في انهيار ثقافة المجتمع أو تغيرها

حسين محمود التلاوي
2022 / 3 / 5

هل هزيمة المجتمع تعني هزيمة ثقافته؟! وهل هزيمة الثقافة تعنى فناء مجتمعها؟! أم أن المجتمع يمكن أن يستمر بثقافة جديدة؟! وهل هذه الثقافة الجديدة تعنى أنه فقد صبغته التي اكتسبها بالثقافة الأولى؟! أم أن الوافد الثقافي الجديد هذا ما هو إلا حلقة في عملية تطوير يقوم بها هذا المجتمع؟! وهل تحلل مجتمع يعنى انتهاء وموت ثقافته؟! أم أن الثقافة قد تبعث في مجتمع جديد بعد مدة طالت أم قصرت؟! كل هذه الأسئلة تشير إلى العلاقة بين المجتمع والثقافة ودرجة التلاصق بينهما.
قد يتفكك مجتمع ما ويتحلل إلا أن ثقافته تظل موجودة تنتظر من يعمل على إحيائها ونموذجنا المجتمع البلغارى، الذى اندثر تحت وطأة الغزو العثمانى، ثم ما لبث أن استعاد هويته، وأحيا ثقافته بعد ضعف القبضة العثمانية.
وقد يقول قائل إن الثقافة الفرعونية قد زالت بعد زوال الحضارة الفرعونية، إلا أن الواقع يكذب ذلك؛ فلا تزال صور كثيرة من الثقافة الفرعونية سائدة في الفكر الاجتماعى المصرى؛ ومنها تخليد ذكرى القدماء، والاحتفاظ بمفاهيمهم، وتمنى الخلود. وعلى الرغم من عدم حث الإسلام على الإفراط في تبجيل المتوفى، فإن هذا الفعل يأتى وفق التقاليد الفرعونية الذى يمجد في الفرد حتى بعد وفاته، ويحافظ على ممتلكاته انتظارًا لعودة الروح لأدوات صاحبها، وقد بقي هذا التقليد معنويًّا دون الجانب المادى الذى يتعارض تعارضًا صريحًا مع الديانة التي يعتنقها الشعب المصرى؛ وهى إما الإسلام أو المسيحية.
إذن، تبقى الثقافة، وإنْ في حالة سبات، إذا ما زال مجتمعها، كما أن المجتمع — في تبنيه ثقافة جديدة — لا يلقي بالسابقة خلف ظهره، ولكنه يهل منها قيمًا وعادات؛ إذ أن تغيير الثقافة لا يكون فجائيًا، كما أنه يأتي ضمن عملية التجديد الثقافية التي يقوم بها أي مجتمع إنسانى.
لكن ما الأسباب التي تؤدى إلى انهيار الثقافة أو دخولها في حالة من السبات الوقتى؟! من أبرز هذه الأسباب:
‌أ. الغزو العسكرى: فقد يجتاح أحد المجتمعات غزو عسكرى كاسح لا يقدر المجتمع على رده فسقط تحت وطأته وينهار ويبدأ في الخضوع الثقافة المجتمع مثلما حصل عند الغزو الرومانى لمصر والتى أقلعت عن التمسك بالثقافة الفرعونية وبدأت في الأخذ بالفكر الوافد ولكن بقيت قيم من الفرعونية بل وانتقلت إلى بلاد الغزو إلا أن المجمل الفرعونى تلاشى تقريبًا. ولكن الهزيمة وحدها لا تكفى فالضعف الاجتماعى يساعد على الانهيار الثقافى؛ فالمجتمع المصرى، في تعرضه للاحتلال البريطاني، لم يفقد قيمة وثوابته نتيجة قوة المجتمع؛ والتى تمثلت في اعتناق الدين؛ وهى القوة التي أدت في النهاية إلى خروج الاحتلال عام 1954 كإحدى نتائج ثورة يوليو 1952.
‌ب. اعتناق دين جديد: إن المنظومة الثقافية للديانات السماوية وبخاصة الإسلام هي أقوى المنظومات الثقافية والتى لا يمكن ضربها بأى حال من الأحوال؛ وهو ما شهدناه من انهيار الحضارة الفارسية أمام اندفاع الدين الإسلامى، واعتناق أهل فارس للإسلام. ولكن تبقَّى من الحضارة الفارسية بعض القيم التي اختلطت بالفكر الإسلامى في أذهان العامة مكونة النمط الثقافى المميز حاليًا للثقافة الفارسية؛ أي أن الدين الجديد يكون أحد عوامل إدخال ثقافة غالبة؛ تلغي ما سبق من الثقافات، أو على الأقل تلغى سيادة هذه الثقافات.
‌ج. الانهيار الاجتماعى الداخلي: يأتى مثل الدولة الرومانية على تآكل المجتمعات داخليًا ومن ثم انهيارها تحت تأثير الغزو الخارجي وكذلك الغزو الثقافى كأبرز النماذج على ضرب المجتمع لثقافته وكدليل على أن الثقافة منتج اجتماعى بالدرجة الأولى فلما ضعفت الدولة الرومانية وأخذت في الانهيار ارتفعت أصوات القوميات المختلفة سواء في أوروبا أو خارجها وبدأت كل قومية أو تجمع بشرى في إيجاد مجتمعه الخاص به خارج سيطرة الدولة الرومانية حتى تلاشى الوجود الرومانى من على الخريطة السياسية والثقافية الحالية للعالم وإن كان المنجز الحضارى والثقافى الرومانى لا يزال فاعلاً أنه يعتبر جزءًا من المحددات الثقافية للمجتمعات لاتفاق مجتمع كامل متماسك.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار