالمعنى السياسي الحقيقي للمفردة، لا يمكن تحقيقها دون التخلص من كافة أنماط الاضطهاد والاستغلال، والتحرر من كل أشكال الاحتلال أو الرضوخ والتبعية للإمبريالية، التي لا تقتصر على “اليانكيز”، أو “القارة العجوز”، كما يتوهم التيار الستاليني، فالإمبريالية الشوفينية الروسية لا تقل غطرسة وعنجهية عن نظيراتها، بل قد تكون هي الأسوأ، من حيث مصادرة الحقوق الديمقراطية، التي اكتسبتها الطبقات العاملة خلال مراحل الثورات البرجوازية.
عندما تقرر الإمبريالية، أية إمبريالية على وجه هذا الكوكب، خوض حرب ضد شعب ما، واحتلال أية بقعة من أرضه، فإنها في الواقع تستهدف الإنسانية بأسرها؛ فتجارة الحرب تتناقض جوهريا مع مصالح فقراء العالم وطبقاته المقهورة، بل ومع وجودهم المحض. لذا، من الطبيعي، والبديهي، أن يتضامن أي شعب تعرض للاحتلال مع الشعوب التي تعاني مرارة ما تجرعه.. ما يحدث اليوم على أرض أوكرانيا وضع كثيرا من القوى المتوهمة بأن موسكو هي “معقل مناهض للإمبريالية”، عوضا عن حقيقة الإمبريالية الشوفينية لروسيا بوتين، في مواجهة مع مأزقها الأخلاقي، الناتج عن مواقف فرضتها براغماتيتها المبتذلة.
الشعب الفلسطيني، الذي لايزال يعاني نكبة مستمرة منذ العام 1948، يعرف أكثر من غيره ماذا يعني الاحتلال.. وليس غريبا على هذا الشعب، الذي يسجل كل يوم بطولات تاريخية في سياق ثورته الدائمة، أن يتضامن بشكل غير مشروط مع الشعب الأوكراني في مواجهة الاحتلال الروسي. لكن بعض الفصائل التي تخلت عن ثوريتها، سواء بالارتماء في ظلال الحل المرحلي لإقامة سلطة في ظل الاحتلال، أو بالارتهان إلى حسابات أنظمة إقليمية ودولية تطبخ في طهران أو موسكو، مالت حيث تميل رياح الملالي والقياصرة الجدد!
في الوقت الذي لجأت فيه بعض الفصائل الفلسطينية إلى الصمت، ونأت بنفسها عن إعلان الموقف الأخلاقي برفض الاجتياح الروسي لأوكرانيا، انبرت الجبهة الديمقراطية للتصفيق لبوتين، وإعلان تأييدها الصريح للغزو في بيان رسمي، قالت فيه إن” من حق روسيا الاتحادية، كما من حق كافة دول العالم وشعوبها، أن تضمن أمنها القومي، وأن تدافع عن حريتها واستقلالها السياسي والاقتصادي، في مواجهة سياسة التمدد العدوانية لحلف الناتو، التي تستهدف تطويق روسيا الاتحادية بالقواعد العسكرية”، على حد تعبير البيان.
كما نقل الموقع الإلكتروني الرسمي للجبهة تصريحات بوتين التي زعم فيها أن “هدف روسيا يتلخص في حماية الأشخاص الذين تعرضوا على مدى ثماني سنوات لسوء المعاملة والإبادة الجماعية من قبل نظام كييف”.. وهي كذبة أخرى من فيض مخيلة القيصر الجديد!
لا شك بأن حلف الناتو هو أحد أقذر أذرع الإمبرياليتين الأمريكية والأوروبية، ولكن ماذا عن الإمبريالية الروسية، وذراعها العسكري المتمثل بمنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها موسكو، والتي قمعت الإنتفاضة الشعبية في كازاخستان قبل نحو شهرين، بعد أن دعمت نظام لوكاشينكو الاستبدادي في بيلاروس.. ولا ننسى أيضا كيف كانت طائرات بوتين تقصف الشعب السوري لحماية دميته الأسد!
ترى، ما هي “الحماية” التي تتحدث عنها جبهة نايف حواتمة في بيانها؟ أليس الاجتياح الروسي لأوكرانيا، الذي يعيد إنتاج البربرية الشوفينية، هو أجمل هدية وأفضل مبرر يمكن تقديمه لحلف الناتو؟! وهل كانت روسيا تحمي نفسها عندما احتلت شبه جزيرة القرم في العام 2014؟ أو عندما انتزعت أوسيتيا وأبخازيا من جورجيا عام 2008؟!
الكارثة أن مثل هذا الارتماء في أحضان موسكو لم يقتصر على الجبهة الديمقراطية فحسب، فالأمين العام لحزب الشعب (الحزب الشيوعي سابقا)، بسام الصالحي، كان قد أجرى اتصالا قبل أيام مع نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، أكد فيه تضامن حزبه مع روسيا، وفقا لما نشره الحزب عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وكان الصالحي قد برأ بوتين خلال اتصاله من مسؤولية اجتياح أوكرانيا، حيث أعرب عن “رفض مخططات الولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو التي قادت إلى هذه الحرب”.. لكنه استدرك بالدعوة إلى “حل سلمي للأزمة الأوكرانية بما يخدم مصالح الشعبين الروسي والأوكراني”.
موقف حزب الشعب قد يبدو أكثر اتزانا مقارنة بموقف يسار الحل المرحلي، المتمثل بالجبهة الديمقراطية، لكن كلا الحزبين اختار الاصطفاف في خندق إحدى أعتى الإمبرياليات العالمية، على حساب الدماء الأوكرانية، والكزاخستانية، والبيلاروسية، والجورجية، والسورية.. الخ.. وكأن الأممية تنتهي عند حدود المصالح التنظيمية الخاصة! وهو موقف لا يختلف عن موقف الأحزاب الإشتراكية الديمقراطية التي خذلت الطبقة العاملة، ونسفت الأممية الثانية، خلال الحرب العالمية الأولى!
الجبهة الشعبية من جهتها لم تصدر أي بيان رسمي تعلن فيه دعمها لنظام بوتين واجتياحه لأوكرانيا. رغم ذلك، فقد نشرت على موقعها الرسمي افتتاحية بتاريخ 24 شباط بعنوان: “أوكرانيا والبطن الرخوة”، فسرت فيها هذا الاجتياح على أنه محاولة “استباقية”، “لمنع انضمام كييف إلى حلف الناتو”. كما بررت لما وصفته بأنه “استعادة” لشبه جزيرة القرم لأن بوتين كان “حذرا من استخدام الولايات المتحدة بشكل خاص، والغرب عموما، أوكرانيا لتهديد روسيا والحد من طموحاتها الجديدة، لا سيما بتحالفها مع الصين وسعيها لاستعادة بعض علاقاتها في الشرق الأوسط، بدخولها الميدان السوري بقوة منذ العام 2015 وتحولها إلى رقم صعب في المعادلة التسووية للصراع”..
تبرير احتلال أراضي أوكرانية، والتدخل الدموي في سورية، وهو الموقف الذي أجمع عليه اليسار الستاليني، لا يمكن اعتبارهما سوى انحياز أعمى للإمبريالية الروسية، وتجاهلا مطلقا لحقيقة أن بوتين هو حليف استراتيجي للصهيونية، كما كان ستالين، ولكونه الصديق المدلل لليمين الغربي المتطرف، الذي أفرز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، صاحب مشروع صفقة القرن، الذي نقل سفارة بلاده من تل الربيع إلى القدس!
أما بالنسبة لحركة فتح، التي يتم اختزالها في سلطة رام الله، فلم يصدر عنها، فيما يتعلق بهذه القضية، ما يستحق الذكر.. على أية حال من الطبيعي أن لا تتخذ قيادات هذه الحركة ذات الموقف الذي اتخذه اليسار المنحاز للإمبريالية الروسية، فهذه القيادات رهنت حاضرها ومستقبلها بيد إمبراطورية “اليانكيز”، انطلاقا من مصالحها الطبقية..
لكن بعيدا عن تلك القيادات ومصالحها الذاتية، حاولت الحركة تسليط الضوء مجددا على قضية احتلال فلسطين، في ظل انشغال العالم بالأزمة الأوكرانية، حيث طالبت “دول العالم والأمم المتحدة ومجلس الأمن بإدانة جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق شعبنا وعدم الكيل بمكيالين”. وأضافت: “هل الدم الفلسطيني بالنسبة للبعض دم من الدرجة الثانية؟ وهل الإنسانية تصنف وفقا للعرق واللون؟”.
من ناحيتها كانت حركة حماس قد نفت صحة ما نسب لرئيس مكتبها السياسي في إقليم الخارج، خالد مشعل، من تصريحات ورد فيها أن “على بوتين التوقف عن غزوه لأوكرانيا وقتله المدنيين”. وقال القيادي في الحركة، هشام قاسم، إن مشعل “لم يدل بأي تصريح لأية وسيلة إعلامية بشأن الأزمة الأوكرانية”.
رغم هذا لم تخف الحركة غبطتها لما يوصف بتعددية الأقطاب الدولية، حيث قال مسؤول العلاقات الدولية في الحركة، موسى أبو مرزوق، في تغريدة نشرها على موقع “تويتر” إن “أبلغ دروس الحرب- الروسية الأوكرانية أن عهد أمريكا القطب المتفرد في العالم قد انتهى، لعدم قدرتها على اتخاذ قرار الحرب في مواجهة روسيا، ومن لا يتخذ قرار الحرب لن يكون مقرر السياسة الدولية”.
أما فيما يتعلق بحركة الجهاد الإسلامي، فقد اكتفت بالتركيز الإعلامي، من خلال موقع فلسطين اليوم، على مسألة تزايد الهجرة اليهودية من أوكرانيا منذ بدء الاجتياح، حيث بلغ عدد المهاجرين الجدد نحو 1555 ألفا. كما سلطت الحركة الضوء على تسجيلات الفيديو التي خاطب خلالها الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، يهود العالم، داعيا إياهم إلى عدم الصمت حيال قتل المدنيين في أوكرانيا.
على أية حال، من الطبيعي أن يستغل الاحتلال الصهيوني ما يحدث في أوكرانيا، أو أي مكان في العالم، لصالح مشاريعه الاستيطانية التوسعية.. رغم هذا، ليس المحتل الغاصب هو من يفترض به دعم الشعوب التي تتعرض للاحتلال والقتل.. بل إن شعب فلسطين الذي يعاني مرارة الإحتلال والتهجير والنكبة المستمرة، على يد الصهيونية الحليفة للإمبريالية الأمريكية والأوروبية والروسية، هو الأصدق في تعبيره عن التضامن اللامشروط مع أي شعب يعاني الاحتلال في أية بقعة على وجه الأرض!
الصهيونية تجني ثمار ما اقترفه بوتين بغزو أوكرانيا، تماما كما فعلت سابقا بذريعة معاداة السامية في روسيا القيصرية.. وكأن التاريخ يجتر نفسه في سياق “العود الأبدي”! الشوفينية الروسية، ككل التعبيرات المنبثقة عن توحش النظام الرأسمالي العالمي، لاتزال تقترف الجرائم بحق كافة شعوب الأرض.. وذات النظام الذي أنتج هذه الهمجية، يحاول تبرئة نفسه عبر التباكي على ضحاياه، وإرغام الشعب الفلسطيني، والشعوب المضطهدة الأخرى، على تسديد فواتير جرائمه!
تحرير فلسطين لا يمكن أن يتحقق عبر الارتهان الفصائلي لأية قوة إمبريالية.. الثورة الأممية ضد هذا النظام العالمي، الذي يتغذي على تجارة الحرب، واستعباد الشعوب، هو الطريق الوحيد إلى الحرية، التي يستوجب تحقيقها تلازم النضالات في فلسطين، وأوكرانيا، وأية بقعة على الأرض تعاني الاحتلال والتوحش الإمبريالي لأية قوة غاشمة.. كان الأجدى بالفصائل الفلسطينية التي اختارت الانحياز إلى موسكو بوتين، أن تنحاز إلى الشعب الأوكراني في مواجهة كل من الشوفينية الروسية، وأطماع حلف الناتو الذي يسعى إلى تحويل أوكرانيا لشبه مستعمرة لقواته العسكرية، على حد سواء..
المعركة بين قوتين إمبرياليتين تضاربت مصالحمها لا يمكن أن تكون في صالح أي شعب من الشعوب.. الاصطفاف في خندق أي من الطرفين المعاديين للثورة الأممية، بل ولمستقبل كافة شعوب الأرض، لا يمكن وصفه سوى بالبراغماتية المبتذلة، التي لن تقود سوى إلى أزمة أخلاقية، واغتراب عن جوهر القضية.. قضية الحرية..

حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق